“حسنًا.”

قالها بلا مبالاة حقيقية، وكأنه يقرر نوع مشروب لا أكثر.

“هذه منطقتك.”

ساد صمت قصير.

الريح الخفيفة مرّت بين الأعمدة المعدنية، فصدر عنها صفير مكتوم، منخفض، كأن المكان نفسه يتنفس بحذر.

المعدن لم يتحرك.

ولا الرجل.

الأصلع بقي واقفًا فوق العمود، عيناه الضيقتان مثبتتان على رينجي، تدرسانه لا بغضب… بل بشيء أقرب إلى عدم التصديق.

“…ماذا؟”

قالها أخيرًا، وكأن الكلمة خرجت متأخرة عن الفكرة.

رينجي رفع كتفيه بخفة. “قلت: هذه منطقتك. استمتع بها.”

ثم أدار جسده نصف دورة، كمن يستعد للمغادرة فعلًا.

خطوة واحدة.

لحظة—

“انتظر.”

الصوت هذه المرة لم يكن ساخرًا.

كان مشدودًا، مكسور الإيقاع.

رينجي توقّف.

لكنه لم يلتفت.

“هذا كل شيء؟”

قال الرجل، صوته يرتفع نصف درجة.

“هكذا؟ دون قتال؟ دون محاولة؟”

زفر رينجي ببطء، كمن يفكر إن كان السؤال يستحق إجابة. “لماذا؟”

سأل بهدوء حقيقي.

“هل هناك سبب يجعلني أضيّع وقتي هنا؟”

في الحقيقة…

لم يكن يفتقر إلى الرغبة.

ذلك النوع من الخصوم—المزعج، المتعالي، الذي يتحدث وكأن الأرض خُلقت ليقف فوقها—كان كفيلًا بأن يوقظ في رينجي رغبة بدائية، بسيطة:

ضربة واحدة كافية ليجعله يتقيأ آخر وجبة أكلها قبل دخوله اللعبة.

لكن، وللمرة الأولى منذ بداية النظام…

تريّث.

ليس شفقة.

ولا نضجًا مفاجئًا.

بل حساب.

المرحلة الأولى لقّنته درسًا باهظ الثمن:

القفز قبل الفهم ليس شجاعة… بل هدر.

هو لا يعرف بعد إن كان مسموحًا إصابة اللاعبين مباشرة.

ولا يعرف إن كان الاشتباك الجسدي يُحسب كخرق، أو كمخاطرة بلا مقابل.

ولا—وهذا الأهم—يعرف ما الذي يسمح به النظام، وما الذي يعاقب عليه لاحقًا بصمت.

وشخص وصل إلى أعلى عمود معدني أملس بهذه السهولة؟

هذا ليس لغزًا يُفكّ خلال أول دقائق المرحلة.

رينجي لم يكن مستعدًا لكشف أوراقه، أو تعريض نفسه، أو اختبار حدود مجهولة…

فقط لإرضاء غرور شخص لا يعرف اسمه بعد.

ثم هناك النقطة الأهم.

الخصم الآن لا يشعر بأنه انتصر.

ولا حتى بأنه خسر.

هو يشعر بشيء أسوأ.

أنه أُهين.

أنه تُرك دون مواجهة.

أنه لم يُعترف به كتهديد يستحق العناء.

وفي منطق اللاعبين—

هذا أخطر من الخسارة نفسها.

لأن النتيجة واضحة: سيسعى لإثبات نفسه لاحقًا.

سيتحرك بدافع الغضب أو الغرور.

وسيرتكب أخطاء… لا لأنه غبي،

بل لأنه متوتر.

بينما رينجي؟

هادئ.

يبتعد خطوة.

يراقب.

يتعلّم.

الخلاصة كانت بسيطة، وقاطعة في ذهنه:

رينجي لم يخسر بطاريق.

هو اشترى:

وقتًا.

معلومات.

غموضًا.

وأزال اسمه من قائمة “الأهداف السهلة”.

وبسعر رخيص جدًا:

بضع نقاط… لم يتأكد أصلًا من قيمتها.

في منطق الألعاب الاحترافية؟

هذا ليس انسحابًا.

هذا استثمار بارد الأعصاب.

صمت.

ثم خرجت ضحكة قصيرة من فوق العمود.

ليست ضحكة فرح…

بل ضحكة شخص لم يُؤخذ بجدية منذ وقت طويل.

“أنت تسخر مني.”

قالها الرجل، ونبرته انخفضت فجأة.

“تظن أن هذا المكان لعبة؟ أنني مجرد مرحلة جانبية؟”

التفت رينجي أخيرًا.

نظر إليه مباشرة.

“لا.”

قالها بهدوء ثابت.

“أنا أعتقد أنك خطير.”

تجمّد الرجل.

تابع رينجي، دون أن يرفع صوته، ودون أن يلين: “ولهذا السبب بالضبط… لا أريد القتال الآن.”

ثانية واحدة من الصمت.

ثم—

ضحكة أخرى.

لكن هذه المرة… مشروخة.

كأنها خرجت من مكان لم يُستخدم منذ زمن.

“خطير؟”

كررها الرجل، وكأن الكلمة نفسها تحمل طعمًا غريبًا في فمه.

“إذن لماذا تهرب؟”

رنّ صوت خفيف، أشبه بارتطام معدن بمعدن.

الرجل انحنى قليلًا—

ثم قفز.

جسده اندفع أفقيًا، قاطعًا الهواء كقذيفة، ليحطّ على عمود آخر يبعد عشرات الأمتار.

الهبوط كان ناعمًا.

مثاليًا.

بلا اهتزاز، كأن الجاذبية نفسها قررت التعاون معه.

رينجي لم يتحرك.

لم يتراجع.

لكنه شدّ فكه.

“أرأيت؟”

قال الرجل من الأعلى.

“هذه ليست ساحة… إنها مملكتي.”

عيناه الضيقتان اشتعلتا. “لا تستخف بي.”

رفع يده، وأشار إلى المساحة الواسعة من حولهما. “هذه القبة ضخمة. ومع خروج نصف اللاعبين، أصبحت أكبر.”

ابتسم ابتسامة قاسية.

“أبسط منطق يقول إن من يسيطر على المساحة… يسيطر على المرحلة.”

تقدّم خطوة فوق العمود.

توازنه كان مثاليًا، مزعجًا في دقته.

“وأنت تتجاهلني؟”

قالها بحدّة.

“تتركني وكأنني هواء؟”

رفع رينجي حاجبًا واحدًا. “هل هذا ما يزعجك؟”

وقبل أن يجيبه الرجل—

قال رينجي، بنبرة بلا وزن، كأنه يحدّث نفسه أكثر مما يحدّثه:

“النقل الآني للمرحلة… وضعك من البداية فوق أحد الأعمدة، صحيح؟”

توقف لحظة قصيرة.

“لا أظن أن هناك طريقة أخرى.”

رمش الرجل.

مرة.

ثم ثانية.

الإدراك لم يأتِ دفعة واحدة.

تقدّم ببطء…

ومعه غضب متأخر.

“…هاه؟”

قالها بصوت مشدود.

“أنت… أنت حتى لا تستمع لي.”

صمت قصير.

ثم قال، بنبرة حادة، أثقل من السابقة:

“أنت هكذا تهينني.”

صمت الرجل.

تنهد رينجي، وأدار جسده بالكامل هذه المرة. “لا.”

قالها بهدوء قاطع.

“أنت تفعل ذلك بنفسك.”

ظهرت لمحة انزعاج حقيقي على وجه الرجل. “ماذا تقصد؟”

رفع رينجي إصبعه، وأشار إلى الأعلى. “قفزاتك.”

تجمّد الرجل.

“قفزاتك ممتازة.”

تابع رينجي بنبرة تحليلية باردة.

“قوة دفع عالية. تحكم ممتاز بالجسم. توازن مثالي عند الهبوط.”

توقف لحظة.

“لكنها أفقية.”

اتسعت عينا الرجل قليلًا.

“لو كنت قادرًا على الصعود عموديًا…”

قالها رينجي بهدوء قاتل،

“لما بقيت هنا أصلًا.”

ثم أضاف، دون شفقة: “كنت ستنزل للأرض بعد فترة… لا تتنقل بين الأعمدة مثل حشرة تبحث عن زاوية.”

لحظة الاهانة لم تستمر.

لم يُكملها أحد.

لأن العشب في الأسفل—

تحرّك.

ليس بفعل الريح.

ولا بخطوة عابرة.

بل بانفراج بطيء، عنيف، كأن شيئًا ضخمًا كان يدفع العالم جانبًا ليخرج.

صوت احتكاك.

أغصان تُكسر.

ثم… ظل.

رينجي لم يعرف لماذا.

لكن صورة وحيد القرن من مرحلة الغابة قفزت إلى ذهنه فورًا.

ذلك الإحساس نفسه.

كتلة لا تحتاج إلى سرعة او حتى عقل لتكون مخيفة.

الرجل الذي خرج كان أشبه بدبٍّ فقد طريقه.

جسد عريض، ثقيل، كتفاه منخفضتان كأنهما اعتادا الاصطدام.

والذراع اليسرى—

لم تكن لحمًا.

بلور بنفسجي.

متشقق من الداخل، ينبض بضوء خافت.

عيناه كانتا زائغتين.

ليس تركيز مفترس…

بل ضياع شخص استيقظ في المكان الخطأ، وفي الوقت الخطأ، وبجسد لم يعد يطيعه.

رينجي بلع ريقه.

والأصلع—

لم يتحرك.

لكن العمود تحته أصدر أنينًا خفيفًا.

أو ربما…

كان هو من يرتجف.

العملاق رفع رأسه.

رأى رينجي أولًا.

ثم… رأى الأصلع.

ثانية واحدة.

ثم انفتح فمه.

الصراخ لم يكن صوتًا بقدر ما كان ضغطًا.

الهواء نفسه انكمش.

والأعمدة المعدنية—

اهتزت. أو هكذا بدا.

“أيها الضفدع القافز الحقير—”

خطا خطوة للأمام.

البلور في ذراعه أضاء بعنف.

“سأقتلك… الآن.”

2026/01/04 · 13 مشاهدة · 941 كلمة
نادي الروايات - 2026