“أنت مجنون… وكنت أظنك ذكيًا.”
قالها رافن كيل وهو يضحك ضحكة قصيرة، مجروحة، لا تشبه ضحكاته السابقة.
لم تكن سخرية كاملة… بل خيبة.
رينجي لم ينزعج.
كان يتوقع هذه الجملة منذ اللحظة التي فتح فيها فمه واقترح الصفقة.
قبل دقائق—
حين انحنى قربه، وهمس بالعرض:
سأساعدك على تجاوز المرحلة… مقابل أن تخبرني بكل ما تعرفه. القواعد. التفاصيل. وبالأخص… مواكبة الألوان.
رافن حينها لم يضحك.
لم يشتم.
بل حدّق فيه كأنه أمام خلل في النظام نفسه.
“أنت… تشارك.” قالها ببطء. “ولا تعرف القواعد؟”
ثم أضاف، بذهول صادق:
“وكيف بالضبط… تنوي مساعدتي؟”
والآن—
عاد إلى واقعه.
رفع يده المرتجفة قليلًا، وأشار إلى ساقه اليمنى.
“انظر إليها.”
صوته انخفض.
“رجلي… خارج الخدمة.”
ضحك ضحكة أقرب للبكاء.
“تم إقصاء رجلي قبلي.”
رينجي هزّ رأسه نفيًا.
بهدوء مزعج.
“لكن أنت… لم يتم إقصاؤك.”
توقف رافن.
رفع حاجبه.
“ماذا تقصد؟”
أشار رينجي حوله، إلى الفراغ الذي كان من المفترض أن يبتلعه منذ دقائق.
“لم يصلك إشعار انسحاب.”
“لم يظهر خيار خروج.”
“ولا حتى تلميح.”
اقترب نصف خطوة.
صوته صار أوضح… أكثر ثقة.
“النظام… لا يزال يعتبرك لاعبًا مؤهلًا.”
رافن فتح فمه.
أغلقه.
ثم قال بانفعال:
“لكن كيف؟ قلت لك— رجلي!”
“بندقيتك.”
قالها رينجي فجأة.
“…؟”
“بندقيتي؟”
“نعم.”
تنفّس رينجي بعمق.
“تساءلت طويلًا لماذا يعطوننا بنادق بسيطة… وهي شخصية لكل لاعب.”
مال برأسه قليلًا.
“ثم أدركت… ربما ليست مجرد سلاح.”
سكت لحظة، ثم أضاف:
“قد تكون بصمة.”
“هوية نقاط.”
“أو شيئًا أسوأ.”
عينا رافن اتسعتا.
“ما الذي تحاول قوله؟”
“أقول…”
قال رينجي بهدوء.
“لو صوبتُ أنا… بسلاحك—”
“فقد تُحتسب الإصابة لك.”
صمت ثقيل نزل بينهما.
“…فرضية.”
أكمل رينجي.
“لكن فرضية تستحق التجربة.”
مدّ يده.
وقبل أن تلامس أصابعه البندقية—
انقضّ رافن عليها.
بسرعة حيوان جريح.
ضمّها إلى صدره، كما تضم قطة ابنتها عند أول صوت خطر.
“من قال لك أصلًا…”
قالها بصوت مرتجف، غاضب.
“…أنني سأساعدك؟”
رفع رأسه.
عينيه اشتعلتا.
“بعد كل هذا؟”
“بعدما فعلته بي؟”
“وبذلك الدب؟”
ضحك.
ضحكة فحيحية، زاحفة.
ثم—
رفع البندقية.
وجّهها مباشرة إلى صدر رينجي.
“ما الذي يمنعني من إصابتك الآن؟”
قالها بابتسامة ملتوية.
“أنا… انتهيت أصلًا.”
شدّ إصبعه على الزناد.
“سآخذك معي.”
رينجي زفر.
زفرة طويلة… كأنها خرجت من صدر شخص كان يتوقع خيبة، لا يتفاداها.
ثم فعل شيئًا لم يتوقّعه رافن.
خطوة واحدة للأمام.
لا اندفاع.
لا مسرعة.
فقط— خطوة محسوبة.
ووضع جبهته…
على فوهة البندقية.
باردة.
معدنية.
قريبة بما يكفي ليشعر بحوافها على جلده.
تصلّب رافن.
“هاه—؟!”
رينجي لم يرفع صوته.
لم يبتسم.
“هيا.”
قالها بهدوء جارح.
“صوّب.”
إصبع رافن على الزناد تشنّج.
ضحكته ماتت في حلقه.
“ما هذا الجنون—”
“لا.”
قاطعه رينجي.
صوته انخفض أكثر… أقرب.
“هذا… خيبة.”
صمت.
ثم—
“أنت شخص عادي.”
قالها رينجي بلا رحمة.
رافن رمش.
“عادي… لدرجة مؤلمة.”
تابع.
“لا قوة حقيقية. لا موهبة فريدة. لا شيء يجبر العالم على الالتفات إليك.”
رفع عينيه ببطء، دون أن يبعد جبهته عن الفوهة.
“لذلك… تريد أن تكون مرئيًا.”
الكلمة—
أصابت.
“تقف فوق الأعمدة.”
“تضحك.”
“تستفز.”
“لا لأنك شجاع…”
ابتسم ابتسامة ضيقة، باردة.
“…بل لأنك خائف أن تمرّ دون أن يراك أحد.”
رافن شدّ على البندقية.
أنفاسه تسارعت.
“اسكت—”
“أنت جبان.”
قالها رينجي مباشرة.
“لكن ليس بالمعنى السهل.”
اقترب أكثر، حتى كاد صوته يلامس أذن رافن.
“أنت جبان ذكي.”
“تخاف أن تضيّع أي فرصة.”
“أي نظرة.”
“أي لحظة يمكن أن تُسجّل باسمك.”
سكت لحظة، ثم أضاف بصوت أخف… أخطر:
“كنتُ سأكون مثلك.”
رافن تجمّد.
“في وقت ما.”
قال رينجي.
“قبل أن أبني قواعد.”
رفع يده ببطء…
ووضع إصبعه على صدره.
“منذ الطفولة.”
“قواعد تمنعني من الضغط على الزناد فقط لأنني أستطيع.”
رفع نظره إليه.
“ولهذا…”
قال بهدوء قاسٍ.
“…أنا نافذتك.”
رافن همس:
“نافذتي… إلى ماذا؟”
“إلى تلك اللحظة.”
قال رينجي.
“اللحظة التي تريد فيها أن يراك الجميع.”
ثم—
مال برأسه قليلًا.
“لكن قبل أن تختار…”
تابع.
“دعني أذكّرك بشيء.”
توقّف.
ثم قال الكلمة التي قصمت ظهر الغضب:
“غاروم.”
رافن شهق.
“كان سيفعل الشيء نفسه بك.”
قال رينجي.
“اندفاع.”
“غضب.”
“زناد.”
خفض صوته.
صار أشبه بمشرط.
“وأنت الآن… ستكرّر خطأه.”
سحب نفسًا بطيئًا.
“ومن الواضح…”
أضاف.
“…أن النظام لن يتسبب في إصابتي.”
رفع رأسه قليلًا.
ما زالت الجبهة على الفوهة.
“لذا—”
سحب يده.
مدّها.
“إمّا أن تصوّب.”
قال بهدوء مطلق.
“أو تعطيني البندقية.”
ثبتت عيناه في عيني رافن.
“اختر.”
تحرّك شيء ما داخل رافن.
ليس شجاعة.
ولا ندمًا.
شيء أهدأ… وأخطر.
ضحك.
لكنها لم تكن تلك الضحكة العالية، الفحيحية، التي اعتاد أن يخنق بها المكان.
كانت خفيفة. قصيرة.
كأنها خرجت رغمًا عنه.
أبعد فوهة البندقية عن جبهة رينجي.
ببطء.
“هاه…”
قالها وهو يهز رأسه.
“لا.”
رينجي لم يتحرك فورًا.
ثم— ابتسم.
ابتسامة صغيرة.
منتصرة؟
لا.
مطمئنة.
“لن أُصوّب.”
أكمل رافن.
ثم أضاف، بنبرة شبه ودّية:
“لكن… لن أعطيك بندقيتي أيضًا.”
صمت.
“…لحظة، ماذا؟”
قالها رينجي فورًا.
بدهشة حقيقية هذه المرة، خالية من التهديد.
“لا، لا— هذا ليس ضمن الخيارات.”
رافن ضحك مجددًا.
ضحكة أوضح. أخف.
ضحكة شخص استعاد شيئًا صغيرًا من سيطرته.
“أنت بارع في حصر الناس بالزوايا.”
قالها وهو يزفر.
“لكن ليس كل الزوايا… مغلقة.”
خفض البندقية، وأسندها إلى جانبه.
عينيه لم تعودا متوحشتين.
ولا منتشيتين.
بل— متعبتين.
“أنت كنت محقًا في شيء واحد.”
قالها بهدوء.
“أنا أحب أن أُرى.”
رفع نظره إلى السماء الصناعية.
تأملها لثانية أطول مما يلزم.
“لكن ليس لأنني لا أملك شيئًا.”
عاد بنظره إلى رينجي.
“بل لأنني لا أملك أحدًا ينتظرني… إن اختفيت.”
سكت.
ثم ابتسم ابتسامة ملتوية، أقل عدوانية.
“لهذا أتحدث.”
“لهذا أضحك.”
“ولهذا أستفز.”
رفع كتفيه بخفة.
“إن متّ هنا… على الأقل، سيتذكرني أحد.”
رينجي لم يقاطعه.
رافن تنفّس بعمق.
ثم قال وكأنه يتخذ قرارًا متأخرًا:
“سأخبرك بالقواعد.”
“كلها.”
رفع إصبعه.
“ومواكبة الألوان أيضًا.”
ثم أضاف بسرعة، قبل أن يبتسم رينجي أكثر مما ينبغي:
“وبعدها… أرحل.”
توقف.
نظر إلى ساقه.
ثم قال بنبرة عملية جدًا:
“آه— قبل ذلك.”
“قرّبني من العمود.”
أشار بيده.
“أحتاج أن أتّكئ عليه.”
ضحك بخفة.
“كرامتي لا تحتمل السقوط مرتين في يوم واحد.”
رينجي تقدّم نحوه.
مدّ يده.
وهو يفعل—
قال بهدوء، بنبرة نصفها جدي ونصفها ساخر:
“صفقة غير عادلة.”
ثم ابتسم.
“لكن يبدو أن هذا تخصصي اليوم.”
اقترب رينجي منه، ثم توقّف لحظة.
“رافن.”
قالها بكل وقار.
“…نعم؟”
أجاب رافن، وقد شدّ ظهره قليلًا، كأنه ينتظر اعتذارًا… أو تقديرًا… أو أي شيء يليق باللحظة.
رينجي حدّق فيه ثانية واحدة، ثم قال ببرود كامل:
“أيها الأحمق… كفى دراما، لن تموت من إصابة في رجلك.”
------
كلمة المؤلف:
يوووو رافن طلع عنده شوية كرامة. المهم رأيكم في الفصل؟ و شيء يمكن طلب صغير. دعمكم على ويب نوفل للرواية حتى نستمر.
الرابط في خانة الدعم في حسابي.