لم يرمش. لم يتنفس. ظلّ الإيموجي الحقير يلمع أمامه، كأنه يصفعه كل ثانية.
رفع يده المرتجفة… وفتح خانة "الترسانة".
كان يعرف الجواب مسبقًا، لكن الأمل—ذلك الشيء الملعون الذي يرفض أن يموت—جعله يبحث رغم كل شيء.
اتّسعت النافذة:
────────────────────────
الترسانة
• رصاصة المضاعفة ×1
• رصاصة المستوى البرونزي ×1
────────────────────────
… ولا شيء غيرها.
لا أداة علاج.
لا خيط جراحي.
لا أي أثر لعملية الشراء التي أرسى عليها كل بقايا حياته.
"مستحيل… مستحيل…"
فتح بياناته الشخصية مجددًا.
ركز على خانة الثروة، وهو يكاد لا يراها بسبب الدموع التي تحرق عينَه.
■ الثروة: 0
صفر.
لا شيء.
حفرة سوداء.
قالها بصوتٍ لم يسمعه أحد سواه.
صوت صغير… صوت شخص انهار داخله كل شيء مرة واحدة.
"يا إلهي… لقد تمت سرقتي كالغبي."
كالطفل.
كالمبتدئ الذي يصدّق أول ضوء يلمع أمامه.
وقف مذهولًا. ليس لأنه جديد على هذا العالم، بل لأن الخبرة التي عاش حياته كلّها عليها في الألعاب الواقعية، في السوق السوداء للمحتوى، في المقايضات المعقدة… كلها خانته هنا.
وهذا ما كان مؤلمًا حقًا: لم يفشل لأنه مبتدئ… بل لأنه واثق. أكثر من اللازم.
لقد خدعوه لأنه:
اعتمد على حدسه القديم الذي كان ينقذه في الألعاب التقليدية.
لم يتقبّل بعد أن الشبكة لا تخضع لقوانين "اللعبة"، بل لقوانين البشر—الذين يجيدون الخداع أكثر مما يجيدون اللعب.
نسي أن أي نظام بلا رقابة… هو غابة.
وثق بسرعة أكبر من المعتاد لأنه كان تحت ضغط الوقت…
ولأنه كان يائسًا… واليأس يجعل أذكى اللاعبين أغبى الضحايا.
شعر بضغط في رأسه… كأن عصبًا احترق.
"ماذا أفعل الآن…؟"
بحث بعشوائية في الشاشة المبهرجة التي تملأ مجال رؤيته.
ألوان، رموز، إعلانات، لافتات…
وفجأة، شيء جذب نظره في الأسفل.
ساعة.
تشير إلى:
38:30
والوقت يتناقص بثوانٍ ثابتة.
"تبا… هذه ساعتي الخاصة بوقت بقائي على الشبكة… لم يبقَ لي الكثير…"
تنهيدة بطيئة خرجت منه.
"لم يبقَ لي شيء أساسًا."
ومع ذلك…
قرر أن يعود إلى القناة العامة. آخر محاولة… آخر صوت يمكن أن يصرخ به قبل أن يطرده الوقت خارج هذا العالم.
دخل.
ظهرت الرسائل تتدفق.
كتب بصعوبة:
Rinji]: لقد تم الاحتيال علي. أحتاج المساعدة… أرجوكم.
مرت ثوانٍ…
ثم انفجرت الردود:
[CapySlayer44]: أوه انظروا من عاد، من الواضح أنّه احتيال.
[xXDarkWolf]: كان ينبغي أن تُجري فلترة للبحث. النظام يعرض مجموعات مشبوهة إن لم تخصّصه.
[MamaBear]: للأسف… المجموعات الوهمية تُحذف فورًا بعد الاحتيال.
[WizardDude]: إنه جديد فعلا.
[BladeOn]: قلتُ لك تظاهر بأنك ميت ههههههه.
[Ghostling]: اهدؤوا. لكن… نعم، هذا يحدث كثيرًا.
[Ghostling]: حتى النقابات الكبيرة تُنفَّذ ضدها عمليات احتيال مشابهة… النظام لا يحمي أحدًا.
[CapySlayer44]: ليشتكِ للنظام.
[NewUser]: يشتكي حقًا ههه، هل تظن أنّ النظام يهتم؟ لقد تمّ بيعي مسدس مياه وفقدتُ نصف وجهي ولا أحد يهتم.
[WizardDude]: احتمال أصلًا أنت المحتال وتبكي الآن.
[AnotherUser]: كلاسيكي!
رينجي شعر بشيء ينكسر في رأسه.
الغضب… اليأس… الإحساس بأنه عارٍ وسط وحوش تضحك عليه.
أصابعه ارتجفت.
الرؤية طاشت.
الساعة في الأسفل أصبحت 36:02… 35:59… 35:58…
النفس يثقل.
العالم يضيق.
ثم ظهر تعليق واحد يتيم… مختلف:
[Ghostling]: ادخل المزاد. ربما عندك شيء تقايضه.
تردّد…
لكن… ما الذي سيفقده أكثر مما فقده؟
رفع بصره نحو القوائم.
المزاد… كان هناك دائمًا—
مجرد رمز صغير بين ألف رمز.
ضغط عليه.
و… دخل.
لم يرَ في حياته واجهة مزدحمة بهذا الشكل…
كانت القاعة الرقمية تشبه سوقًا أسطوريًا داخل دوّامة إعصار:
منصّات ترتفع وتهبط،
أرقام تتفجّر مثل شرارات،
مستخدمون يقفزون بين العروض،
أسعار تتضاعف بلمح البصر،
وأصوات…
أصوات كثيرة، تهدر وكأن كل لاعب يريد أن يسمعه العالم كلّه.
مزايدات على بقايا حيوانات مصطادة.
أسلحة مضحكة.
ملابس فاخرة.
أقنعة غريبة.
وحتى… سمكة ذهبية تغني؟
لا يعرف إن كان ذلك عن قصد أم لعبة من النظام.
كل منصة لها هالة، وكل هالة لها لون، وكل لون يصرخ:
"أنت فقير… لا تفكّر حتى."
رائحة الخسارة—حتى وهي رقمية—كانت موجودة.
ورينجي عرف فورًا أنه لا ينتمي لهذا المكان.
بدأ يبحث.
كتب في شريط البحث:
Silver Surgical Thread
لا نتائج.
Silver Thread
لا شيء.
Surgical
فارغ.
حتى أنه حاول كتابة الكلمة بطريقة خاطئة… لعل النظام أحمق مثل المستخدمين، لكن لا فائدة.
كان الوقت ينزلق من بين أصابعه.
ضغط على رأسه بأصابعه المرتجفة…
شعر بالدوار…
وبالألم يتسلّق كتفه بسرعة مرعبة.
جسده بدأ يفقد الإحساس في الشق الأيسر بالكامل.
رؤيته تتشوش.
ذهوله يمتزج بالذعر.
كان يعرف أنه لم يعُد يملك رفاهية التفكير.
قرر أن يفعلها.
فتح خانة إنشاء مزاد جديد…
وسحب رصاصة المستوى البرونزي.
كتب الوصف بسرعة:
"أقايض: رصاصة برونزية مقابل خيط الجراحة – المستوى الفضي."
وعندما ضغط نشر…
لم يحصل حتى على ثانية من الصمت.
الشتائم انفجرت مباشرة:
[RedClown]: هذا… أسوأ مقايضة رأيتها في حياتي.
[SlapKing]: هههههههههههههه! الرصاصة البرونزية لا تساوي حتى عشر عملات!
[BoneCollector]: يا رجل… ستُطرد من المزاد بسبب الفقر.
[Mira7]: خيط فضي؟ أنت تحلم.
كانت الضحكات أسوأ من الألم.
أسوأ من النزيف نفسه.
وجهه شحب.
نبضه تلعثم.
شعر بالهزيمة تتجمع في صدره ثقيلة… خانقة…
عاد ينظر إلى ذراعه شبه الممزقة…
الأعصاب المكشوفة…
الدم الذي بدأ يتجمد على أطراف الشاشة.
حرفيًا… كان يحتضر.
ورغم ذلك…
لم يستطع إجبار نفسه على فعل الخطوة التالية.
رصاصة المضاعفة.
الشيء الوحيد القَيّم فعلاً في كل ممتلكاته.
الوحيد الذي بإمكانه أن يغيّر مصيره كاملًا… لاحقًا.
أو الآن…
ينقذه من الموت.
ابتلع ريقه بصعوبة.
الألم يجعله يرى ألوانًا ليست موجودة.
الضوضاء الرقمية تتحول إلى دويّ في رأسه.
التوتر يسحب روحه.
نظر إلى ساعة الشبكة أسفل الشاشة:
19:23
19:22
19:21
الوقت… ينهار حرفيًا أمام عينيه.
والمشكلة الكبرى؟
المزاد لا يسمح بنشر عرض جديد إلا بعد ربع ساعة من آخر محاولة.
«تبا… تباا…»
حاول إيقاف الرجفة.
لا جدوى.
كان عليه أن يقرر بسرعة…
إما أن يتشبّث بالرّصاصة—
أمله المستقبلي—
أو يتشبث بذراعه الآن.
لم يكن يعرف أيهما أهم…
المستقبل؟
أم القدرة على حمل المستقبل؟
أغمض عينيه…
سحب نفسًا متقطعًا…
ثم فتح نافذة المزاد مجددًا…
وجرّ رصاصة المضاعفة نحو خانة الإدخال.
ضغط "موافق".
… لا شيء.
لم تظهر نافذة تأكيد.
ولا صوت.
ولا إطار.
للحظة، ظنّ أن النظام يسخر منه هو أيضًا.
حتى كتب أحد اللاعبين أخيرًا:
[xXDarkWolf]: … هل يمزح؟
[Mira7]: أكيد هذه خدعة.
ظنها رينجي سخرية جديدة.
استعدّ لفيض من الضحك عليه.
ثم… فجأة…
[RichBastard22]: مليون عملة.
دويّ.
كأن السوق كله انفجر.
المزاد—الصغير التافه الذي نشره—
تحوّل خلال ثوانٍ إلى عاصفة.
منصّات تشتعل.
أسعار تقفز.
مزايدون يتضاعفون بالعشرات… ثم بالمئات… ثم بالآلاف.
العروض تتدفق مثل شلال:
1.2M
1.5M
1.6M
2M
2.4M
رسائل…
شتائم…
هلع…
طمع…
ناس تدخل وتخرج…
أسماء تتوهج… أخرى تختفي.
كان المزاد الخاص به يتحول إلى حدث عالمي مصغّر…
بينما هو…
واقف… وحده…
بين الموت والرغبة…
بين الخسارة والنجاة…
وفي قلب هذا الجنون…
وخلال ثانية من الوضوح…
خطرت له الفكرة السخيفة التي تحولت إلى حجر ثقيل في صدره:
"لربما… خسارة ذراعي… أفضل من خسارة هذه الرصاصة."