لم يفهم رينجي.
ليس فورًا.
العقل حاول — بكسلٍ غبي — أن يكمّل المشهد بالطريقة الصحيحة:
نهاية دافئة.
ميسا تبتسم.
ربما قبلة أخيرة.
الحيوانات مصطفّة كأنها تقوم بوداعية على شكل أفلام ديزني.
حتى الياغوار… ذاك اللعين… يحنّ رأسه معتذرًا، ويعيد له بندقيته القديمة كرمز تصالح سخيف.
شيء يشبه القصص التي تُقال بعد النجاة.
القصص التي تُكتب بأثر رجعي.
لكن الغابة لم تكن تكتب قصة.
كانت تحترق.
الصوت وصل أولًا.
ليس انفجارًا.
ليس عواءً.
بل ذلك الطقطقة المتواصلة… صوت أشياء حيّة وهي تفقد شكلها.
الأوراق.
الأغصان.
العشب.
كل شيء ينهار ببطء، وكأنه يعتذر للهواء.
الضوء تغيّر.
لم يعد ضوء صباح.
ولا غروبًا.
كان لونًا مريضًا.
برتقاليًا كثيفًا.
يلتصق بالعين.
رينجي استدار ببطء.
ثم أسرع.
ثم توقّف.
الحيوانات.
لم تكن تفرّ كما تخيّل.
لم يكن هرعًا فوضويًا.
كانت حركة واحدة.
تيار.
أجساد بأحجام مختلفة، بنفس الاتجاه.
الظباء.
الخنازير.
حتى مفترسات لم يكن من المفترض أن تتشارك الهواء.
الخوف هنا لم يكن فرديًا.
كان جماعيًا.
شيء ما أكبر من الغابة قرّر أن ينهي النقاش.
“… تبا.”
قالها، لكن صوته بدا صغيرًا.
غير مناسب للمشهد.
تحرّك.
ثم توقّف مجددًا.
النار ليست خلفه فقط.
ولا أمامه.
بل على الجانبين.
الدخان كثيف.
حارق.
يدخل الرئتين دون إذن.
والأسوأ؟
لم يعد يميّز الاتجاه.
رائحة الماء؟
أم رائحة نبات محترق يشبهها؟
النهر كان خياره الأول.
دائمًا.
ماء يعني حدًّا.
يعني مساحة.
لكن من أي جهة؟
هذه منطقة لم يدخلها من قبل.
الأشجار متشابهة.
الأرض منحدرة قليلًا، ثم ترتفع فجأة.
والدخان يقتل أي بوصلة داخلية.
خطوة خاطئة…
وقد يركض مباشرة داخل لسان نار.
“فكّر…”
قالها لنفسه.
لكن التفكير كان رفاهية.
الحرارة ارتفعت.
الهواء صار أثقل.
كأن الغابة تضغط عليه لتخرجه…
أو تسحقه.
توقّف فجأة.
ثم شتم.
“لا…”
مدّ يده.
فتح الترسانة.
وأخرج ما تبقّى.
بيبو.
“تعال.”
قالها بلا أي احترام.
بووف.
ظهر المخلوق الأصفر الكروي…
متمددًا على ظهره في الهواء، يتثاءب.
“أممم…” تمتم.
“هل تعرف كم الساعة؟”
رينجي لم يرد.
بدأ بإفراغ الترسانة.
رصاص.
رصاص.
رصاص.
سقوط معدني مجنون.
مخازن كاملة.
حتى الرصاصة المضاعِفة…
توقّف لحظة عندها.
نظر إليها.
ثم وضعها جانبًا.
الأخيرة.
الوحيدة التي لم يمسّها.
ثم الإكسير.
كل الإكسير.
قوارير تتكسر.
سوائل تختفي داخل فم بيبو المفتوح على اتساعه.
بيبو انتبه.
جلس.
عيناه اتسعتا.
“هاه؟!”
رينجي صرخ.
لأول مرة منذ وقت طويل:
“لا وقت لغبائك!
كُل!
كُل وأخبرني كيف أنجو!”
بيبو نظر حوله.
الدخان.
الحرارة.
الأشجار المشتعلة.
“… آه.”
قالها ببطء.
“الغابة تشتعل؟”
“نعم!”
“الآن!”
“تحترق!”
“كُل!”
ابتلع.
دفعة واحدة.
كل شيء.
كل ما تبقّى من عمل اكثر من شهر.
ذخيرة.
موارد.
تضحيات.
ابتلع حتى اختفى آخر صوت معدني.
سكت.
لثانية.
ثانيتين.
رينجي كان يتنفّس بصعوبة.
الحرارة تحرق جلده.
الدخان يخدش عينيه.
بيبو دار في مكانه.
مرة.
مرتين.
نظر إلى الأعلى.
ثم إلى الأرض.
ثم قال، بنبرة خفيفة…
كأن أحدًا سأله عن طريق المطبخ:
“هذا سهل…”
“سهل؟!”
صرخ.
صوته تشقّق قبل أن يصل.
“سهل؟
أخبرني إذن!
أخبرني الآن!”
نظر إليه بيبو.
نظرة لم تكن ساخرة هذه المرة.
كانت… شفقة.
كأن شخصًا بالغًا ينظر لطفل يصرخ لأن البيت يحترق ولا يفهم لماذا لا يكفي الصراخ لإطفائه.
قال بهدوء مؤلم:
“أنهِي المهمة الجانبية.”
توقّف لحظة.
“وعندها… ستنجو.”
“… ماذا؟”
لكن بيبو لم ينتظر.
لم يشرح.
لم يساوم.
بووف.
اختفى.
اختفى كما تختفي الأشياء في هذه الغابة:
دون وداع،
دون معنى،
دون أي التزام أخلاقي.
رينجي وقف.
ثابتًا.
كأن شيئًا داخله انطفأ فجأة.
النار تقترب.
الدخان يضغط.
والجو… ينهار.
“… لا.”
قالها بصوت مكسور.
“لا… لا لا لا.”
أنهِي المهمة؟
هذا هو الحل؟
في وسط الجحيم؟
وسط غابة تحترق؟
وسط وقت لا يملك منه شيئًا؟
ضحك.
ضحكة قصيرة، هستيرية.
ثم سعل.
ثم انحنى قليلًا وهو يلهث.
“أنا لا أريد الموت.”
قالها بوضوح.
بصدق.
بلا بطولة.
أنا لا أريد الموت.
والأسوأ؟
أنه أدرك شيئًا.
بالأمس…
كان يراقب.
يحلّل.
ينتظر.
واليوم؟
اليوم ظن انه لن يتردّد.
لن ترتجف يده.
لن يسأل نفسه إن كان هذا كثيرًا.
القرد الأبيض؟
سقط.
الأورانغوتان؟
أُعدم.
الياغوار؟
واجهه.
البايثون؟
حاصره.
فرس النهر؟
ذُبح.
وحوش…
كان يلعب بها في ألعاب الفيديو.
وحوش…
كان يصرخ من الرعب منها وهو جالس في غرفته، الستائر مغلقة، والسماعات على رأسه.
كان يظن أنه تغيّر.
كان يظن أنه صار أقوى.
لكن لا.
الوحش الحقيقي…
لم يكن الغابة.
ولا النظام.
ولا الحيوانات الفضية والذهبية.
الوحش الحقيقي…
كان الاعتياد.
القدرة على القتل دون سؤال.
الهدوء الذي يأتي بعده.
المنطق الذي يبرّره.
ذلك الشيء الذي يجعل النجاة أسهل…
ويجعل الرجوع مستحيلًا.
“… تبا.”
همس.
“أنا لا أريد أن أكون هذا.”
ثم—
انهار.
لا فكريًا.
بل جسديًا.
استدار.
وركض.
ليس نحو هدف.
ليس نحو النهر.
ليس نحو خطة.
ركض كما يركض شيء يريد فقط الابتعاد عن النار.
عن الفكرة.
عن نفسه.
الأغصان تضربه.
الدخان يخنقه.
الحرارة تلسعه.
ركض بعشوائية.
بتهوّر.
كما لو أن السرعة وحدها قد تُقنع العالم أن يتركه يمر.
ثم—
كرااااك—!
صوت عميق.
ثقيل.
ليس صوت نار.
صوت شيء ضخم…
يستسلم.
رفع رأسه.
ورآها.
شجرة.
ليست غصنًا.
شجرة كاملة.
جذع محترق من الداخل، لم يعد يتحمّل وزنه.
ثانية واحدة فقط
كان فيها الوقت كافيًا ليفهم.
وثانية أقل
كان فيها كل شيء أثقل من أن يُتفادى.
الظلّ سقط عليه.
والغابة…
أغلقت فمها.
______
كلمة المؤلف:
يووو حسنا اقتربنا من نهاية هذا الارك(الأرك و ليس الرواية)
ببساطة أدركنا الكثير صحيح؟
و اعدكم النهاية ستكون قوية.