لم يرَ شيئًا.

لم يسمع إلا نبضه، كأنه طبلة حرب داخل جمجمته.

لكن ما كان يراه بوضوحٍ… هو شريط حياته.

ليس كالأفلام التي تتحدث عنها القصص؛ لا مشاهد بطيئة ولا إضاءة سماوية،

بل عرضٌ واقعي، باهت، موجع.

كل شيء يمرّ أمامه كما هو:

وجه والدته وهي تصرخ عليه من باب غرفته—

"رينجي، ستموت يومًا من هذه الألعاب!"

كان يضحك وقتها… ويقول بصوتٍ متعبٍ ومغرورٍ في آنٍ واحد:

"لا تقلقي يا أمي… على الأقل سأموت وأنا مستمتع."

ضحكته تلك تعود الآن… مثل سكينٍ في صدره.

تذكر عشيقته، ميسا، وهي تضع رأسها على كتفه قائلة:

"أنت لا تفكر بالمستقبل أبدًا…"

وكان يجيبها بسخريةٍ لطيفةٍ:

"المستقبل ممل، والحاضر يوجد بهِ انتي و… إنترنت كافٍ."

الحاضر الآن لا يملك إنترنت… ولا كتفًا… ولا حتى ذراعًا سليمة.

الوجع يشتعل في ذراعه كأن أحدهم يسكب نارًا على عظامه.

رائحة الدم تمتزج بالتراب الرطب، والهواء يثقل أكثر مع كل ثانية.

نظر حوله بعينين نصف مغلقتين… وهناك—على بعد بوصة من وجهه،

كانت بندقيته Remington 783 ملقاةً على الأرض كأنها تنتظره،

كأنها تقول:

"لن أتركك وحدك حتى النهاية."

مدّ يده اليسرى المرتجفة،

تحسس البارد المعدني للبندقية،

أمسكها كما يمسك الغريقُ خشبةَ خلاصه،

ثم… رفعها بكل ما تبقى فيه من غضب،

وضرب بها رأس الياجور.

ضربة أولى.

ثم ثانية.

ثم ثالثة.

كل واحدة كانت صرخةً مكبوتة،

غضبًا على كل ما فات،

على كل قرارٍ سخيف، وكل فشلٍ صغير.

الياجور يزأر ويهز رأسه بعنف،

رينجي شعر أنّ ذراعه الممزقة على وشك أن تُقتلع،

لكن الألم لم يعد يعني شيئًا.

هو الآن كتلةٌ من الغريزة،

شيءٌ بدائيّ يقاتل فقط لأنه لا يعرف كيف يموت بهدوء.

ضربه على رأسه… على بطنه… على أنفه…

أي مكان، كل مكان.

الدماء تتطاير على وجهه،

أنفاس الحيوان الحارة تختلط بأنفاسه.

ثم فجأة… توقّف كل شيء.

الياجور تراجع ببطء.

عيناه تحدقان فيه،

ليس خوفًا… بل شيئًا آخر.

احترام؟ تردد؟

أو ربما إدراكٌ بأن هذا الكائن الصغير أمامه لم يكن فريسةً سهلة.

زمجر بصوتٍ خافت،

ثم استدار واختفى بين الأشجار كما جاء،

يترك خلفه خطًا من الدماء والوحشة.

بقي رينجي على الأرض،

أنفاسه مقطّعة،

صدره يعلو ويهبط كأنه يغرق في الهواء نفسه.

تأمل الغابة من حوله،

كأنها تشاهده بصمت،

تنتظر النتيجة.

أغمض عينيه لحظة.

شعر أن جسده سينهار.

لكن بدل أن يستسلم للموت بهدوء…

صرخ.

صرخة طويلة… خامّة… ممزقة من أحشائه.

ارتدت في أرجاء الغابة،

اصطدمت بالأشجار، وتسلقت الأغصان،

حتى بدت كأنها تزلزل هذا العالم البارد كله.

ربما، للحظة واحدة…

ارتعبت منه الغابة.

نهض ببطء.

كل خطوة كانت حربًا صغيرة.

العرق يمتزج بالدم،

ألمه يضرب من كتفه إلى رقبته،

لكنه تحرّك.

خطوة… ثم أخرى… ثم أخرى.

يحاول أن يسرع،

ليس شجاعةً بل خوفًا من أن يشمّ مفترسٌ آخر رائحة الدماء.

أخيرًا… بعد ما بدا كأنه دهر،

لمح كوخه المعلق بين الأشجار،

وانتقل إلى الداخل.

سقط على الأرض الخشبية.

لم يكن الضوء داخل الكوخ كما تذكّره.

أو ربما هو الذي تغيّر.

كل شيء بدا أغمق، أبرد، حتى الهواء صار ثقيلاً

لدرجة يشعر معها أنه يبتلعه… لا يعينه.

الفتاة الافتراضية ظهرت أمامه كعادتها—

نفس الوقفة، نفس الوجه الخالي من أي معنى.

شعر بأن ملامحها الآن ليست بلا تعبير…

بل بلا رحمة.

همس، أو حاول أن يهمس:

"علاج… دواء… جراحة… أي شيء…"

خرج صوته مشروخًا، يرتجف كما ترتجف ركبتاه.

ردت الفتاة بصوتٍ ميكانيكي رتيب،

لكن لأذنه بدا كأنه صدى شيطان يضحك داخل آلة:

"طلبك غير متاح الآن."

انخفضت عيناه نحو ذراعه.

لا تبدو جزءًا منه…

أشبه بقطعة طباشير مكسورة،

معلقة بخيوط جلدٍ باهتة،

ترتجف مع كل نبضة.

اللون… الرائحة… الانبعاجات…

حتى عقله رفض الاعتراف بأنها ما زالت "ذراعًا".

فكرة قطعها مرّت بعنف في رأسه.

كأنها ليست فكرة… بل خيار.

ومع ذلك، لم يعرف ماذا يحدث للرجل الذي يفقد ذراعًا في عالم كهذا.

هل ينزف حتى الموت؟

هل يوقِفه النظام؟

أم يتركه ليموت ببطءٍ… بواقعية تامة؟

ثم جاء السؤال الأكثر مرارة:

حتى لو قطعها… من سيحميه بعدها؟

من سيحمل بندقية؟

ثم تذكّر…

البندقية نفسها لم يعد لها وجود.

تركها في مكان ما خلفه في الغابة،

مغطاة بالتراب والدم…

لكنها محطمة تمامًا ولن تفيده،

بل كما هو الآن نفسه لن يفيد حتى في التغوط بشكل طبيعي.

أراد أن يصرخ.

أن يشتم.

أن يبصق على الأرض ويسبّ كل شيء.

أراد حتى أن يبكي…

لكن لم يخرج منه شيء.

كان يعرف الحقيقة الوحيدة التي تخترق صدره أكثر من الألم:

هو وحده.

ولم يكن مستعدًا لهذا القدر من الوحدة.

وفجأة—

وكأن النظام أحسّ به…

أو ربما يسخر منه بطريقة أذكى منه.

لم يعرف.

لم يهتم.

صوت الفتاة عاد بنفس الرتابة:

"لا تزال هناك مكافأة المهمة الجانبية متاحة.

هل تريد الحصول عليها؟"

جفّ حلقه.

قال الكلمة وكأنه يمسك بقشة نجاة في وسط محيطٍ أسود:

"الشـ…بكة."

ظهرت النافذة أمامه:

────────────────────────

[مهمة جانبية — مُنجزة]

────────────────────────

● الهدف: صيد 10 كابيبارا

● الوقت: 52 ساعة

● المكافأة: فتح الشبكة لمدة ساعة واحدة

[تفعيل الآن؟ نعم / لا]

────────────────────────

ساعة واحدة…

ربما آخر ساعة في حياته.

أو آخر فرصة لعدم الموت.

ضغط ذهنيًا على زر الصفحة الرئيسية:

────────────────────────

النظام الرئيسي

────────────────────────

◉ البيانات الشخصية

◉ العمليات

◉ الترسانة (غير متاح — يتطلب المستوى 9)

◉ الشبكة (متاحة لمدة ساعة)

────────────────────────

فتح الشبكة.

يده ترتجف، بصره يتذبذب،

جسده كله على حافة السقوط.

لكن عقله…

ظلّ قادرًا على الذهول.

الشاشة انفتحت أمامه…

خرجت منه الكلمات رغم ضيق أنفاسه:

"ما هذا الــ…؟!"

2025/12/06 · 52 مشاهدة · 828 كلمة
نادي الروايات - 2026