الخطأ الشائع ان تظن...
أن المعرفة أخطر من التوقّع.
رينجي تعلّم العكس.
بشكل قاسٍ.
مرعب.
وشخصي أكثر مما ينبغي.
غاروم… كان سهل القراءة.
غضبه واضح.
حماسه فاضح.
نواياه تُكتب على جسده الضخم قبل أن ينطق بها.
لكن توقّعه؟
لا.
ولا حتى غاروم قد يتوقّع غاروم، حسب نظرة رينجي له.
وهذا—
كان أخطر شيء واجهه رينجي منذ أن وطأت قدماه هذا النظام اللعين.
الهواء كان ثقيلًا.
ليس بسبب الخوف…
بل لأن كل الاحتمالات أمامه كانت سيئة.
كلها.
الأصلع…
بعيد، فوق العمود، شارد بنظره، كما لو أن ما يحدث تحته لا يعنيه بعد.
لا استعجال.
لا توتر.
ذلك النوع من الهدوء الذي يسبق الإقصاء.
كانت تلك تذكرته نحوها…
بطريقة مذلّة، حيث يصدح النظام بإشعار يخبر بقية اللاعبين أن هناك من هو غبي كفاية ليخرج بنفسه.
هكذا يحدث.
فكّر.
دائمًا هكذا.
وأمامَه؟
الخيار الآخر.
غاروم.
كان يتموضع.
بطريقة غير واعية… لكنها خاطئة.
كتف منخفض أكثر من اللازم.
قدم ثابتة أكثر مما ينبغي.
وذلك جعله يتذكّر—
الثانوية.
ليس قاعة الدراسة.
ولا الامتحانات.
الساحة الخلفية.
الأجساد التي لا تحتاج سببًا.
الضحكات التي تأتي قبل الضرب، لا بعده.
ذلك الإحساس العفن حين تدرك أن الشخص أمامك لا يحتاج أن يكرهك…
يكفي أنه لا يراك.
كان دائمًا يعرف متى ستأتي الضربة.
لكن لم يكن يعرف من أين.
وأسوأ ما في الأمر؟
أنه تعلّم أن التوقّع لا يمنحك وقتًا…
بل يسلبه.
رينجي ابتلع ريقه.
ماذا أفعل؟
ماذا أفعل؟
كل الطرق…
مغلقة.
أطلق على الأصلع؟
إقصاء مهين.
وذكرى مزعجة.
أرفض التصويب؟
غاروم لن يفهم.
وغاروم… ليس شخصًا يُشرح له الخوف.
خلفه ألم.
وأمامه إقصاء.
ثم—
شيء ما…
انزلق في عقله شيء.
لكن جسده…
فهمه بسرعة.
ارتجافه توقّف.
كتفاه استقرّتا.
أنفاسه عادت إلى إيقاع قديم… مريض… مألوف.
رفع البندقية.
غاروم ابتسم.
“هكذا!”
رينجي لم يرد.
التصويب كان ثابتًا.
قاسيًا.
باردًا.
ثم—
بانغ.
الطلقة خرجت بلا رحمة.
لكن—
الصوت.
لم يكن صوت لحم.
ولا صوت سقوط.
بل—
معدن… بمعدن.
شرارة قصيرة.
صدى أجوف.
رينجي لم يغيّر تعبيره.
لكن غاروم؟
اتسعت عيناه.
“…أخطأ؟”
لقد أصاب العمود.
وفي الأعلى—
الأصلع تحرّك.
“هاه؟”
التفت.
“تبًا… من هناك؟”
نظر.
ورآهم.
رغم العشب.
رغم المحاولة البائسة للاختباء.
وغاروم—
كان كبيرًا جدًا ليكون سرًا.
ضحك.
ضحكة عالية.
مستفزة.
“أوه؟”
فتح ذراعيه.
“تحاولان إصابتي؟”
مال برأسه.
“حتى من هنا؟”
نظر إليهما بازدراء واضح.
“أنتما مضحكان.”
ثم أشار بإبهامه للخلف.
“أين ذهبت حكمتك يا عبقري؟”
ضحك مجددًا.
“هيا.”
فتح ذراعيه بالكامل.
“صوّبا.”
غاروم زمجر.
“تبا لك—”
وحمل بندقيته.
لكن—
يد رينجي أمسكتها فورًا.
بقوة.
“لا.”
قالها بصوت منخفض… لكنه حاد.
غاروم التفت إليه.
البلور طَقَّ.
غاروم شدّ ذراعه بعنف.
البلور في ساعده أضاء فجأة.
طَقَّ… طَقَّ…
خطوة واحدة كانت كافية ليصبح قريبًا أكثر مما ينبغي.
“تبا لك!”
قالها وهو يكاد يهجم عليه.
“لو كنتَ أصبته… لكنا الآن نضحك على دمائه بدل أن يضحك هو علينا!”
رينجي لم يتراجع.
لكن جسده… ارتجف.
ليس خوفًا.
بل شيء أقدم.
“لا.”
قالها بصوت منخفض، مبحوح.
“بل كان سيضحك علينا… ونحن نُقصى.”
توقف غاروم.
“كلانا.”
تلك الكلمة—
علقت.
رينجي رأى البلور يخفت قليلًا.
رأى التردّد، وإن كان بدائيًا.
زفر.
زفرة طويلة، متعبة، كأنها خرجت من صدر شخص آخر.
“اسمع.”
قالها ببطء.
“أعرف أنك حاولت خداعي.”
اتسعت عينا غاروم.
ثم ضاقتا فورًا.
“هاه؟”
ضحكة قصيرة، مصطنعة.
“عن ماذا تتحدث؟”
لكن جسده قال العكس.
كتف ارتفع.
قدم تراجعت نصف خطوة.
رينجي ابتسم.
ابتسامة صغيرة… حزينة.
“أردتَ أن أُقصى.”
تابع بهدوء قاتل.
“لتنتقم.”
غاروم فتح فمه.
أغلقه.
ثم قال بسرعة أكبر مما ينبغي:
“هذا— هذا هراء.”
لكن البلور طَقَّ.
مرة واحدة فقط.
كافية.
“وأنت؟”
قال غاروم بنبرة قاتلة، محاولًا تثبيت موقفه.
“ألم يكن يجب أن تفعل ذلك أنت؟”
رينجي رفع نظره إليه.
عيناه كانتا حمراوين قليلًا.
ليس من الغضب…
بل من شيء أقرب للإرهاق المزمن.
“لا.”
قالها.
ثم أضاف، محاولًا استعادة المقود:
“لأنني حاولت إنقاذك.”
غاروم رمش.
“انظر إليه.”
أشار رينجي بعينه نحو العمود.
الأصلع لا يزال واقفًا.
مسترخيًا.
مستمتعًا.
“هو يريدنا أن نصوّب.”
قال رينجي.
“لأن ذلك في صالحه.”
شدّ على أسنانه.
“فكّر… ولو قليلًا.”
غاروم… حاول.
كان واضحًا.
تجهّم.
حكّ رأسه.
نظر إلى الأعلى.
ثم عاد بنظره إلى البندقية.
صمت.
طويل.
محرج.
رينجي رفع يده وصفع جبهته.
صفعة خفيفة… لكنها صادقة.
“تبًا…”
تمتم.
“حتى أنت.”
ثم قال بصوت أعلى:
“أنت أيضًا ستُقصى.”
غاروم انتفض.
“ماذا؟!”
“لأنك حرّضتني.”
قال رينجي بسرعة.
“هذا متوقّع. النظام يحب هذا النوع من القصص.”
تنفّس بعمق.
صدره كان يؤلمه.
“والأهم—”
رفع إصبعه.
“النظام لن يخاطر بإصابة لاعب الآن.”
نظر إليه مباشرة.
“بهذه الطريقة المتوقعة.”
توقف لحظة.
ثم سأل:
“أخبرني… كم لاعبًا أُصيب حتى الآن برصاصة مباشرة؟”
غاروم فتح فمه.
أغلقه.
“…لا أحد.”
“بالضبط.”
قال رينجي.
“التصويب مراقب. النتيجة محسوبة. سيتم حمايتهم.”
وفي تلك اللحظة—
“أووو…”
قال غاروم فجأة.
ثم، بعد ثانية:
“أووووه.”
نظر إلى الأعلى.
ثم إلى رينجي.
ثم إلى بندقيته.
“فهمت الآن.”
قالها وكأنه رجل كهف اكتشف النار للتو.
رينجي لم يشعر بالراحة.
شعر فقط أن الضغط تغيّر شكله.
“إذن…”
قال غاروم ببطء.
“…ماذا نفعل؟”
تلك الجملة—
كانت أخطر من أي تهديد.
لأنها تعني شيئًا واحدًا:
الوحش ينتظر التوجيه.
رينجي ابتلع ريقه.
يداه لا تزالان ترتجفان.
رأى نفسه للحظة—
في حمام المدرسة.
باب مغلق.
أصوات ضحك خلفه.
ورغبة غبية… نادرة…
أن يقول شيئًا ذكيًا.
أن يفعل شيئًا صحيحًا.
مرة واحدة فقط.
فشل.
دائمًا.
رفع نظره.
“لدي خطة.”
قالها.
وصوته… لم يكن واثقًا.
لكنه كان صادقًا.
“وأحتاج شخصًا…”
توقف.
بحث عن الكلمة.
“…بذكاءك.”
غاروم احمرّ وجهه.
“أ— أنا؟”
قالها بخجل غريب.
ثم شدّ ظهره.
“حسنًا! أنا مستعد!”
قالها بحماس صادق…
ومقلق.