“أعطني… عناقًا.”
الصوت خرج ببطء، لكن الأرض تحت قدمي الدب لم تكن بطيئة.
طاولة.
كرسي.
تمثال دب صغير.
كلها انزلقت جانبًا وهو يتقدّم خطوة واحدة فقط… لكنها كانت خطوة تكفي لتغيير شكل الساحة.
رينجي لم يرفع بندقيته فورًا.
بل استدار نحو كايزو.
“رائع.” قالها ببرود مشبع بالسم.
“من بين كل الأماكن في القبة… تختار مقهى الدببة لنقطة التقاءنا.”
كايزو رمش.
“هاه؟ ماذا تق—”
“المرحلة الأولى.” قاطعه رينجي وهو يشير بإبهامه نحو الكتلة البنية المتقدّمة.
“كنتَ تريدني أن آتي إليك هنا، أليس كذلك؟”
الدب مدّ ذراعيه أكثر.
خشب آخر تحطّم.
“كنتَ ستجعلني أعبر كل هذا… لأجلس وسط حضن شيء كهذا؟”
كايزو شدّ على بندقيته.
“لا تكن دراميًا! هذا المكان في منتصف القبة. سهل الوصول من كل الجهات.”
تراجع خطوة وهو يتكلّم.
“بحثت عنه قبل الدخول. اللاعبين لا يأتون إليه كثيرًا. فيه زوايا عمياء، تماثيل، طاولات… مكان مثالي للاختباء، التخطيط، الصيد.”
رينجي ضحك، لكن الضحكة لم تصل لعينيه.
“آه…” قال بهدوء.
“الآن فهمت.”
الدب صار أقرب.
عيناه الزجاجيتان لم ترمشان. لم ترفّ.
“فهمت لماذا يتجنّبه اللاعبون.”
وأشار.
“لأن هذا الشيء… ليس ديكورًا.”
هان تشول ضحك.
ضحكة قصيرة، كسولة، مستمتعة.
“ربما أنت مخطئ.” قال وهو يمدّ ذراعيه خلف رأسه.
“انظر إليه. لطيف جدًا.”
الدب توقّف نصف ثانية.
ثم مال رأسه قليلًا.
“أعطني…”
صوته اهتز.
“…عناقًا أطول.”
هان أشار إليه بإصبعه.
“ها؟” ابتسم.
“يبدو أنه يريدك تحديدًا، رينجي. اذهب والعب معه.”
رينجي لم يرد.
الدب تحرّك.
ليس اندفاعًا.
ليس قفزًا.
بل… انزلاقًا ثقيلًا.
كأن جسده لا يتبع الفيزياء نفسها.
في لحظة واحدة، كان على بعد ثلاثة طاولات.
في اللحظة التالية— إحداها طارت.
“الآن!” صرخ كايزو.
بانغ— بانغ— بانغ!
رصاصاته انطلقت كخط متصل من الشرر، ارتطمت بجسد الدب، بالفراء، بالخشب المحشو…
تناثرت شظايا، تطاير وبر، ارتجّ الجسد الضخم—
لكنه لم يتوقف.
لم يتباطأ.
بل حتى… لم يتأثر.
الدب واصل تقدّمه، ذراعاه مفتوحتان، كأن الرصاص مجرد مطر صيفي خفيف.
“ماذا—؟!”
كايزو تراجع نصف خطوة، عينيه اتسعتا.
“لماذا لا يسقط؟!”
صرخ وهو يعيد التصويب بعصبية:
“لماذا لا تساندونني؟!”
رينجي نظر إليه من طرف عينه، وصوت الدب يقترب، وابتسامة هان الكسولة خلفه.
“…بصراحة؟” قالها بنبرة لا تناسب الخطر إطلاقًا.
“هل تظن حقًا أنك ستقضي عليه هكذا؟”
الدب مرّ عبر طاولة أخرى.
تحطّمت إلى نصفين.
“أنت لا تضربه.” تابع رينجي.
“أنت… تدغدغه.”
كايزو التفت إليه بغضب.
“إذن ماذا سنفعل؟!”
رينجي رفع بندقيته ببطء.
“انظر.”
ضغط.
أحمر.
الطلقة خرجت كنيزك صغير، خط من اللهب يشق الهواء، ضرب صدر الدب مباشرة.
فوووش!
الفراء اشتعل.
الخيوط البيضاء توهّجت.
وهج برتقالي لفّ الجسد الضخم للحظة كاملة.
“ها!” كايزو شهق.
لكن بعد ثانية واحدة—
الوهج خمد.
النار انطفأت، كأنها لم تكن.
الفراء عاد داكنًا، رطبًا، بلا أثر حقيقي.
الدب… واصل التقدّم.
“…تبًا.” همس رينجي.
“ثلاث بطاريق حمراء… وهذا كل ما فعلته.”
في تلك اللحظة—
مرّ ظل.
ليس ظل الدب.
بل شيء آخر.
أسرع.
أثقل.
مرّ بمحاذاة رينجي كهبّة ريح ساخنة.
عيناه اتسعتا.
“—؟!”
ماهاراتا.
لم يلمسهما.
لم يمر بينهما.
بل… انزلق عبر الفراغ كما لو أن المساحة نفسها أفسحت له الطريق.
خطوة.
دوران.
كتفه تحت ذراع هان.
وفي أقل من طرفة عين—
هان لم يعد واقفًا.
كان محمولًا.
جسده مسترخٍ، رأسه مائل، بندقيته لا تزال على كتفه، كأنه طفل نُزع من سريره منتصف حلم.
ماهاراتا لم يتوقّف.
بيده الحرة رفع البندقية.
أحمر— أحمر— أحمر.
سلسلة.
لكن الطلقة لم تتجه نحو الدب.
بل إلى الأرض أمامه.
بوووم!
اللهب انفجر على امتداد الأرض، اشتعلت الطاولات، المظلات، الأرضية نفسها، مكوّنًا قوسًا ناريًا هائلًا—
جدارًا طبيعيًا من النار يفصلهم عن الدب.
الحرارة ضربت وجوههم.
الهواء ارتجف.
هان تمطّى على كتف ماهاراتا.
“آه… دافئ.”
ثم قال بكسل:
“اعتنوا بالباقي. سأغفو قليلًا.”
قفزة.
قفزة ثانية.
ماهاراتا قفز فوق الجدار المشتعل—
واختفى بين الأعمدة قبل أن تدرك أعينهم اتجاهه.
النار بقيت.
الدب توقّف خلفها، عيناه الزجاجيتان تحدّقان عبر اللهب.
رينجي كان يحدّق في الفراغ حيث اختفيا.
“…تبًا.”
صوته خرج واطئًا، مشحونًا.
“هل… هل هذا إنسان؟”
ثم التفت إلى كايزو، ما زال مذهولًا.
“حمله كأنه تفاحة.”
بلع ريقه.
“وحتى لو كان تفاحة… كيف تحرّك هكذا؟”
النار بدأت تخفّ.
القماش يحترق.
الخشب يسقط.
والدب—
بدأ يعبر.
رينجي رفع بندقيته من جديد.
“الأسوأ…” قال بهدوء قاتم.
“…أنهما تركانا معه.”
وفي لحظة غفلة—
بين جملةٍ وأخرى—
انغلقت الدنيا.
ذراعان بنيّتان ضخمتان انطبقتا على رينجي من الخلف.
“—هاه؟!”
سُحب جسده فجأة، الهواء انضغط من صدره، بندقيته ارتفعت بلا معنى بينما الدب…
عانقه.
“تبًا—!”
قدماه انفصلتا عن الأرض نصف سنتيمتر.
ضغطة.
أخرى.
الفراء الخشن احتك بوجهه.
رائحة خشب رطب، قماش محترق، وشيء… معدني.
الدب الذي كان قبل لحظة يواجه النار—
استدار حول نفسه ببطء، كأنه يبحث عن الوضعية المثالية…
ثم وجّه وجهه نحو رينجي.
الهدف الأقرب.
“كايزو!”
صرخ رينجي، صوته مشروخ بين الذراعين الضاغطتين.
“تصرف! افعل شيئًا قبل أن يسحقني!”
الذراعان شدّتا أكثر.
ضغطة.
أشد.
أقرب.
ضلوعه أصدرت أنينًا خافتًا.
رئته رفضت أن تتمدد.
“…تبًا…” فكّر.
“هكذا إذن… كعلبة عصير…”
ثم—
توقّف.
الضغط لم يزد.
لم ينقص.
بل… ثبت.
الدب لم يكن يسحقه.
كان… يحتضنه.
رأسه الكبير استقر على كتف رينجي.
حركته أصبحت أبطأ.
أهدأ.
“دافئ…”
همس الصوت المعدني داخل صدره.
“آمن…”
رينجي رمش.
مرتين.
“هاه…؟”
لم يمت.
لم تنكسر أضلاعه.
كان فقط… محشورًا داخل عناق لا يمكن الفرار منه.
“كايزو…”
قال بصوت متوتر لكن مذهول.
“…أعتقد أنه… فعلًا يريد عناقًا فقط.”
كايزو حدّق.
الدب واقف في وسط المقهى المحترق، يحتضن رينجي كدمية.
“…هه.”
قال رينجي بتردد.
“انظر… ربما… يجب أن تجربه أيضًا؟ يبدو لطيفًا.”
لكن كايزو لم يبتسم.
بل قالها بنبرة غريبة، جادة أكثر مما ينبغي:
“رينجي… هذا سيّئ.”
الدب شدّ عناقه قليلًا.
ليس ألمًا.
بل… تثبيتًا.
“سيّئ؟!”
شهق رينجي.
“أنا على وشك أن أُعصر كوسادة!”
كايزو هزّ رأسه ببطء.
عيناه على الذراعين الضخمتين.
“لا…” قالها ببرودة مفاجئة.
“إنه سيعانقك فقط.”
توقّف.
“…لكن يتركك حتى تنتهي المرحلة.”