الضوء انطفأ… ثم عاد.
ليس بنفس الطريقة.
رينجي كان أول ما شعر به هو الهواء.
هواء مفتوح، رطب قليلًا، يحمل رائحة عشب حقيقي أو شيء قريب منه بدرجة مزعجة من الإقناع.
لم يظهر أي إشعار.
لا ترحيب.
لا شرح.
لا جملة درامية من النظام.
“…طبعًا.”
تمتم رينجي.
كان قد توقّع إشعار بداية المرحلة الثانية.
لكن ذاكرته لسعته فورًا—
المرحلة الأولى أيضًا… لم تحصل على إشعار.
النظام لا يعلن.
النظام يتركك تكتشف.
تقبّل الأمر بسرعة، كما يفعل دائمًا حين لا يملك ترف الرفض.
رفع نظره.
سهل عشبي واسع امتدّ أمامه بلا حدود واضحة، تموّجات خضراء هادئة كأنها لوحة توقفت قبل إضافة التفاصيل الأخيرة.
العشب لم يكن طويلًا، لكنه كثيف بما يكفي ليخفي القدمين جزئيًا، يبتلع الأصوات بدل أن يعكسها.
وأهم ما في المكان—
أعمدة معدنية.
دوائر هائلة، قطر الواحدة منها يقارب طول إنسان كامل، تبرز من الأرض كأنها نُصُب مدفونة لمشروع نُسي في منتصف تنفيذه.
أسطحها ملساء تمامًا، مسطّحة من الأعلى، بلا حواف حقيقية، بلا درجات، بلا أي لطف هندسي.
مرتفعة…
سبعة أمتار؟
ثمانية ربما.
رينجي حدّق فيها لثوانٍ أطول مما ينبغي.
المعدن لا يلمع.
لا يعكس الشمس.
يمتص الضوء امتصاصًا مريبًا.
ولولا—
القبة الشفافة.
ذلك الانحناء الزجاجي الهائل فوق رأسه، بالكاد يُرى إلا حين تغيّر زاوية النظر، يكسر الأفق بطريقة لا يخطئها عقل اعتاد السماء المفتوحة.
لولا القبة…
لأقسم أنه في عالم آخر.
شيء في المكان بعث داخله حنينًا غير مبرر.
سهل.
اتساع.
فراغ يسمح لك بأن تظن—ولو للحظة—أنك حر.
صفع خديه بيديه.
“لا.”
ثم مرة ثانية.
“لا، لا.”
هزّ رأسه بقوة.
“مقهى الدببة… مقهى الدببة…”
رددها كتعويذة، كأن الاسم نفسه خريطة.
ثم توقّف.
“…لكن كيف سأجده؟”
التفت حوله.
لا لافتات.
لا مؤشرات.
لا اتجاهات.
زفر ببطء.
“أحتاج خريطة.”
قالها بلا مزاح هذه المرة.
ولأول مرة منذ فترة—
قرّر أن يفعل ما لا يحب فعله أبدًا.
الانصياع.
كايزو قال: تعال إلى مقهى الدببة.
لم يقل: استكشف.
لم يقل: العب دور البطل.
ورينجي… كان ذكيًا بما يكفي ليعرف أن هذا المكان ليس ملعب القنّاصين المفضل.
بدايةً بالأفق المخادع.
المساحات الواسعة هنا لا تعني حرية… بل تعني أنك مكشوف من زوايا لم تتعلم بعد كيف تراها.
ثم هناك—
العشب.
منذ تجربته في الغابة، اكتسب رينجي عادة غريبة:
عدم الثقة في خطواته.
ليس خوفًا.
بل ذاكرة.
ثعابين لا تُصدر صوتًا.
حشرات لا تشعر بها إلا بعد فوات الأوان.
حفر… فِخاخ… أخطاء تُكافأ بالعقاب.
صحيح أن هذا المكان لا يشبه الغابة.
وصحيح أن وجود كل ذلك هنا يبدو مستبعدًا.
لكن من الصعب اقتلاع عادة امتدت شهرًا كاملًا،
خصوصًا حين يكون الثمن دائمًا… أول خطوة خاطئة.
وفوق كل ذلك—
هناك اللاعبون.
أولئك الذين لا يهاجمون.
لا يتقدمون.
بل ينتظرونك فقط… لتُخطئ أولًا.
والسبب الثالث—
وهو الأهم.
تلك الأبراج المعدنية.
نظر إليها مجددًا.
“حتى لو أردت الصعود…” تمتم.
“كيف؟”
الأسطح ملساء.
لا تشققات.
لا نقاط ارتكاز.
لا حتى خدش.
النظام لم يكن كريمًا هذه المرة.
لا درجات.
لا حبال.
لا “حل ذكي” واضح.
هذه ليست دعوة للتسلق.
هذه إغراء بالفشل.
ابتسم ابتسامة جانبية قصيرة.
“حسنًا… فهمت.”
ببساطة—
نغيّر الموقع.
لا صيد.
لا استعراض.
لا اختبار عبقرية غير مطلوب.
الهدف واضح: مقهى الدببة.
شدّ سترته، أخذ نفسًا عميقًا، وبدأ السير.
رينجي واصل المشي عبر السهل، عينيه تمسحان المكان بحثًا عن أي شيء:
علامة، لافتة، خريطة… حتى خطأ تصميم واضح يمكن البناء عليه.
ولا شيء.
زفر بخفة.
“حسنًا… بما أن النظام يحب تضييع الوقت.”
رفع يده وفتح الشاشة.
─────────────────────
لوحة الترتيب
─────────────────────
1. كايزو مورياما — 317
2. ماهاراتا سينغ — 298
3. كِنتا أريساوا — 186
4. ماريا ساون — 173
5. ماثيو كراوس — 169
─────────────────────
حدّق رينجي في الأسماء.
“…هاه.”
كان مستعدًا لإلقاء نكتة داخلية سخيفة—
لكن الصوت قطع الفكرة من جذورها.
بووف.
بووف بووف.
أغلق الشاشة فورًا.
رفع رأسه.
بطريق أزرق ظهر أمامه، على بُعد غير مريح.
واقف.
ساكن.
ينظر إليه بعينين بلا روح.
رينجي ابتسم.
“نقاط مجانية؟”
هز كتفيه.
“لا ضرر منها.”
وكما قال كايزو—
هو من النوع الذي يفهم عن طريق اللمس.
رفع البندقية.
ثبّت التصويب.
بانغ—
البطريق انفجر.
لكن—
تجمّد رينجي.
“…لحظة.”
لم يكن هذا له!
الطلقة جاءت من زاوية مختلفة.
أسرع.
أنظف.
تلفّت فورًا.
السهل…
فارغ.
لا حركة.
لا ظل.
لا أحد.
ثم—
بووف.
بطريق آخر ظهر.
أقرب هذه المرة.
لم يتحرّك رينجي فورًا.
أوقف أنفاسه.
خفّف ضغط إصبعه عن الزناد.
ترك جسده يهدأ قسرًا، كأن الحركة نفسها قد تفضحه.
انتظر.
العشب لم يتحرّك.
الأفق بقي صامتًا.
ولا شيء في المكان يوحي بوجود لاعب آخر.
لكن—
هذا ما كان يزعجه.
رفع البندقية—
بانغ!
مرة أخرى.
ليس منه.
شدّ على أسنانه.
“تبًا… من هذا؟!”
ثم سمعه.
ضحك خفيف.
ناعم.
زاحف.
من الأعلى.
رفع رينجي رأسه ببطء.
ظلٌ تحرّك فوق إحدى القطع المعدنية المرتفعة.
ثم خرج صاحبه إلى الضوء.
رجل أصلع.
بشرة شاحبة كأنها لم ترَ الشمس منذ زمن.
عينان… ضيقتان، لامعتان، تتحركان ببطء—
كعيون أفعى تزن المسافة قبل اللدغ.
كان واقفًا فوق العمود المعدني.
بكل بساطة.
بلا حبال.
بلا درجات.
رينجي اتسعت عيناه.
“…لكن كيف—؟”
بانغ!
انطلقت رصاصة.
رينجي تحرّك غريزيًا، جسده شدّ، قلبه قفز—
ظن للحظة أنها موجهة إليه.
لكن—
بووف.
بطريق خلفه انفجر.
ضحك الرجل مجددًا.
ضحكة قصيرة، حادة، تنتهي دائمًا وكأنها فحيح.
ثم قال، بصوت هادئ أكثر مما ينبغي:
“حظك سيّئ يا فتى.”
مال بجسده قليلًا إلى الأمام، ينظر إلى رينجي من الأعلى،
كما لو كان يملك السهل كله تحت قدميه.
“هذه… منطقتي.”