كان الهواء داخل الكوخ أضيق من رئتيه.
الظلّ البرتقالي الضخم ما يزال معلقًا بين الأغصان، يحدق مباشرة في الفتحة الصغيرة التي تُسمّى "نافذة".
رمشَ الأورانجوتان مرة واحدة… ببطء… كأنه يحكم عليه.
جسده كله يصرخ:
ارمِ الرصاصة. الآن. اقتله.
لكن عقله يتمسك بخيط واهٍ من المنطق:
“لا… رصاصة واحدة… واحدة فقط… هذا الشيء لن يموت برصاصة. ولا حتى سيتألم.”
رفع رينجي بندقية Remington 783، كتفه يهتز، أصبعه يشدّ الزناد نصف سحبة…
ثم يجمد.
يده ترتعش وكأنها تفضحه.
“الانضباط… الانضباط اللعين… هذا ما ينقصني.”
همسها بين أسنانه، بينما يحاول إخراج الهواء من صدره بطريقة لا يسمعها الوحش.
الأورانجوتان لم يتحرك.
لم يزأر.
لم يفتح فمه.
فقط… كان ينظر.
تواصل صامت.
نظرة ضخمة لعقل ضخم… تقرأه أكثر مما يقرأها.
ثم فجأة—
بضربة واحدة، هزّ الغصن تحت الكوخ بعنف.
الكوخ كله تمايل.
الخشب صرصر.
النافذة الصغيرة ارتجفت كأنها ستخلع من مكانها.
“تباااا…” حاول رينجي الإمساك بالجدار كي يحافظ على توازنه، لكن الأدرينالين جعل يديه زلقتين.
ضربة ثانية.
أقوى.
الغصن يئنّ تحت وزن الوحش.
حركة سريعة—
رأس الأورانجوتان يقترب من النافذة.
يمد ذراعه الطويلة، أصابع مغطاة بشعر برتقالي كثيف، كأنها سياط.
كان يفصلهما سوى عشرين سنتيمترًا ليمسكه.
أمسك رينجي البندقية بقوة.
رفعها نحو الرأس.
اللحظة الأخيرة… الآن!
لكن…
شيء داخله توقف.
“لو أطلقت… سأموت بعدها مباشرة. الأغلب أنه سيقتحم الكوخ وينهي الأمر.”
كان هذا العالم قد علمه درسًا باردًا خلال عشرة أيام:
الرصاصة التي لا تقتل… هي إعلان حرب.
وبينما يرتفع الوحش قليلًا، يضرب الغصن من جديد، سقطت قطرات مطر علقت على فروه فوق السرير، كأنها نذير بشيء أكبر قادم.
عيناه… ليستا عيني حيوان غبي.
تبدوان مثل سؤال.
“هل تستحق النجاة؟”
وقبل أن يبلع ريقه، امتد ذراع الوحش داخل النافذة.
رينجي قفز للخلف لا إراديًا، ظهره اصطدم بالجدار الخشبي، قلبه ضرب قفزة داخل صدره.
“تبا لك! تبا لك! فكر… فكر…!”
يبحث بعينيه عن أي شيء.
خشبة.
قطعة حديد.
حجر.
لا شيء.
الغرفة ضيقة.
النظام لم يعطه بابًا… فقط نافذة.
نافذة صممت لتسمح له بمراقبة الخارج.
ولم يصممها أحد على أساس “زائر ضخم يغرز يده داخلها”.
هنا… استدار عقله فجأة.
البيئة.
ليس القوة.
ليس السلاح.
البيئة.
أمسك قطعة خشب بجانب السرير—لوح مكسور من آخر ترقية—ورماه خارج النافذة بقوة.
اللوح تطاير بين الأغصان.
صوت ارتطامه بفروع بعيدة كان مرتفعًا بما يكفي ليخترق الغابة.
الأورانجوتان توقف.
يده ما تزال نصف مدخلة…
لكن رأسه التفت نحو الصوت.
ثوانٍ قليلة.
كأن الكون كله محصور فيها.
رنجي لم يفوّت اللحظة.
ضرب جدار الكوخ بكل ما أوتي من قوة:
“هييييه! ابتعد أيها القرد اللعين!!”
صوت الضربة ارتد عبر الخشب.
الكوخ كله اهتز.
الضجيج في المكان ضخم وربما لأول مرة بدا الكوخ وكأنه حيّ… يصرخ معه.
الأورانجوتان تراجع نصف خطوة، جسده يتأرجح.
عينيه تنتقلان بين رينجي… والصوت… ثم الكوخ.
تردد.
ثانية
ثانيتان
ثلاث…
ثم فجأة—
قفز للأعلى وأمسك غصنًا أعلى، تحرك بين الأشجار بخفة لا تتناسب مع حجمه المرعب.
تراجع… ثم عاد فجأة بخطوة باتجاه النافذة، كأنه يختبره، يريد التأكد…
رائحة التراب المبلل دخلت الكوخ مع حركة الوحش.
رينجي شعر بأن أنفاسه توقفت.
لو اقترب هذا الشيء خطوة واحدة…
ستنتهي حياته بطريقة بائسة جدًا.
“لا تطلق… لا تطلق… فكّر…”
وبينما يد الوحش تقترب من النافذة مجددًا—
انتقل ذهن رينجي بسرعة… إلى الشيء الوحيد الذي يمكنه صنع صوت كسر عظام حقيقية.
القائمة.
الطعام.
علبة معدنية.
فتح النظام بسرعة، أصابعه ترتجف.
ضغط على أرخص شيء موجود.
لم يكترث إن كان حساءً أو معجونًا.
ظهرت العلبة في يده.
ثقيلة أكثر مما توقع.
معدن صلب… صوت موته المحتمل.
رفعها… ورماها بكل قوته نحو منطقة بعيدة في الغابة، خلف الأشجار مباشرة.
العلبة اصطدمت بأحد الجذوع بصوت معدني مجوف:
تااااانغ!
توقف الوحش.
جسمه كله تجمّد.
يده تجمدت داخل النافذة، كأن الزمن توقف لأجله.
ثم—
ببطء شديد…
التفت نحو مصدر الصوت.
مرة أخرى… ذلك الصمت.
ثم خطوة للوراء.
أخرى.
ثم انطلق بين الأغصان الثقيلة، يهزها بأذرع طويلة، ينزلق بين الظلال… إلى أن اختفى تمامًا داخل ظلام الغابة العميقة.
لم يعد هناك شيء سوى صوت المطر.
رينجي بقي واقفًا في مكانه… لا يشعر بقدميه.
عرق بارد يسيل من جبينه.
يده ما تزال مرفوعة، تمسك الهواء.
“نجوت…”
قالها بصوت منخفض، بالكاد يسمع نفسه.
ثم ضحك ضحكة قصيرة… مختنقة.
لم يكن ضحك نجاة.
كان ضحك شخص أدرك شيئًا مرعبًا:
“هذا النظام… لا يعاقبني…”
رفع رأسه نحو المساحة الشفافة التي ظهرت فوقه.
“…بل يعلّمني بطريقة قاسية.”
جلس على السرير، يده ترتجف على ركبته.
“لو كنت أكثر انضباطًا… لو كنت ركزت منذ البداية… لكنت رأيت الحل قبل أن أصل لحافة التبول في ملابسي أو أسوأ... الموت.”
أغمض عينيه…
“تبا… يجب أن أرفع مستواي بسرعة…”
“…قبل أن يرسل لي شيئًا أسوأ من هذا القرد العملاق.”