لم يتحرّك رينجي.

ليس لأن الخوف قيّده—

بل لأن الغريزة صرخت بأعلى صوت ممكن:

أي حركة الآن… خطأ قاتل.

عادت الغابة فجأة إلى صوتها الطبيعي.

الحشرات.

أوراق الشجر.

تنفّس الأرض.

كأن شيئًا لم يحدث.

لكن رينجي كان يعرف.

حين تصبح الطبيعة طبيعية أكثر من اللازم—

فهذا يعني أن المفترس ينظر.

شدّ أصابعه ببطء.

لا على الزناد…

بل على الفراغ.

"… لا أراك." همس.

"لكنّي أشعر بك."

ضحكة.

ليست عالية.

ليست شريرة.

ضحكة قصيرة، سريعة، كأن الهواء نفسه اختنق ثم أطلقها.

تَك— تَك— تَك.

تصفيق.

ثلاث ضربات خفيفة.

من فوقه.

رفع رينجي رأسه ببطء محسوب.

هناك—

على غصن رفيع لا يُفترض أن يحمل شيئًا أثقل من طائر—

جلس القرد الأبيض السريع.

ليس أبيضًا بالكامل.

بل أبيض مكسور، مشوب بخطوط رمادية لامعة،

كأن فراءه صُقل بالرياح لا بالوراثة.

جسده نحيل…

لكن ليس ضعيفًا.

نحيل كالسهم.

كشيء صُمّم ليُطلَق، لا ليقف.

عيناه سوداوان تمامًا.

لا بياض.

لا انعكاس.

مجرد نقطتين تمتصّان المشهد.

وكان…

يصفّق.

يضحك.

ضحكته ليست حيوانية.

فيها سخرية واعية.

كأنها تقول: أخيرًا، شخص يستحق اللعب.

"… جميل." قال رينجي بهدوء مصطنع.

"حتى التماسيح كانت أكثر تهذيبًا."

أمال القرد رأسه.

ثم—

اختفى.

ليس قفزًا.

ليس حركة.

اختفاء.

رنّ الهواء خلف رينجي.

اندفع للأمام غريزيًا—

والغصن الذي كان يقف عليه القرد انكسر،

ليس بسبب وزن…

بل بسبب سرعة مغادرة.

تَك—!

شيء مرّ بجانب أذنه.

ليس جسدًا.

ليس يدًا.

الفراغ نفسه انشطر.

دحرج رينجي جسده، رفع الـMK-II، صوب—

ولا شيء.

"… اللعنة."

طلقة.

بووم.

الرصاصة شقّت الفراغ،

كسرت جذعًا خلفه،

وأعلنت عن مكانه أكثر مما أعلنت عن خطر.

ضحكة أخرى.

هذه المرّة من ثلاث جهات مختلفة.

"… هل تمزح؟" قال رينجي وهو يغيّر موقعه.

"لهذه الدرجة؟ حقًا؟"

ظهر القرد فجأة أمامه—

على بعد مترين.

وقف.

ثابت.

ابتسامة واسعة، أسنان صغيرة حادّة.

ثم—

صفّق.

تَك— تَك.

وكأنه يقيّم العرض.

لم ينتظر رينجي.

بووم— بووم!

طلقتان متتاليتان.

الأولى حيث كان الرأس.

الثانية حيث توقّع أن يكون بعد الحركة.

ولا واحدة أصابت.

تحرّك القرد بين الطلقتين.

ليس قبل.

ليس بعد.

بين.

ظهر خلفه،

لمسه بإصبع واحد على الكتف—

واختفى.

"… لا." قال رينجي وهو يشدّ أسنانه.

"أنت لا تلعب بسرعة جسدية فقط…"

تراجع.

قفز فوق جذع ساقط.

غيّر الإيقاع.

"… أنت تلعب بإيقاعي أنا."

توقّف القرد على غصن أعلى.

جلس القرفصاء.

وضع يديه على ركبتيه.

نظر إليه باهتمام.

كأنه يقول: استمر. أعجبني هذا الجزء.

رنّ صوت في رأس رينجي.

ليس النظام.

فكرته الخاصة.

الألعاب لا تكافئ الأسرع.

تكافئ من يفهم القاعدة المخفية.

رفع السلاح—

ثم خفّضه.

"… حسنًا." قال بهدوء غريب.

"دعنا نغيّر القاعدة."

لم يتحرّك.

وهنا—

بدأ يفهم.

ليس فجأة.

ليس كإلهام سينمائي.

بل كذاك الشعور البطيء… المقرف…

الذي تعرف فيه أنك متأخر عن الفهم بخطوة واحدة فقط.

لم يهاجمه القرد.

لم ينهِه.

لم يسرق حياته حين كان يستطيع ذلك عشرات المرات.

لماذا؟

أغمض رينجي عينيه لثانية.

ليس ليستريح—

بل ليُسكت الضجيج.

"… أنت لا تحاول قتلي." همس.

"أنت… تلعب."

فتح عينيه.

كان القرد ما يزال هناك.

ثابتًا.

ينتظر.

كطفل ملّ من لعبة سهلة…

ويريد أن يرى إن كان الطرف الآخر سيتعلّم.

ابتسم رينجي.

ليست ابتسامة ثقة.

ابتسامة لاعب محترف وجد أخيرًا نمطًا.

لعب رينجي سابقًا ألعابًا كانت سرعتها كافية لإسقاط اللاعبين من مقاعدهم،

ألعابًا يكفي النظر إلى حركتها ليجعل غيره يتقيّأ.

وحين تعتاد عالمًا لا يمنحك وقتًا للتنفّس،

تفهم الحقيقة البسيطة:

المشكلة لم تكن يومًا في السرعة…

بل في وهم قدرتك على توقّع ما سيأتي بعدها.

السرعة ليست العدو.

التوقّع هو العدو.

"أنت لا تتحرّك عشوائيًا…" قال بصوت مسموع هذه المرة.

"أنت تقرأني."

خطا خطوة واحدة…

ببطء متعمّد.

تحرّك القرد نصف غصن.

استجابة فورية.

"… تسبقني بنصف ثانية."

خطوة أخرى—

توقّف.

توقّف القرد.

ضحك رينجي.

ضحكة قصيرة.

صادقة.

"هاه."

"تمامًا كما توقعت."

رفع السلاح—

ثم غيّر اتجاهه فجأة نحو الأرض.

بووم!

ارتطمت الرصاصة بجذع ساقط—

وانفجرت شظايا الخشب في الهواء.

وفي تلك اللحظة—

تحرّك القرد.

ليس للهجوم.

بل لأن الإيقاع قال له: الآن.

وهذا…

كان الخطأ.

خرجت الرصاصة الثانية حيث سيكون،

لا حيث كان.

بووم—!

خدش.

ليس جرحًا حقيقيًا.

مجرد خط رفيع عبر الذراع البيضاء.

لكن—

الصمت الذي تلاه

كان أعلى من أي طلقة.

توقّف القرد.

لم يضحك.

نظر إلى ذراعه.

ثم إلى رينجي.

لم تعد العينان السوداوان مستديرتين.

ضيّقتين الآن.

حادّتين.

"… هل آلمك ذلك يا صغيري؟"

قالها رينجي بتعجرف متعمّد.

قاسٍ.

مستفز.

"أوه؟ لم يعجبك؟"

نظر القرد إليه…

لكن ليس كما قبل.

لم تكن نظرة لعب.

ولا فضول.

كانت نظرة شيء

اكتشف فجأة

أنه لا يريد أن يكون لطيفًا بعد الآن.

ثم—

اختفى.

ليس بسرعة.

ليس بحركة.

اختفاء كامل،

كأن الإطار نفسه سُحب من العالم.

شعر رينجي بها فورًا.

ذلك الفراغ المفاجئ خلف العينين.

ذلك الصمت الذي لا يعني هدوءًا…

بل كارثة في الطريق.

"… تبا."

شدّ جسده.

هبط قلبه نصف نبضة.

وفي اللحظة التالية—

الخطف.

ليس ضربة.

ليس صدمة.

يد باردة، دقيقة،

سحبت الـMK-II من بين أصابعه

كما تُسحب فكرة من رأسك قبل أن تكتمل.

استدار رينجي—

متأخرًا.

كان القرد قد ظهر بالفعل

على جذع شجرة عالية،

واقفًا بخفة لا تُصدّق،

والبندقية…

بين يديه.

بندقيته.

"… لا."

صعد الخدر من أطراف أصابعه.

ليس خوفًا.

شيئًا أسوأ.

إحساس اللاعب

حين تنتقل أدواته

إلى يد الخصم.

قلب القرد السلاح ببطء.

تفحّصه.

أدار السبطانة.

لمس المقبض.

فضول خالص.

كطفل

يفتح لعبة ميكانيكية

ليعرف كيف تصرخ من الداخل.

"هاه— مهلاً مهلاً."

قال رينجي بسرعة محسوبة،

صوته هادئ أكثر مما يجب.

"أعطني البندقية للعم—"

توقّف لحظة.

ابتلع ريقه.

"—وسأعطيك حلوى."

أمال القرد رأسه.

ثم—

رفع السلاح.

لا نحوه.

إلى عينه الصغيرة.

نظر داخل الفوهة.

يده الصغيرة…

استقرت

على الزناد.

شعر رينجي أن قلبه

توقّف عن كونه عضوًا

وصار فكرة واحدة فقط.

وفي عمق تلك الفكرة—

رغبة مريضة، لا إرادية،

قفزت:

اضغط.

اضغط.

اضغط.

كأن جزءًا منه

أراد أن ينتهي هذا كله

بلحظة واحدة واضحة.

ضاق العالم.

اختفت الغابة.

لم يبقَ سوى

سبطانة بنفسجية،

وزناد،

وإصبع أبيض.

ثم—

توقّف القرد.

أنزل السلاح ببطء.

نظر إلى رينجي.

لثانية واحدة—

شعر رينجي بشيء غريب.

ليس تهديدًا.

ليس غضبًا.

ابتسامة.

خفيفة.

جانبية.

ابتسامة تقول:

أنت فهمت الآن… أليس كذلك؟

ثم—

وجّه البندقية نحوه.

_____

كلمة المؤلف:

يووو! بسبب معلق و تفاعله على كل فصل قررت نشر فصلين اضافيين هذا المساء من اجله. و ايضا فكرت في فتح ديسكورد!

2025/12/13 · 34 مشاهدة · 967 كلمة
نادي الروايات - 2026