الضجيج اختفى فجأة.

ليس لأنه خفت… بل لأن العالم انقلب من الداخل.

رنّ صوت خافت، بلا اتجاه، بلا مصدر، كأن الهواء نفسه نطق به:

[تم نقلك إلى غرفة الاستراحة.]

فتح رينجي عينيه.

لم يكن سقوطًا. لم يكن انتقالًا. كان أشبه بأن الواقع نفسه تنحنح، ثم قرر أن يكون شيئًا آخر.

قاعة… لا، ليست قاعة. أكبر من ذلك. مساحة هائلة تمتد بلا جدران واضحة، سقفها عالٍ إلى حدّ لا يُرى، تتدلّى منه أضواء بيضاء ناعمة لا تُلقي ظلالًا حقيقية، وكأنها مصمّمة لتُخفي التعب لا لتكشفه.

أرضية مصقولة، نظيفة أكثر مما يجب. طاولات طويلة موزّعة بانتظام، عليها أطعمة، مشروبات، أشياء لا معنى لوجودها بعد كل ما حدث.

شاشات معلّقة في كل زاوية، بعضُها يعرض إحصاءات، بعضها خرائط، وبعضها… وجوه لاعبين ما زالوا يلهثون.

أصوات كثيرة. ضحك. شتائم. أنفاس ثقيلة. صرخات انتصار مبالغ فيها. ووجوه… كثيرة جدًا.

رينجي وقف مكانه لثانية، يشعر أن جسده لم يلحق به بعد.

ثم جاء الإشعار:

[تم تأكيد تأهلك إلى المرحلة الثانية.]

[الوقت المتبقي قبل انطلاق المرحلة التالية: 15:00 دقيقة.]

[يمكنك استخدام هذا الوقت للراحة، التفاعل، أو البحث عن شريكك.]

لم يتحرّك. لم يبتسم. اكتفى بالنظر إلى الشاشة المعلّقة الأقرب إليه.

لوحة الترتيب.

أنزلق بصره دون وعي إلى الأعلى.

المرتبة الأولى: كايزو — 317 نقطة.

توقف الزمن للحظة.

شيء بارد مرّ في صدره. ليس غيرة. ليس فخرًا. بل ذلك الإحساس اللزج… حين تدرك أن شخصًا آخر كان دائمًا خطوة أمامك، حتى وأنت تنزف.

“…هاه.”

زفرة خافتة خرجت منه دون صوت.

عيناه واصلتا النزول.

المرتبة الثانية… الثالثة…

ثم—

المرتبة الثانية عشرة.

رينجي.

توقف. تأهّل. بل… تأهّل بمرتبة جيدة.

شعور غريب تسلّل إلى صدره. ليس فرحًا. ليس ارتياحًا. شيئًا أقرب إلى وخز الكبرياء الذي لم يمت بعد.

كان مستعدًا لفكرة الإقصاء. هيّأ نفسه لها. قبِلها.

لكن أن ينجو؟ وأن يكون رقمه… محترمًا؟

ذلك أزعجه أكثر مما أسعده.

“تبا…” تمتم.

رفع نظره مجددًا، بحثًا عن اسمين آخرين.

هان تشول — المرتبة 33.

إيلينا — المرتبة 9.

تنفّس ببطء. جيد. على الأقل… لم يُسحق أحدهم.

وقبل أن يستكمل الفكرة—

“تـــــاااااكووووومييي!!”

الصوت اخترق القاعة كصفعة.

“أين أنت يا رجل؟! المرتبة الثالثة! الثالثة! هل تدرك هذا؟!”

التفت رينجي غريزيًا.

هناك. على بعد عدة طاولات. شخص يلوّح بذراعيه كمن فاز باليانصيب للتو.

شعره الفوضوي، صوته العالي، طاقته التي لا تعرف معنى الخجل…

كِنتا.

“يا إلهي…” تمتم رينجي، نصف مبتسم، نصف متأفف. “هذا الأحمق لا يعرف معنى الهدوء.”

لكن شيئًا في داخله ارتاح.

على الأقل… بعض حماسة العالم الحقيقي ما زالت كما هي.

وأيضًا هذا أفاقة لما هو أهم: إيجاد كايزو.

الاسم ارتطم في ذهنه.

نهض تلقائيًا، يلتفت حوله.

القاعة مزدحمة، وكل من فيها يبدو غريبًا، مختلفًا، مبالغًا فيه.

أزياء غير متناسقة. أجساد مشوّهة بالمهارات. هالات، أطراف صناعية، نظرات حادة، ابتسامات مجنونة.

للحظة، شعر أنه الوحيد الطبيعي هنا.

“...هذا سخيف.” تمتم. “أنا الغريب الآن.”

بحث بعينيه من جديد.

ثم رآه.

في أقصى القاعة، قرب واجهة زجاجية عملاقة تطل على فراغ أبيض بلا نهاية، جلس كايزو بهدوء. ظهره مستقيم. يداه متشابكتان على الطاولة.

نظره ثابت، هادئ، كما لو أن كل ما حدث للتو كان مجرد تدريب صباحي.

ساموراي وسط حانة تشبه حرب النجوم، كانت عبارة قد يكتبها طفل عشوائي، لكن بدت مناسبة.

لوّح له من بعيد.

حركة بسيطة، بالكاد تُرى وسط الضجيج، لكن رينجي التقطها فورًا.

اقترب رينجي بخطوات مترددة.

ليس لأنه متوتر… بل لأن الصمت لم يكن محرجا لهما.

جلس قبالته.

لحظة. لا أحد تكلّم.

كايزو نظر إليه بهدوء، ثم قال بصوت منخفض: “…آسف.”

رمش رينجي. مرة. ثم ثانية.

“ها؟”

كررها كايزو، بنبرة أوضح هذه المرة: “آسف.”

ولوهلة، شعر رينجي أن الجملة سقطت في المكان الخطأ. لم تكن اعتذارًا واحدًا.

كانت مجموعة اعتذارات مضغوطة في كلمة واحدة: عن إشراكه، عن المخاطرة به، عن أشياء قالها سابقًا، عن أشياء لم يقلها أبدًا.

رينجي انتظر تتمة.

انتظر تبريرًا. انتظر دفاعًا.

لكن كايزو اكتفى بالصمت.

“…كنت أتوقع شتيمة بلغة منقرضة.” قالها رينجي أخيرًا، بنبرة عابرة.

ابتسم كايزو ابتسامة صغيرة. متعبة. “كنت تستحقها.”

زفر رينجي، ومرّر يده على وجهه. “لا بأس.”

قالها ببساطة. من دون عاطفة. من دون ثقل.

“هذا… جيد.” قال كايزو بهدوء، وكأنه كان ينتظر تلك الجملة تحديدًا.

سكت الاثنان.

ثوانٍ مرّت.

عشر… ربما أكثر.

رفع رينجي عينيه أخيرًا، ونظر خارج الزجاج، إلى الفراغ الأبيض الذي لا يعكس شيئًا سوى ضوء بارد بلا مصدر.

“….”

سعل كايزو بخفة، كأنه يحاول كسر طبقة غير مرئية بينهما.

“ألن… تقول شيئًا؟”

التفت رينجي ببطء.

“عن ماذا؟”

تردّد كايزو للحظة، ثم أشار بعينيه، لا بيده، إلى الشاشات. إلى اسمه المتوهّج في الأعلى.

“عن… كل هذا.”

نظر رينجي حيث أشار.

قرأ الاسم. الترتيب.

سكت. ثم قال بهدوء: “آه… هذا.”

ساد صمت قصير. أقصر من أن يُحسب، أطول من أن يُتجاهل.

فتح كايزو فمه قليلًا، ثم أغلقه.

وبصوت أخفض، أقل ثقة: “كنت أظن أنك ستقول شيئًا آخر.”

رمش رينجي. “مثل ماذا؟”

تردّد كايزو ثانية، هذه المرة أوضح. “لا أعرف… ربما— اعتذار؟”

تجمّد الهواء لثانية.

نظر إليه رينجي، لا بدهشة، بل بشيء أقرب إلى التفكير الصامت.

ثم قال، بنبرة هادئة جدًا:

“الاعتذار…” توقف. “أشعر أنه يشبه رمي المسؤولية على الشخص الآخر.”

حدّق كايزو فيه. “هاه؟”

أكمل رينجي: “كأنك تقول: أنا أخطأت، والآن عليك أن تسامحني كي أرتاح.”

سكت. “لا أحب هذا الشعور.”

اتسعت عينا كايزو قليلًا. “…إذًا أنا الآن الشخص السيئ؟”

هزّ رينجي رأسه فورًا. “لا، لا— كنت أمزح.”

ثم أضاف بسرعة، كأنه يحاول إنقاذ الموقف: “أنا فقط… لا أجيد هذه الأشياء. الكلام، أعني.”

ساد صمت قصير.

ثم زفر كايزو بخفة. ضحكة قصيرة خرجت منه دون قصد.

“يا لك من شخص متعب.”

لم يرد رينجي.

فقط حوّل نظره مجددًا نحو الشاشات.

ثم قال بهدوء، وكأنه يغيّر المسار عمدًا: “…على أي حال. كيف فعلتها؟”

التفت كايزو نحوه. “فعلت ماذا؟”

“هذا.” أشار إلى اسمه المتوهّج في الأعلى. “المرتبة الأولى.”

ارتخى كتفا كايزو قليلًا. “مهارة مدمجة.”

“مدمجة؟”

“نعم.” قالها وهو يزفر. “دمج بين مهارتين… بشروط مزعجة.”

ثم أضاف بنبرة أقل حماسًا: “كنت أحتفظ بها للمراحل المتقدمة.”

سكت. ثم ابتسم ابتسامة باهتة. “لكن يبدو أنني صرفت كل شيء مبكرًا.”

ساد الصمت من جديد.

ثم قال رينجي ببطء: “…لكنها أنقذتنا.”

كايزو لم يرد فورًا.

بقي ينظر إلى الزجاج، إلى الفراغ الأبيض الذي لا يعكس شيئًا.

“ربما.” قال أخيرًا. “لكن هذا يعني أنني الآن… عادي.”

كان في نبرته شيء لم يكن موجودًا من قبل. شيء أقرب إلى الفراغ.

رنّ في رأس رينجي شعور غير مريح. كأن كايزو قال جملة أكبر من معناها.

تنحنح. ثم قال، بنبرة أخف: “حسنا … ولماذا تشارك أصلًا؟ لما كل هذا الجهد يا رجل؟!”

كايزو أدار رأسه ببطء. نظر إليه مباشرة.

كان هناك تردّد. حقيقي. قصير. لكن واضح.

ثم قال، بصوت أخفض من المعتاد: “أريد مقابلة شخص.”

سكت.

“شخص واحد.”

ابتلع ريقه. وتابع: “والفوز… هو أقصر طريق إليه.”

لم يسأله رينجي من. لم يسأله لماذا.

فقط نظر إليه لثوانٍ، ثم أعاد نظره إلى الزجاج.

رينجي بقي صامتًا، يفكر.

ثم قال ببطء، كأنه يقيس كل كلمة:

“إذا ساعدتك… هل ستجيب عن أسئلتي لاحقًا؟”

كانت حاجة رينجي للإجابات واضحة حتى له: أفضل مصدر هو شخص أقدم منه في النظام، شخص يعرف ما لا يعرفه هو بعد.

رفع كايزو حاجبه، شكّ في نبرة صوته: “كيف؟”

ابتسم رينجي داخليًا، فكّر بالموهبة S، وقرر أن هذا قد يهدئه قليلًا…

ثم أضاف، بنبرة أخف، نصف همس:

“لدي سر… سأخبرك به لاحقًا.”

______

كلمة المؤلف:

يوووو اعتذر على تأخير تنزيل الفصل، صراحه لدي ظروف لكن احاول. اتمنى تعليق رأيك و حتى مشاركة القصة، ولما لا دعمها على ويب نوفل.

اعتذر و شكرا 🌷

2025/12/26 · 23 مشاهدة · 1159 كلمة
نادي الروايات - 2026