الدب ما زال يعانقه.
ليس عناقًا دافئًا كما تُوهم الكلمة، بل قيدٌ ناعم… ذلك النوع من القيود التي لا تؤلمك فورًا، لكنها لا تترك لك أي خيار سوى التفكير.
رينجي كان مرفوعًا نصف سنتيمتر عن الأرض. قدماه تتأرجحان بلا جدوى، وذراعاه محشورتان بين صدره وفراء بني خشن، تفوح منه رائحة قماش قديم وخشب مبتل.
صدره يرتفع بصعوبة… وينخفض بصعوبة أكبر.
“…حسنًا.”
قالها بصوت متقطّع، وكأنه يخاطب نفسه لا كايزو.
“لنذعر لاحقًا… الآن نفكّر.”
حرّك رأسه بالكاد. أنفه كان يلامس الفراء. لم يستطع حتى حكّه.
“أنا حرفيًا…” زفر.
“…لا أستطيع حتى حكّ أنفي.”
الدب شدّ عناقه جزءًا من المليمتر.
ليس ضغطًا.
تذكيرًا.
“دافئ…”
همس الصوت المعدني.
“ابقَ…”
رينجي أغمض عينيه بقوة.
ركّز.
حلّ.
كما دائمًا.
“حسنًا.” قال بصوت أعلى قليلًا.
“خيار واحد: مهارة حجب الحضور.”
فتح عينيه، حدّق في الفراغ أمامه.
“…لا.”
هزّ رأسه ببطء.
“حتى لو نجحت، كيف أفعّلها؟ لا أستطيع تحريك إصبع واحد للتصويب.”
حرّك كتفه.
لا شيء.
“وخيار اثنين…” تابع، وكأنه يلقي محاضرة على طالب غائب.
“إطلاق النار.”
ضحكة قصيرة، مختنقة.
“هذا لن ينجح أيضًا. قلت بنفسي… سنُدغدغه فقط.”
الدب لم يرد.
لكن ذراعيه بقيتا ثابتتين.
مثاليتين.
كأنهما صُمّمتا لهذا الغرض بالضبط.
“ثلاثة…”
فتح رينجي عينيه على وسعهما.
“استفزّه؟”
توقّف. فكّر. ثم زمّ شفتيه.
“لا. إنه سعيد.
وهذا أسوأ.”
كايزو كان واقفًا على بعد خطوات. بندقيته منخفضة، ووجهه مشدود، عيناه لا تفارقان رينجي.
“رينجي…” قالها بحذر.
“توقّف عن الكلام وكأنك تكتب تقريرًا.”
“دعني أفكّر!” صرخ رينجي، ثم توقّف فجأة.
“آسف. آسف… لا تصرخ.”
الدب أمال رأسه قليلًا، كأن الصراخ أزعجه.
“…فهمت.”
همس رينجي.
“الصوت ليس فكرة جيدة.”
سكت لحظة، ثم عاد يتكلّم، لكن هذه المرة بنبرة منخفضة، متكسّرة، كأن الكلمات تزحف خارج فمه.
“طيب… ماذا عن البيئة؟”
تحرّكت عيناه بصعوبة: الطاولات المحطّمة، الأعمدة القصيرة، المصابيح الميتة.
“شيء ثقيل…” قالها ببطء.
“من الأعلى.”
كايزو عقد حاجبيه.
“ماذا؟”
ابتسم رينجي ابتسامة شخص لم ينم منذ أيام.
“اسمعني…” قالها بسرعة مفاجئة، كأنه خاف أن تضيع الفكرة.
“إذا سقط شيء ثقيل بما يكفي— عمود، مصباح، أي شيء— على الدب، ربما يضطر لتخفيف العناق.”
فتح كايزو فمه… ثم أغلقه.
“هذا… قد يقتل—”
“لا يهم!” قاطعه رينجي.
“تأذّيتُ أم لا، المهم أن أتحرر.”
الدب شدّ ذراعيه.
قليلًا.
“آمن…”
قال الصوت.
“ابقَ…”
رينجي جزّ على أسنانه.
“أرأيت؟ حتى هو لا يمانع المخاطرة.”
تقدّم كايزو خطوة.
“رينجي… لا.”
“أو!”
رفع رينجي حاجبيه فجأة.
“خذ بندقيتي.”
تجمّد كايزو.
“اسحبها من كتفي.” تابع رينجي بسرعة، أنفاسه تتلاحق.
“أنا عالق. أنت حر. خذها، اقتل البطاريق، اجمع النقاط.”
الدب لم يمنعه، كأنه لا يرى البندقية جزءًا من المشكلة.
“اجعلني ضمن المتأهلين.” قال رينجي بصوت أخفض.
“في المرحلة الثالثة… سنجد حلًا. أعدك.”
هزّ كايزو رأسه.
“رينجي… اسمعني.”
“اسمعني أنت!” صرخ رينجي، ثم خفّض صوته فورًا.
“آسف… لكن لا وقت.”
اقترب كايزو أكثر. مدّ يده نحو البندقية، ثم تردّد.
“رينجي…” قالها بلهجة لم يستخدمها من قبل.
“أنت لا تبدو بخير.”
ضحك رينجي ضحكة غير متّزنة.
“هذا لأنني أُحتضن من دمية دب عملاقة وسط مقهى محترق.”
ثم—
فجأة—
ساد صمت قصير.
اتسعت عيناه.
توقّفت ضحكته.
“…هاها.” قالها ببطوء.
“وجدتها.”
شهق كايزو.
“ماذا وجدت؟”
“كايزو!” قال رينجي بحماس مفاجئ، يكاد يكون هستيريًا.
“علينا ضربه… لكن ليس بالنار. ليس بالرصاص.”
ابتلع ريقه.
“بشيء… أثقل.”
رفع نظره بصعوبة نحو الأعمدة.
“من الأعلى.”
نظر كايزو حيث ينظر، ثم عاد إليه.
“رينجي… هذا جنون.”
“ربما.” قالها رينجي بهدوء غريب.
“لكن كل الحلول العاقلة… فشلت.”
شدّ كايزو على أسنانه.
“رينجي، اسمعني.”
“رينجي.” كررها، ثم أعلى.
“رينجي!”
أمال الدب رأسه نحو كايزو. عيناه الزجاجيتان ركّزتا عليه.
“لا تلمس…”
قال الصوت المعدني.
“…الدافئ.”
تجمّد كايزو.
ثم—
صرخ.
“رينجي!!”
خرج الاسم كما لو سُحب من صدره.
غاضبًا.
مكسورًا.
“لنتوقّف هنا.” قالها فجأة. صوته انخفض. تغيّر.
“أنا…” تردّد.
“…آسف.”
رمش رينجي.
مرة.
مرتين.
“آسف لأنني جررتك لكل هذا.” تابع كايزو، عيناه لا ترفّان.
“لهذه القبة. لهذا المكان. لهذا الشيء.”
شدّ الدب عناقه قليلًا.
ليس تثبيتًا…
بل كأنه يستمع.
فتح رينجي فمه، ثم أغلقه.
لأول مرة—
لم يكن لديه ردّ ساخر.
رينجي انفجر.
ليس صراخًا فقط—
بل انكشافًا.
“آسف؟” قالها بحدّة مفاجئة، كأن الكلمة صفعة.
“هل تمزح معي؟ آسف على ماذا بالضبط؟ لأنك قررت فجأة أن تكون نبيلًا؟”
الدب لم يغيّر قبضته.
العناق ثابت. صبور.
كأنه يمنح المسرح للكلمات.
“رينجي…” قال كايزو، وصوته حاول أن يبقى كما هو.
“قلت لك. ليَ عليك. سأجيب عن كل شيء. كما اتفقنا. الفوز لا يهم—”
“لا يعمل هكذا أيها الأحمق!”
الكلمة خرجت بلا تصفية.
“هذه مسابقة مزدوجة. مزدوجة. لا توجد تضحيات فردية هنا. لا بطولات نظيفة. إن خرجتُ مهانًا الآن— فهذا ليس فشلي وحدي، بل فشلك أيضًا.”
شدّ فكه، والغضب كان أقرب إلى رجفة.
“إذا كانت هذه طبيعتك— أن تمشي إلى الخسارة وتبتسم— فأنا لست كذلك. لا أُغلق اللعبة وأكتب ملاحظة اعتذار. لا أختفي.”
صمت كايزو.
ثم قال، بهدوء أتعب من الصراخ:
“وأنا لم أطلب منك أن تختفي.”
اقترب خطوة.
“طلبت فقط… أن تنجو.”
ضحك رينجي ضحكة قصيرة، جافة.
“هل تسمع نفسك؟ هذا ما أقوله منذ البداية. لكنك تريد نجاتي بدونك. تريد أن تخرج نظيفًا وتتركني خلفك كخطأ تقني.”
حرّك الدب رأسه.
“دافئ…”
أغمض كايزو عينيه لحظة.
وحين فتحهما، كان فيهما شيء لم يكن موجودًا قبل ساعات—
قرار لم يُختبر.
“ربما رأيتُ فيك شيئًا.” قالها أخيرًا.
“شيئًا ظننته… بداية.”
ابتلع رينجي الكلمات.
لأول مرة، شعر أن الشاشة اختفت.
لا نظام.
لا نقاط.
لا مسافة.
“بداية؟”
قالها بلا سخرية…
وهذا ما جعلها أقسى.
“لا تكن دراميًا.”
ابتلع ريقه، لا بسبب العناق… بل بسبب الفكرة.
“نحن بالكاد نعرف بعضنا منذ ساعات. ساعات، كايزو. هذا ليس شيئًا يُبنى عليه معنى.”
حرّك رأسه قدر ما يسمح له الدب.
“ما بيننا… حالة مؤقتة للنجاة. توافق اضطراري. ليس وعدًا، ولا طريقًا، ولا بداية.”
انخفض صوته أكثر.
“بعد هذا؟ نفترق. هكذا تعمل الأمور خارج المسابقة.”
الصمت الذي تلا—
لم يكن رفضًا.
كان جدارًا.
شدّ الدب العناق.
لا أكثر.
لا أقل.
والنار من حولهم واصلت عملها البطيء.
هنا، بالضبط هنا—
تراجع كايزو خطوة.
ليس هربًا…
بل وقوفًا في المنتصف، ثم جلس.
وضع كفه على ذقنه، كما لو أنه يفكّر في حركة لم تُلعب بعد، بينما النار ترسم حوله دائرة غير منتظمة، تلتهم المقهى ببطءٍ صبور، كلوحة زيتية تُحرق من أطرافها. الطاولات تسقط واحدة تلو الأخرى، المظلات تذوب، السقف يئنّ.
العالم ينهار…
من دون استعجال.
أمّا هو—
فكان في غمامة.
وحيدًا داخل رأسه.
رينجي كان يصرخ.
الصوت متقطّع، مخنوق بذراعي الدب، لكنه ما زال صوته.
غاضبًا.
لاذعًا.
حيًّا أكثر مما ينبغي.
“كايزو! هل تسمعني؟! تحرّك! اللعنة— افعل شيئًا!”
لم يلتفت كايزو فورًا.
حدّق في الأرض المتشققة أمامه. في شقٍ صغير، رأى انعكاس النار يتراقص، كأنه نهر أحمر لا قرار له.
منتصف.
ابتسم ابتسامة خفيفة، بلا سخرية.
المنتصف دائمًا مكان غريب.
ليس بداية تكذب عليك بالأمل،
ولا نهاية تريحك باليقين.
منتصف كل شيء…
حيث لا أحد يصفّق،
ولا أحد يودّع.
رفع عينيه ببطء.
رينجي كان محشورًا داخل حضن الدب، كحرفٍ أُقحم في جملة ليست له. جسده مشدود، وجهه محمر، عيناه تقدحان شررًا— لا خوفًا، بل غضبًا.
غضب يشبه غضبه…
لكن موجّه للخارج.
“توقّف عن الجلوس هكذا!” صرخ رينجي.
“لسنا في استراحة! أنا أموت هنا!”
تنفّس كايزو.
بعمق.
تذكّر درعًا قديمًا.
ساموراي يقف في منتصف ساحة معركة، لا يعرف إن كان القتال انتهى… أم لم يبدأ بعد.
كان يؤمن أن الوقوف في المنتصف شرف.
توازن.
حكمة.
لكن لا أحد أخبره أن المنتصف قد يكون… فراغًا.
“رينجي.” قالها أخيرًا، بهدوء يزعج أكثر من الصراخ.
“هل تعلم ما المشكلة في هذا المكان؟”
“ما—؟ أي مكان؟!”
شدّ الدب عناقه قليلًا.
تذكير.
أشار كايزو إلى الفراغ بينهما.
“هنا.”
ثم قال، كمن يرمي حجرًا في بئر يعرف عمقه:
“المنتصف دائمًا مكان مؤلم.”
شهق رينجي.
“هل جننت؟! إن خرجت من هنا حيًّا سأ—”
“هل أنا شريكك؟”
قاطعه كايزو بهدوءٍ قاسٍ.
“أم مجرد أداة؟”
الصمت هذه المرة لم يأتِ من النار.
بل من رينجي.
العناق استمر.
الدب تنفّس ببطء، ككائنٍ لا يعرف العجلة.
كحارس مرحلة لا يكره ولا يحب… فقط ينتظر.
“ما الذي تهذي به الآن؟!” صرخ رينجي أخيرًا.
“هذا ليس وقت—”
“أعلم.”
وضع كايزو كفه على صدره.
“لكنني في هذا المكان منذ وقت طويل.”
التقت عيناه بعيني رينجي.
لا اتهام.
ولا رجاء.
فقط سؤال…
تأخّر كثيرًا.
“شاركتُ في هذه المسابقة لأجد شخصًا.”
قالها كأنه يعترف لنفسه.
“ولم أسأل نفسي يومًا: ماذا سأكون حين أجده؟”
سقطت قطعة من السقف.
شرارة مرّت بينهما.
فتح رينجي فمه… ثم أغلقه.
“أنت تقاتل لأنك تريد النجاة.” تابع كايزو.
“وأنا… لأني لا أريد أن أبقى وحدي.”
ضحك بخفة.
ضحكة قصيرة لا حياة فيها.
“هل ترى الفرق؟”
حرّك الدب رأسه قليلًا.
كأنه يستمع.
شدّ رينجي على أسنانه.
“إن خرجنا من هنا، سنتحدث عن هذا. أقسم لك—”
“هذا هو المنتصف.”
همس كايزو.
“دائمًا نعد بما بعده… ولا نلتفت إليه أبدًا.”
نهض ببطء.
انعكست النار والغبار على درعه، فبدا كظل ساموراي خرج من حكاية قديمة… متأخرًا فصلًا كاملًا.
“رينجي…”
توقّف.
ثم قال الجملة التي لم يكن يريد قولها:
“أنا لا أعرف إن كنتَ تراني شريكًا.”
ابتسامة مكسورة.
“لكنني أعرف شيئًا واحدًا.”
تردّد، ثم قال أخيرًا:
“الأدوات…
لا يُسأل عنها حين تتألم.”