مرّ بعض الوقت منذ جملة هان الأخيرة.

لم يكن وقتًا طويلًا بالمعنى الفيزيائي… لكنه كان كافيًا ليصبح ثقيلًا.

الصمت تمدّد في الغرفة مثل كائن كسول، جلس بينهم ورفض المغادرة.

لا موسيقى نظام. لا عدّاد. لا تنبيه.

فقط الريح القادمة من النافذة المفتوحة، وصوت بعيد لطلقات لا تخصّهم.

إيلينا لم تتحرّك.

لا تزال في مكانها، نصف وقفة نصف اتكاء، عينان خضراوان معلّقتان بالقطاع كأن ما يحدث خلفها لا يستحق أن يُسجّل.

هي من النوع الذي يستطيع الكلام… لكنه لا يريد.

والأسوأ؟

أن صمتها لم يكن توترًا.

كان خيارًا.

هان تشول؟

هان تشول بدا كأنه نام.

أو دخل تلك المنطقة الرمادية بين النوم واليقظة، حيث الجسد موجود، والعقل قال: “دبّروا أنفسكم.”

صدره يرتفع وينخفض ببطء، رأسه مائل قليلًا، وبندقيته ما تزال على الأرض كأنها تذكير بشيء لا يرغب في حمله الآن.

هو من النوع الذي يريد الكلام… لكنه لا يستطيع.

ليس لأن الكلمات لا تأتي، بل لأنها تصل متأخرة دائمًا.

أما رينجي—

رينجي لم يكن يريد الكلام.

ولا يستطيع أصلًا.

وقف هناك، ساكنًا، وبندقيته مشدودة على كتفه، وعقله… في مكان آخر تمامًا.

لم يفكّر فيما سيقوله.

فكّر في الثانوية.

في ذلك الصف الخلفي، قرب النافذة، حيث كان يجلس وحده لأن الجلوس وحده أسهل من شرح نفسك.

في الأيام التي كان يعود فيها للمنزل دون أن يكون لديه “حدث” يرويه.

لا شجار. لا إنجاز. لا قصة مثيرة.

فقط يوم آخر… مرّ.

ثم العالم الآخر.

ثم النظام.

ثم الصيد.

ثم الصعود.

والآن؟

الآن يقف بين شخصين يشبهانه.

ليس في الشكل، بل في ذلك الكسر الداخلي الصغير، غير المرئي، الذي يجعل التواصل مجهودًا غير مبررًا.

كان يجب أن يشعر بالراحة.

“أخيرًا، أناس يفهمون رغم أنهم أفضل منه.”

لكن ما شعر به كان العكس تمامًا.

الانزعاج.

والتوتر.

كأن العالم قال له فجأة:

“هذا ما ستكون عليه لو سلكت طريقًا آخر... ربما كنت لتبدو رائعًا.”

تمنى—ولو للحظة سخيفة—

لو أن أحدهم كان سيقول شيئًا تافهًا.

أي شيء.

لكن لا أحد فعل.

طردت إيلينا شبح الصمت أخيرًا.

“حسنًا.”

قالتها وكأنها تُغلق ملفًا، لا محادثة.

“أنجزت مهمتي. الآن أخرج من المبنى.”

استدارت نصف استدارة، لا نحو الباب بل نحو الفراغ، كأن الخروج تفصيل إداري سيحدث وحده.

هان تشول فتح عينه بصعوبة.

“بالله عليكِ…” تمطّى قليلًا.

“ستنتهي المرحلة الأولى بعد أقل من خمس عشرة دقيقة.”

تنهّد.

“وصراحة؟ أنا متعب من الصيد. يكفيني التأهل حاليًا… أنا وشريكي.”

ثم—

وكأن تذكّر شيئًا جانبيًا—

“آه، رينجي بدوره يوافقني.”

سكت.

التفتت عينان نحوه.

عينان خضراوان باردتان.

وعينان نصف ناعستين لكنهما يقظتان أكثر مما ينبغي.

“…هاه؟”

خرج الصوت من رينجي متأخرًا، مكسورًا، بلا معنى.

تبًا.

فكّر.

ها قد عادت.

عقدته المحرجة.

تلك اللحظة التي يُطلب منه فيها أن يكون “شخصًا يتكلم”.

فتح فمه.

أغلقه.

حرّك كتفه قليلًا كأن البندقية ستنقذه.

إيلينا زفرت زفرة قصيرة، بالكاد تُسمع.

ثم قالت، وكأنها تنقذه من غرق غير بطولي:

“آخخ… حسنًا، لا يهم.”

هان تشول ضحك ضحكة خفيفة.

ثم نظر إلى رينجي بنظرة تقييمية مباشرة.

“بالمناسبة، رينجي.”

قالها بنبرة عادية جدًا.

“لديك موهبة جيدة. تشبه موهبتي.”

توقّف.

ثم أكمل بفضول صريح:

“لكن سماتك… ضعيفة جدًا.

ما هذا؟

الانضباط E؟”

رفع حاجبه.

“لا تقل لي أنك أتيت مباشرة بعد توقيعك للعقد مع الوكيل.”

تجمّد رينجي.

ثم… ابتسم.

ابتسامة صغيرة، خجولة، مهزومة.

“…نعم.”

أومأ هان تشول فورًا.

“قلتُ ذلك.”

تأكد.

رينجي شعر بذلك الثقل الصغير في صدره.

ليس خجلًا.

بل إدراكًا.

“…لحظة.”

قال رينجي فجأة، رافعًا رأسه.

“ما مستوى موهبتك؟”

السؤال كان ذكيًا.

ذكيًا أكثر مما بدا.

الوكيل أعطاه موهبة S.

لكنها لا تظهر إلا للنظام، للوحوش، للـNPC.

فهل يمكن لمهارة لاعب آخر… أن تراها؟

لو كان الجواب نعم—

سيتغير الكثير.

نظر هان تشول إليه لثانية.

ثم قال ببساطة:

“B+.”

وتبسّم.

“ألم أقل لك؟ تشبه موهبتك.”

آه…

تنفّس رينجي داخليًا.

ارتخى شيء ما.

حاليًا… هذا أفضل.

فتح هان تشول شاشة الترتيب بكسل.

“بالمناسبة، من هو شريكك؟”

السؤال بدا عابرًا.

لكن رينجي حلّله فورًا.

سؤال خدّاع.

يريد معرفة نقطة ضعفه… أو نقطة سقوطه.

بعد ثانية صمت—

“كايزو موراياما.”

لم يكذب.

أطلق هان تشول صفيرًا قصيرًا.

“يا رجل…”

ضحك.

“شريكك في القاع.”

ثم أضاف بمرح خبيث:

“وقد يسحبك معه حرفيًا.”

توقف.

“لما أشعر أن هذا خطأك جزئيًا؟”

ضحك وحده.

ثم التفت إلى إيلينا.

“وأنتِ؟”

لم تنظر إليه.

“عُد للنوم.”

قالتها ببرود.

“متى أصبحت ثرثارًا؟”

ضحك هان تشول بكسل.

“يبدو أن حالتك مثل صديقنا رينجي.”

قالت إيلينا بهدوء:

“أنا أثق في قدرات نيكولا. سينجح.”

ثم نظرت إلى شاشة الترتيب.

“…آه، انظر.

المرتبة 149.”

“اه—”

حاول رينجي إيجاد شيء يقوله.

لم يجد.

“اه.”

هان تشول لوّح بيده.

“تسأل عما جمعنا؟”

ثم أجاب نفسه:

“هذا القطاع كان تحت سيطرتي.

بعد أن ضمنت التأهل، احتجت لإخبار صديقي بتغيير الخطة.”

أشار بإبهامه نحو إيلينا.

“قدرتها التخاطرية ساعدتني.

نصف ميل. اتصال نظيف.”

توقّف لحظة.

“وبالمقابل؟

سمحتُ لها بالسيطرة على القطاع.”

غمز.

“ولن أحرق أوراقها الرابحة التي رأيتها.”

فهم رينجي.

لهذا كانت تراقب من النافذة.

كانت تبحث عن كايزو.

“أجل.”

قال هان تشول.

“وعندما تعود—إن عدت أصلًا إلى الردهة—

أنجز المهام التي يقترحها عليك النظام.”

نظر إليه بجدية مفاجئة.

“وابحث عن مهارات.”

ثم ابتسم ابتسامة غير مطمئنة.

“الآن؟

لا أعتقد أنك ستصل للمرحلة الثالثة.”

توقف.

“هذا إذا نجا صديقك أصلًا من المرحلة الأولى، واستطعتم عبورها.”

سكت.

ثم أضاف بنبرة خفيفة:

“مرتبتك؟

لا بد أن سببها… الحظ.”

الحظ، هاه؟

رينجي لم يرد.

فقط ابتسم من الداخل.

يبدو أن الموهبة S… تفعل مفعولها.

لم يكن اتفاقًا سيئًا.

رفع رينجي رأسه أخيرًا.

هذه المرة—

بثقة.

“إذن…”

قال وهو يثبت قدميه.

“ماذا يحدث في المرحلة الثانية… والثالثة؟”

تبادلت إيلينا وهان تشول نظرة سريعة.

نظرة لاعبين يعرفان أن هذا السؤال

لا يُطرح بدافع الفضول الساذج.

“…حسنًا.”

قال هان تشول بعد لحظة.

“يبدو أنك تسأل بدافع المعرفة فقط.”

جلس أكثر اعتدالًا، كأن جسده قرر أخيرًا المشاركة.

“بعد انتهاء المرحلة الأولى، يتم نقلنا إلى غرفة الانتظار.”

أشار إلى الشاشة الوهمية.

“128 لاعبًا. 64 فريقًا.”

توقّف.

“…أو ربما يتم النقل في بداية المرحلة الثالثة، لا أتذكر.”

لوّح بيده.

“لا يهم.”

إيلينا أضافت بهدوء، من دون أن تلتفت:

“المرحلة الثانية هي حيث تبدأ الفوضى الحقيقية.”

أومأ هان تشول.

“التراكب بين الألوان.”

نظر إلى رينجي.

“إصابة البطاريق بألوان مختلفة، بشكل متتالٍ، تعطي تأثيرات معيّنة.”

ابتسم ابتسامة جانبية.

“تعزيزات. تعطيلات. أحيانًا أشياء لا ترغب برؤيتها على الإطلاق.”

ثم تابع:

“المرحلة الثالثة…”

صوته صار أكثر جدية.

“يبقى 32 فريقًا فقط.”

سكت نصف ثانية.

“وهنا…”

رفع إصبعه.

“يُسمح بإصابة الخصوم.”

الهواء تغيّر.

“كل إصابة تنقص نقطة من الخصم.”

قالها ببرود.

“ولا تعطي المصيب أي نقاط.”

نظر مباشرة إلى رينجي.

“واضح أنك حاولت استباق هذا… في هذه المرحلة.”

ثم عقد حاجبيه فجأة.

“لحظة.”

نظر إليه من جديد.

“أنت لا تعرف القواعد، أليس كذلك؟”

اتّسعت عيناه قليلًا.

“أتيت مباشرة إلى هنا.”

تنفّس.

ثم قال بصراحة جارحة:

“موهبتك؟ لا بأس بها.”

“سماتك؟ كارثية.”

“مهارتك الوحيدة برونزية… ولن تفيدك ضد لاعبين بهذا المستوى.”

صمت.

“صدقًا—

لِمَ أنت هنا؟”

فتح رينجي فمه.

كان على وشك أن يقول شيئًا.

شيئًا ذكيًا.

شيئًا ساخرًا.

شيئًا ينقذه.

لكن—

بووف.

بووف. بووف.

بووف بووف بووف—

الصوت انفجر من كل اتجاه.

وفي اللحظة التالية—

عشرات البطاريق ظهرت داخل الغرفة.

ليس من الخارج.

ليس من النافذة.

بل هنا.

في المساحة الضيقة.

حولهم.

قريبين.

قريبين جدًا.

تحرّكت أعين إيلينا لأول مرة بسرعة حقيقية.

هان تشول استقام فجأة.

ورينجي—

رينجي ابتلع كلماته.

…تبًا.

2025/12/21 · 27 مشاهدة · 1126 كلمة
نادي الروايات - 2026