منذ متى لم يسترجع ذكرياته؟

سؤال غريب… أو ربما متأخر.

هل تأتي الذكريات للميت؟

أم أن شريط الحياة يمرّ فجأة، بسرعة غير عادلة، بلا استئذان… بلا ترتيب؟

رينجي لم يكن متأكدًا.

كل ما عرفه، أنه تمنى — بصدقٍ طفولي — أن يتجاوز ذلك الشريط المشاهد المحرجة.

لكن الذكريات لم تكن رحيمة.

لم يرَ نفسه الآن.

لم يرَ الغابة، ولا الكوخ، ولا النظام.

بل رأى… رينجي الصغير.

غرفة ضيقة، نافذتها نصف مفتوحة، ضوء العصر يتسلل بخجل.

مكتب خشبي قديم، دفاتر مفتوحة، وأم واحدة تجلس مقابله.

والدته.

كانت تشير إلى صفحة في الكتاب، وتسأله بهدوء:

"حسنًا، أيها هو طائر الطنان؟"

رينجي الصغير حدّق في السطر طويلًا.

ثم قال بصوت خافت:

"لا أعرف."

لم ترفع صوتها.

لم تغضب.

فقط قالت:

"هيا… على الأقل حاول."

شدّ رينجي كتفيه.

"لكنني أدرك أنها خاطئة."

سكت لحظة، ثم أضاف بصدقٍ جارح:

"فلماذا أحاول أصلًا؟"

تأملته والدته.

نظرة طويلة، لا فيها عتاب ولا خيبة.

ثم قالت ببساطة:

"لا بأس بالمحاولة."

رينجي عبس.

"هذا غير واقعي."

ثم رفع رأسه فجأة، وكأن فكرةً قفزت داخله.

"حسنًا… سأحكي لكِ قصة."

رفعت حاجبها بابتسامة خفيفة.

"هل تتهرب من واجباتك؟"

"لا، لا… القصة لها علاقة بالموضوع."

قالها بسرعة، كأنه يخشى أن تُغلق الباب قبل أن يسمع.

ثم بدأ:

"كانت هناك سلحفاة… جاءت يومًا لزيارة ضفدعة تعيش في بركة صغيرة جدًا."

والدته أسندت ذقنها على كفها، واستسلمت.

"سألت الضفدعة السلحفاة: من أين أتيتِ؟"

"فأجابت السلحفاة: من المحيط."

رينجي ابتسم وهو يحكي، كأنه يرى المشهد.

"قالت الضفدعة: المحيط؟! ما هو المحيط؟"

توقف لحظة.

"السلحفاة حاولت… لكنها وجدت صعوبة في وصف حجم المحيط لضفدعة لم تعرف في حياتها سوى حدود بركتها الصغيرة."

خفض صوته قليلًا، ثم قال:

"فقالت لها: ليس هناك طريقة لأصف لكِ مدى ضخامة المحيط… لكن لدي حل آخر."

تنفّس.

"وفي النهاية… أخذت السلحفاة الضفدعة إلى المحيط."

اتسعت عيناه وهو يكمل:

"واندهشت الضفدعة. قالت: هيه! إنه شاسع!… لقد فهمت. هذا هو المحيط!"

سكت.

والدته لم تقل شيئًا.

كانت تفكر.

تتأمل.

تحاول أن تفهم المغزى.

"لا أفهم…" قالت أخيرًا، بصراحة هادئة.

رينجي نظر إليها.

"أجل. هذا هو المغزى."

نظرت إليه طويلًا.

ثم ابتسمت.

ابتسامة دافئة… حقيقية.

"اعتذر،" قالت.

"ربما أنا غبية."

وقتها لم يفهم.

لكن بعد سنوات — سنوات طويلة — أدرك رينجي ما كانت تقصده.

لم تكن تعتذر لأنها لم تفهم القصة.

بل لأنها فهمته.

كأنها تقول:

"آسفة… لأنك وُلدت عبقريًا."

وهو لم يعتبر نفسه كذلك أبدًا.

لم يشعر يومًا أنه ذكي خارق.

كان فقط…

يكره المحاولة

بقدر ما كان يكره الفشل.

جملة غير منطقية.

تناقض صريح.

ومع ذلك…

ظل يرددها كشعارٍ داخلي طوال حياته.

قلة فقط…

من فهموها حقًا.

---

…ثم عاد كل شيء.

ليس دفعة واحدة.

بل كأن الوعي يتسلّل عبر ثقبٍ ضيق.

أول ما شعر به…

الحرارة.

ليست دفئًا.

ليست ألمًا بعد.

بل ضغط.

ضغط كثيف، يلتف حول صدره ويطالب بالأكسجين.

ثم الرائحة.

دخان.

حارق.

مرّ.

يلتصق بالحلق كأنه مادة صلبة.

فتح عينيه.

السماء… لم تكن سماء.

كانت طبقة رمادية تتلوّى، تتفتت، وتنهار ببطء.

الغابة تحترق.

حاول أن يتحرك.

لم يحدث شيء.

أمرٌ غريب…

لم يشعر بالذعر فورًا.

كأن جسده لم يستلم الخبر بعد.

حاول ثانية.

…لا شيء.

"هاه…؟"

صوته خرج متقطعًا.

كأن الكلمات نفسها اختنقت.

حاول رفع ذراعه.

الأيمن… تحرّك قليلًا.

الأيسر—

توقف.

شعور غريب.

ليس ألمًا مباشرًا.

بل فراغ.

كأن شيئًا لم يعد هناك ليؤلم.

ثم، ببطء قاسٍ، وصل الإدراك.

"… آه."

قالها بتعب، كأنما يتذكر شيئًا نسيه على الطاولة.

"ذراعي…"

نظر.

لم تكن ذراعًا.

كانت بقايا فكرة.

محطّمة.

محترقة.

ملتوية بزاوية لا تنتمي لأي جسد حي.

الجلد… أسود.

اللحم… لا يمكن تمييزه.

والعظام؟

لم تعد تحاول أن تبدو كعظام.

مشهدٌ أعاد له ذكرى.

الياغوار.

العضّة.

الصوت.

تلك اللحظة التي أدرك فيها أن جسده ليس مقدسًا.

لكن هذه المرة…

كان كل شيء متفحمًا.

ضحك.

ضحكة قصيرة، يابسة، خرجت كشرارة أخيرة من فحمٍ يحتضر.

"هاه… حتى النهاية تحب التكرار، أليس كذلك؟"

السعال قاطعه.

الدخان ملأ رئتيه.

كل نفس صار مفاوضة.

أغمض عينيه.

"إذن… هذه هي النهاية؟"

لا ندم.

لا مراجعة طويلة.

لا اعترافات عظيمة.

فقط فكرة واحدة، واضحة بشكل مزعج:

حسنًا… لقد عشت بطريقتي.

فتح عينيه مجددًا، بنصف تركيز.

"لم أفشل."

ابتسم، ابتسامة بالكاد تُرى.

"هاه… مضحك."

وكان مستعدًا.

مستعدًا لأن يترك الغابة تأخذ ما تبقى.

ثم—

طن.

صوت.

ليس انفجارًا.

ليس سقوط شجرة.

بل خفقة.

خفيفة.

دقيقة.

صوت جناحين صغيرين…

يتحدّيان كل هذا الجنون.

رمش.

وفي وسط اللهب…

وسط السواد…

وسط الانهيار…

كان هناك لون.

شيء يرفرف.

"… همم؟"

الصوت جاء متعبًا، غير مصدّق.

هناك.

بين جذعين محترقين، وعلى زهرة وحيدة لم تصلها النار بعد—

طائر.

صغير.

مجنون.

جميل بشكل غير لائق للمشهد.

أجنحته تلمع، تترك أثرًا في الهواء،

كأنها تقطع الواقع نفسه.

ألوانه لم تكن صافية…

بل عميقة.

متراكبة.

بيضاء وذهبية — لكن ليس كالمعادن، بل كشيء حيّ.

يرفرف.

يتوقف.

يمد منقاره الصغير…

ويرتشف الرحيق.

العالم يحترق.

وهو… يشرب.

"… يا أمي."

همس رينجي.

"هذا هو إذن… طائر الطنّان."

وفي تلك اللحظة—

────────────────────

[تم رصد الهدف: طائر الطنّان]

التصنيف: ذهبي أبيــض

المكافآت المحتملة:

• +420 نقاط حيوية

• +480 عملات

────────────────────

ضحك.

ضحكة حقيقية هذه المرة.

مؤلمة، لكنها صادقة.

"بالطبع."

سعل.

"وسط الحريق… تعطونني هذا."

مدّ يده اليمنى.

ببطء.

بثقل.

أمسك البندقية.

كانت أثقل من أي وقت مضى.

ليس بسبب وزنها…

بل لأن ذراعه الأخرى لم تعد موجودة لتتوازن.

رفعها.

ذراع واحدة.

جسد محطّم.

الدخان يحجب الرؤية.

الألم يصرخ.

والهدف؟

أصغر من الرصاصة نفسها.

"حسنًا…"

قالها، وكأنه لا يخاطب النار ولا الطائر—

بل ذلك الشخص الذي كانه يومًا.

"لنحاول."

ثبّت قدمه، بالكاد.

الأرض ساخنة.

جسده مكسور.

لكن وضعية الرمي…

كانت مألوفة.

خفّض تنفّسه.

واحد.

اثنان.

وفي الفراغ القصير بينهما—

انهالت الذكريات.

ميسا.

ليس وجهًا واحدًا… بل اثنان.

ميسا الحقيقية، بصمتها، ترددها، نظرتها حين لم تعرف كيف تقول: "لا تذهب".

وميسا الافتراضية، المبتسمة دائمًا، التي لم تطلب شيئًا… ولم تكن حقيقية أبدًا.

ثم—

والدته.

"لا بأس بالمحاولة."

صوتها لم يكن ذكرى.

كان أمرًا.

الحيوانات.

الوحوش الفضية.

الوحوش الذهبية.

الزئير.

الدم.

الأصوات التي توقفت فجأة بعد كل ضغطة زناد.

ثم الشبكة.

النظام.

الأرقام.

والأسوأ—

الانضباط.

تلك السمة التي أنقذته دائمًا.

والتي سرقت منه شيئًا آخر كل مرة.

الهدوء بعد القتل.

المنطق الذي يأتي ليبرّر.

الاعتياد.

أدخل الرصاصة.

ليست تلك الخاصة.

ليست الأخيرة.

رصاصة عادية.

ثم—

توقف.

سحبها.

ونظر إلى الأخرى.

رصاصة المضاعفة.

لماذا هذه؟

لا خطة.

لا حساب.

لا سبب منطقي.

فقط إحساس غريب…

كأن المسار اختار نفسه.

كأن القدر والنظام—

قرّرا التوقف عن التظاهر بوجود فرق.

أدخلها.

أعاد تثبيت السلاح.

ذراع واحدة.

جسد يحترق.

زاوية غير مثالية.

سيطلق من هذه الوضعية.

هكذا.

رفع السلاح.

العالم انكمش.

لم يعد يسمع النار.

لم يعد يشعر بالألم.

حتى الدخان… تراجع.

بقي شيء واحد فقط.

الطائر.

صغير.

مستحيل.

يرفرف وسط نهاية العالم.

في تلك اللحظة، فهم.

ليست عن النجاة.

ولا عن المكافأة.

ولا حتى عن النصر.

هذه… عن الاختيار.

ضغط الزناد—

ثم لم يحدث شيء يستحق الرواية.

لا سقوطٍ درامي.

لا وميض بطيء.

لا لحظة انتصار يصرّ عليها العالم.

كأن الواقع… قرر أن يشيح بوجهه.

كأن الغابة، والنار، والسماء الرمادية اتفقت جميعًا

أن ما حدث في تلك الثانية

لا يحتاج شاهدًا.

الزمن لم يتوقف.

لكنه فقد اهتمامه.

وفي تلك المساحة الضيقة بين الفعل ونتيجته—

حيث لا أرقام، ولا نظام، ولا معنى جاهز—

بقيت المحاولة وحدها.

مجرد محاولة.

غير ذكية.

غير مثالية.

غير مضمونة.

لكنها كانت صادقة.

وربما…

حين يصل الإنسان إلى تلك النقطة

حيث لا يعود للنجاة وزن

ولا للهزيمة تعريف—

لا تعود النتائج مهمة.

ربما العالم لا يكافئ الشجعان.

ولا العباقرة.

ولا حتى الناجين.

ربما يكافئ شيئًا أبسط بكثير.

من حاول…على الأقل.

.

.

.

.

...

دينغ!

──────────────────────

[تم القضاء على الهدف]

■ +400 نقطة حيوية

■ +480 عملة

──────────────────────

دينغ!

──────────────────────

[تفعيل: رصاصة المضاعفة]

تمت مضاعفة المكافأة ×1,000,000

──────────────────────

دينغ!

──────────────────────

تهانينا!

لقد أكملت المهمة الجانبية:

[صيد الكبار]

هل تريد فتح مكافأتك؟

──────────────────────

______

كلمة المؤلف:

حسنا اذن شدوا الأحزمة فما هو قادم سيجعلكم تبصقون على ما سبق.

اه شيء اخير.. اشعر بالرضا حقا.. ليس لأنني نجحت في انهاء الأرك.. بل لأنني قلت ما أردت قوله حقا في هذا الارك... وهذا اعظم انجاز لي كمؤلف.

2025/12/13 · 29 مشاهدة · 1255 كلمة
نادي الروايات - 2026