لم يتحرّك رينجي.
ليس لأن الصوت أخافه.
بل لأن عقله — للمرة الأولى منذ دخوله القُبّة — توقّف عن الصيد… وبدأ الصيد المعاكس.
'تسرق بطاريقي ومنطقتي؟'
لم تكن شكوى.
كانت تحديد ملكية.
وهذا…
لا يقوله لاعب عشوائي.
“…إذن أنتِ ثابتة.” فكّر.
ليس في القطاع.
بل في نقطة تطلّ على القطاع.
القنّاص الذي يحذّرك قبل أن يقتلك
لا يقف في الشارع.
يقف أعلى.
تحت غطاء.
وبزاوية يرى منها كل شيء.
رينجي لم يلتفت.
لم يرد.
لم يرفع البندقية.
بل—
حرّكها إلى الخلف ببطء،
وكأنه ينسحب…
وكأنه انسحب فعلًا.
بانغ.
بووف.
دينغ.
عاد الإيقاع المعتاد.
طلقات على بطاريق بعيدة.
نقاط بسيطة.
لا استفزاز.
تمويه.
داخل رأسه—
كانت الخريطة تُعاد بناؤها.
رصاصة تحذير على حاجز، لا على الجسد.
صوت مباشر داخل العقل.
منطقة تُدار، لا تُستغل.
“…مبنى.”
قالها بلا صوت.
المباني هنا لم تكن ديكورًا.
كانت أدوات سيطرة.
تحرّك.
لم يركض.
لم يختبئ.
سار كأن لا شيء تغيّر.
ثم—
انعطف.
ثم انعطف ثانية.
ثم اختفى عن خط النار تمامًا.
المدخل كان ضيقًا.
مبنى نصف صناعي، نصف حضري.
طوابقه غير متناسقة، كأن أحدهم أضافها لاحقًا بلا تخطيط.
السلم؟
مكسور بعد الطابق الثاني.
“…مصعد إذن.”
ابتسم.
المصعد لم يعمل.
لكن الحبل المعدني؟
لا يزال هناك.
شدّ البندقية على ظهره.
قفز.
الاحتكاك لسع راحتيه.
الهواء تغيّر.
الصوت انخفض.
كل طابق كان أكثر صمتًا من الذي تحته.
وفي الأعلى—
بدأ الضغط.
ليس خوفًا.
بل ذلك الإحساس المزعج
عندما تدخل مجال شخص
لم يُرد أن يُلاحظ.
“…وجدتك.”
لم يرها.
لكنه عرف أين يجب أن تكون.
توقّف عند حافة الباب.
ليس خلفه.
ليس داخله.
بل في تلك المسافة الصغيرة
التي يتوقّف عندها اللاعبون الأذكياء
ويُقتل عندها المتسرّعون.
الغرفة كانت واسعة على غير المتوقع.
سقفها أعلى من الطوابق السفلية، وكأنها بُنيت لتكون منصة مراقبة لا مكتبًا.
النافذة الأمامية مفتوحة، بلا زجاج،
تطل مباشرة على القطاع بكامله.
وهناك—
كانت هي.
تقف نصف وقفة، نصف اتكاء.
كعب واحد على الأرض، الآخر على عارضة معدنية.
جسدها مائل قليلًا، كأن الجاذبية خيار لا قانون.
بندقية طويلة، سوداء، مصقولة أكثر من اللازم…
ليس لأنها جديدة،
بل لأنها مُعتنى بها —
نظيفة بالطريقة التي لا تكون فيها الأشياء نظيفة
إلا حين تُستخدم كثيرًا.
شعرها أسود داكن، ليس فاحمًا بل بلمعة باردة،
مربوط للخلف برباط بسيط.
خصلتان قصيرتان انفصلتا عند الصدغين،
كأنهما ترفضان الانضباط.
بشرتها فاتحة على نحوٍ لا يوحي بالضعف،
بل بالمسافة—
مسافة من الشمس، من الفوضى، من الآخرين.
ملابسها رمادية داكنة، بلا أي شارات.
سترة خفيفة مشدودة عند الخصر.
قفازات رفيعة.
حذاء عملي بلا أي محاولة لإظهار شخصية.
كأنها تعمّدت أن تبدو
غير مثيرة…
غير ملفتة…
غير قابلة للوصف السريع.
لكنها فشلت.
عيناها—
بلون أخضر باهت.
ليس أخضر النباتات،
بل ذاك الذي تراه في الزجاج السميك…
بارد.
صامت.
يعكس أكثر مما يُظهر.
عينان لا تطاردان الأهداف.
ولا تتوتّران.
عينان تنتظران.
رينجي لم يتحرّك.
راقب كيف تُحرّك فوهة البندقية بزاوية دقيقة،
كيف لا تُطلق إلا حين يكون “الأحمر” في المكان الصحيح…
ليس ليُصيب،
بل ليُوجّه.
“…هاه.”
خرجت منه بابتسامة داخلية.
ثم—
الفكرة.
لم تهبط.
لم تصدم.
بل انزلقت.
لو صوبتها الآن…
ببساطة ذلك.
كما لو كان يسأل نفسه:
ماذا لو ضغطت هذا الزر؟
فتح لوحة الترتيب في ذاكرته، لا على الشاشة.
كايزو… كان يصعد.
ببطء.
لكن يصعد.
إذا وصل للحد الأدنى… الفريق ينجو.
احتمال حقيقي.
غير رومانسي.
غير بطولي.
عدو مستقبلي.
قنّاصة تتحكّم بالقطاعات.
مرحلة ثانية.
صيد لاعبين.
ضغط أصابعه على البندقية.
وفي اللحظة نفسها—
[حجب الحضور]
“…حسنًا.”
قالها بصوت منخفض، شبه ساخر.
“هذا يجيب عن سؤالي حول المهارات.”
تقدّم خطوة.
ثم أخرى.
خطواته كانت ثابتة، محسوبة…
كأنها ليست له.
لكن جسده؟
ارتجف.
ارتجاف صغير، خفيف، مهين تقريبًا.
ليس خوفًا من الموت.
ولا من الخسارة.
بل لأن هذه—
ليست بطريقًا.
ليست وحشًا.
ليست كائنًا يختفي بـ بووف لطيف.
هذه…
إنسان.
وفكرة تصويبه عليها
لم تكن فكرة لعب.
كانت فكرة قتل.
والمضحك—
المقرف—
أن الفكرة لم تكن جديدة.
كل إنسان—
مهما بدا ملائكيًا،
مهما تظاهر بالنقاء—
مرّت عليه تلك الرغبة.
ولو كخاطر عابر.
ولو بلا سبب.
لكن المرور… شيء.
والتطبيق؟ شيء آخر.
هل ستموت؟
هل تنزف؟
هل ستسقط بطريقة غير لائقة؟
تخيّلها للحظة—
ليس كشخص،
بل كجسد يفشل.
ثم شدّ فكه.
…أم تُقصى؟
بووف؟
صوت سخيف ونهاية نظيفة؟
تمنّى الثاني.
بصدقٍ مُخزٍ.
ليس لأن القتل يرعبه.
بل لأن ذنبه…
يعيش أطول.
أخذ نفسًا عميقًا.
خمس دقائق.
هذا كل ما تمنحه له المهارة.
وبناءً على ما رآه في الساحة المركزية—
نعم.
بعض المهام…
تتطلب القتل.
إذا لم أفتح هذا الباب الآن…
فلن أفتحه لاحقًا.
مدّ يده.
وقبل أن يُكمل رفع البندقية—
صوتٌ متعب.
قريب.
كأنه خرج من خلفه… أو من داخله.
“أنصحك
ألا تقوم بهذا.”
تجمّد.
“…هاه؟”
لم تلتفت المرأة.
لم تُنزل البندقية.
لم تُبدِ أي انزعاج.
قالت—
بلا مبالاة كاملة،
وعيناها الخضراوان لا تزالان معلّقتين بالقطاع في الأسفل:
“دعه يطلق.”
ثم أضافت، بهدوء قاتل:
“إذا كان يريد أن يُقصى.”
توقّف رينجي.
ليس لأن الصوت منعه.
بل لأن العالم منعه.
شيء ما لم يركب.
أصبعُه كان على الزناد.
المسافة مثالية.
الزاوية نظيفة.
والمهارة… مفعّلة.
ومع ذلك—
لم يحدث ذلك الإحساس.
لا انقطاع.
لا فراغ.
لا تلك الفجوة الخفيفة التي ترافق [حجب الحضور].
“…لحظة.”
انخفضت البندقية ببطء،
وكأن جسده سبق عقله بنصف ثانية.
لا يسمح بإصابة اللاعبين… الآن؟
الفكرة لم تأتِ كاملة.
لكنها جاءت كافية.
لو أطلقت—
ولو لم تُقصَ هي—
أنا من كان سيُقصى.
بردت أطرافه.
ليس خوفًا.
بل ذلك الإحساس المقرف
عندما تدرك أنك كدت ترتكب خطأ
لن يمنحك أحد فرصة شرحه.
“…تبًا.”
قالها بهمس.
ثم—
متأخرًا.
متأخرًا جدًا.
التفت نحو مصدر الصوت الأول
على يساره.
وكان هناك.
جالسًا عند الجدار.
ظهره مسنود إلى الخرسانة.
ساقاه ممدودتان بلا اهتمام.
بندقيته موضوعة على الأرض كأنها شيء ثقيل
نسي أنه يحمله.
شاب آسيوي مثله.
شارب خفيف غير مهذّب.
عينان نصف مغلقتين
تتأرجحان بين التعب…
والنعاس.
كأن هذا كله
لا يعنيه بما يكفي ليجلس منتبهًا.
“…أوه.”
قال رينجي ببطء.
“كان ينقصني جمهور.”
رفع الشاب عينه بالكاد.
ثم ابتسم ابتسامة قصيرة، كسولة.
“إيلينا.”
قال بصوت مبحوح قليلًا.
“كوني لطيفة مع صديقنا رينجي.”
سكت لحظة، ثم أضاف وكأنه يقرأ لوحة ترتيب:
“في النهاية… هو متقدّم عليكِ.”
رفعت المرأة حاجبها.
وأخيرًا—
التفتت.
نظرت إلى رينجي نظرة مباشرة.
بلا فضول.
بلا عدائية.
نظرة شخص
يضع اسمًا على ملف
لا على وجه.
“إذن…”
قالت بهدوء.
“هذا هو يوسوكاوا رينجي.”
انعقد لسانه.
ليس لأنه خائف.
بل لأن السؤال جاء دفعة واحدة:
كيف؟
وقبل أن ينطق—
“لديه مهارة.”
قالت إيلينا ببساطة،
وأعادت عينيها للنافذة.
“تسمح له بقراءة البيانات الشخصية.”
“…آه.”
ضحك الشاب ضحكة خفيفة،
ثم رفع يده بتحية كسولة.
“هان تشول-مين.”
قالها وكأنه يعرّف نفسه في مقهى.
“وتلك إيلينا فوس.”
ثم أضاف، بنبرة عملية جدًا:
“لسنا في نفس الفريق.”
توقف.
“لكن… جمعتنا أسباب.”
رينجي لم يرد فورًا.
شيء ما كان يتحرّك في ذاكرته.
بطيئًا.
ثقيلًا.
بداية المرحلة…
الصدارة…
أسماء تتكرر…
ثم—
كليك.
اتّسعت عيناه قليلًا.
“…أنتم.”
قالها أخيرًا.
“أنتم الاثنين…”
كانا هناك.
معه.
في القمة.
في بداية المرحلة.
ابتسم هان تشول.
“يبدو…”
قال وهو يغمض عينه من جديد،
“أننا التقينا
في توقيت
سيّئ جدًا.”