كان آدم يجلس على المقعد الحديدي الأخضر منذ ساعة تقريبًا، لا يفعل شيئًا سوى مراقبة الحمام وهو يلتقط بقايا خبز نسيها أحدهم. لم يكن قد أخبر أحدًا بعد أنه رُفض. رسالة واحدة، سطران لا أكثر: "نأسف لإبلاغكم أن طلبكم لم يُقبل هذه المرة." كأن حلمًا بأكمله يُختصر في جملة اعتذار باردة.

لم ينتبه لجاره على المقعد إلا حين سمع صوتًا هادئًا:

"الحمام لا يهتم إن كنت فاشلاً أو ناجحًا. هذا ما أحبه فيه."

التفت آدم. رجل في الستينيات ربما، بلحية بيضاء غير مهذبة، ومعطف قديم رغم الطقس الدافئ. لم يكن يبتسم، لكن عينيه لم تحملا سخرية.

"عفوًا؟"

"لا شيء. فقط أراك هنا كل يوم منذ ثلاثة أيام، بنفس الجلسة، بنفس النظرة. أعرف تلك النظرة."

حاول آدم أن ينكر، لكن الكلمات خرجت وحدها: "رُفضت من عمل كنت أعتبره حلم حياتي. ظننت أنني أخيرًا سأبدأ."

هز الرجل رأسه ببطء، وكأن الجملة ليست جديدة عليه، بل قديمة قِدم الحديقة نفسها.

"اسمي سيزيف."

ضحك آدم رغم نفسه: "مثل الأسطورة؟"

"مثل الأسطورة بالضبط. أبي كان يحب القصص اليونانية. لم يكن يعرف وقتها أنه يختار لي اسمًا سيلاحقني طوال حياتي."

جلس سيزيف بجانبه دون أن يُستأذن، وبدأ يتحدث دون مقدمات، وكأن آدم صديق قديم لا غريب التقى به للتو.

"أنا لا أنجح، يا بني. هذه ليست جملة تواضع. هي حقيقة. فشلت في تجارتي الأولى وأنا في الخامسة والعشرين. فشلت في زواجي بعد سبع سنوات. فشلت في مشروع ثانٍ، وثالث، ورابع لم أعد أحصيه. كل مرة كنت أدفع الصخرة إلى أعلى التل، وكل مرة كانت تتدحرج من جديد قبل أن أصل."

"ولماذا تستمر إذن؟"

سكت سيزيف قليلاً، كأنه يبحث عن إجابة لم يجدها بعد رغم عقود من البحث.

"لأن التوقف عن الدفع أصعب من الفشل نفسه. جربت التوقف مرة. جلست في بيتي شهرين لا أفعل شيئًا. كان ذلك أقرب فشل وصل إلى قلبي."

مرت لحظة صمت. لم يكن آدم يعرف ماذا يقول، لكنه لم يشعر برغبة في المغادرة.

"لماذا تخبرني بكل هذا؟" سأل أخيرًا.

"لأن أحدًا لم يخبرني به حين كنت في مكانك. كل من حولي كان يحدثني عن أشخاص نجحوا، كأن النجاح لغة يمكن تعلمها بالاستماع. لم يخبرني أحد بأن الفشل أيضًا له ما يقوله، ربما أكثر مما يقوله النجاح."

بعد ذلك اليوم، عاد آدم إلى المقعد. ليس كل يوم، لكن كثيرًا. وفي كل مرة، كان سيزيف هناك، وكأنه لم يبرح مكانه قط، وكأن الحديقة نفسها امتداد لجسده.

حكى له عن مشروعه الذي أفلس، عن زوجته التي رحلت، عن ابنه الذي لا يكلمه، عن كل قرار بدا صائبًا في حينه وتحول إلى ندم. لم يكن يحكي بمرارة، بل بشيء أشبه بالفضول العلمي، كمن يشرّح فشله ليفهمه لا ليتباكى عليه.

في اللقاء الأخير قبل أن يختفي آدم لأسابيع، أخرج سيزيف من معطفه القديم دفترًا جلديًا متآكل الأطراف.

"هذا لك."

فتحه آدم بحذر. صفحات مليئة بخط يد مرتجف، تواريخ، أسماء مشاريع، جمل قصيرة: "فشل رقم 14 - السبب: الخوف من السؤال." "فشل رقم 22 - السبب: الثقة الزائدة." وبينها، متفرقة، جمل أخرى لا علاقة لها بالفشل مباشرة، بل بما تعلمه منه.

"لماذا تعطيني هذا؟"

"لأنني لن أحتاجه بعد الآن. أنا أعرف كل ما فيه عن ظهر قلب. أما أنت، فلا تزال في بداية دفترك."

لم يكن آدم يعرف حينها أن ذلك اللقاء سيكون الأخير الذي يحمل هذا الشكل. بعد أشهر، حين عاد إلى نفس الحديقة بعد نجاح صغير حققه - نجاح لم يكن ليحدث لولا سطر في ذلك الدفتر جعله يعيد التفكير في قرار كاد يكرر به خطأ "فشل رقم 14" - وجد المقعد فارغًا.

جلس عليه، بدفتره الخاص هذه المرة، ونظر إلى الحمام يلتقط بقايا خبز لا يعرف من تركها.

لم يعرف أبدًا إن كان سيزيف قد انتقل، أو مرض، أو ببساطة اختار يومًا ألا يأتي. ولم يعرف إن كان سيعود، أو إن كان قد رآه أصلاً، أو إن كانت الحكاية كلها أقرب إلى ما يرويه المرء لنفسه حين يحتاج صوتًا غير صوته.

فتح الدفتر على آخر صفحة فارغة، وكتب: "فشل رقم 1."

ثم توقف، والقلم لا يزال بين أصابعه، دون أن يعرف بعد ما الذي سيكتبه بعدها.

2026/08/23 · 7 مشاهدة · 631 كلمة
Mohammed Aqrid
نادي الروايات - 2026