في يومٍ جميل كانت الشمس مشرقة، والنسيم اللطيف يداعب العشب الأخضر. كانت هناك عائلة صغيرة تتكون من أبٍ وأمٍ وابنهما الذي في الرابعة من عمره يتنزهون.
كان الفتى يجلس في حضن والدته وهي تقرأ له كتابًا. كان هذا الكتاب رواية تُدعى «كوكب للبسطاء»، وكان الأب مستلقيًا يستمع هو الآخر.
تحدثت الأم وهي تحكي:
"بعد هذا الوداع الذي جاء عكس رغبات هاوس، سقط على الأرض بلا إرادة، لقد كان ممتلئًا بالفراغ، ولم يرِ بعينيه سوى مشهد السماء الصفراء… النهاية."
بعد ذلك ظهر على وجه الأب تعبير انزعاج وهو يقول:
"يا لها من رواية سخيفة ذات نهاية أكثر سخافة! كنتُ أفضل لو أنك قرأتِ رواية أخرى غير تلك."
ردت الأم بهدوء:
"حسنًا، بلاكي هو من اختارها. هل كنتَ تفضّل رواية أخرى مثلًا؟"
حكّ الأب شعره وقال:
"حسنًا ما دام هذا كان اختيار بلاك فلا بأس، رغم أن هذه ليست النوعية التي أفضلها من الروايات."
عرفت الأم أن ذوق الأب سيّئ للغاية، فقد كان يقترح دائمًا روايات لا تعرف لماذا بدأت أحداثها ولماذا إنتهت ،روايات كانت عبارة فقط عن ملاحم لا تنتهي، لذلك لم تُعره اهتمامًا. وبدلًا من ذلك سألت الفتى الصغير:
"إذًا بلاك، هل لديك أي أسئلة؟"
دائما ما كان الصغير (بلاكهول) لديه أسئلة كثيرة، والكثير منها يصعب الإجابة عليه، ولكن هذه المرة كان سؤاله بسيطًا جدًا:
"أمي، لماذا السماء زرقاء اللون؟"
سأل بلاك هذا السؤال وهو ينظر إلى السماء الواسعة بنظراته الطفولية.
سؤال بسيط، لكنه أعمق مما قد يتخيله أي شخصٍ عادي في هذا العصر. هذا ما كانت تفكر به الأم قبل أن تظهر ابتسامة على وجهها وتقول:
"حسنًا، هذا سؤال رائع. فإذا استخدمنا المنطق والعلم لإجابة هذا السؤال، فستكون الإجابة أن الغلاف الجوي للأرض هو ما يحوّل الضوء الأبيض القادم من الشمس إلى اللون الأزرق أو البنفسجي، وأن أعين البشر أكثر حساسية للون الأزرق، وهكذا ترينا أعيننا السماء بهذا اللون. لكن… أعرف أنك لست مقتنعًا بهذا الجواب. حسنًا… وأنا أيضًا، فهو يخلق أسئلة أكثر، أليس كذلك؟"
الام كان ليها إحساس بما كان يفكر به إبنها .
فبالفعل كان بلاك يعرف هذه الإجابة، لكنه كان يبحث عن إجابة أخرى لمعنى آخر لم يفهم الطريقة التي يجب السؤال بها عنه.
وكان على وشك التحدث، ولكن والده سبقه قائلًا:
"نعم، يا له من كلام فارغ. إن الإجابة أبسط من ذلك بكثير: السماء زرقاء لأنها أرادت أن تكون هكذا… بسيطة وجميلة."
كان يقول هذا الكلام وهو ينظر إلى زوجته وطفله نظرة مليئة بالمحبة وعلى وجهه ابتسامة.
ابتسمت الأم لزوجها وقالت مازحة:
"يبدو أني تزوجت فيلسوفًا لا يدري معنى ما يقوله."
رد الأب بعد أن رفع حاجبا وأخفض الآخر ، والابتسامه لا تزال علي وجهه:
"ماذا تعنين؟ بالتأكيد أعرف… وحسنًا يمكنني أن أصبح حكيمًا إذا أردت، مثلما أرادت السماء أن تكون زرقاء جميلة في النهار، تُبرز جمال الشمس وقت الفجر ووقت الغروب، ويزينها القمر والنجوم ليلًا. مقصدي هو يا بلاك… يمكنك أن تكون أي شيء تريده، مثلما أرادت السماء أن تكون هكذا. هذا هو معنى ما أقوله."
أشرقت ابتسامة على وجه بلاك رغم الحيرة داخل عقله التي سببها منطق والده غير المنطقي.
"بالتأكيد يا أبي."
أكملت الأم قائلة وقد أشرقت الابتسامة على وجهها هي الأخرى:
"يا لها من مفاجأة! لقد تزوجت فيلسوفًا حقًا."
فكر بلاك ووالدته في نفس الوقت:
"يا له من أمر غير منطقي… ولكن… لماذا؟"
وطوال عامٍ ونصف من بعد هذه الذكريات الجميلة، كان العالم يعاني من وباءٍ قاتل قضى على ملايين الناس في أقل من شهر. ورغم أن التقنيات الحديثة كانت قد أوقفت الوباء من الانتشار، إلا أنه كانت لا تزال هناك حالات إصابة، ولم يكتشف أحد الترياق حتى مع مساعدة التكنولوجيا والعلم المتقدم في ذلك الزمن ، إلا بعد مرور عام.
الشخص الذي اكتشف الترياق كانت بيلا، والدة بلاك. ليس هذا فحسب، بل إنها استطاعت اختراع جهاز يمكنه أن يدخل جسد الشخص ويكتشف أي وباء جديد يسبب ضررًا للجسم، ويجعل الجسد يتأقلم ويقضي عليه كأنه قد حصل على ترياق مسبقًا، مع تنبيه الأجهزة الموجودة في أجساد الآخرين وقواعد البيانات على الإنترنت. كانت هذه خطوة نحو جعل البشر خالدين.
ولكنها لم تنجُ ولقيت حتفها.
في يوم وفاتها كانت جميع الأخبار تتحدث عنها وعن إنجازاتها، وعن كمِّ التقدم الذي حققته للبشرية. بالطبع معظم العالم لم يعد يهتم كثيرًا بهذه الأمور.
بعد يومين من وفاتها، كان ماكس زوج بيلا يودّع آخر الضيوف الذين بقوا لعزائه. بعدها ذهب إلى غرفة بلاك ليتفقد حاله، فبالتأكيد لن يكون على ما يرام بعد ما جرى. هو نفسه لم يكن على ما يرام.
وقف ماكس أمام باب الغرفة وطرق:
"بلاك، هل يمكنني الدخول؟"
رد بلاك:
"ادخل."
فتح ماكس الباب ووجد بلاك مستلقيًا على سريره ينظر إلى السقف،وملامح وجهه كما هي كالعادة.
قال ماكس وصوته أجش يصف الحزن الذي يشعر به:
"بلاك، لا داعي للحزن. هذه ليست أول ولا آخر مرة… أنت تعرف هذا جيدًا."
رد بلاك:
"لا تخف يا والدي، أنا أعرف ما تعنيه. قد أكون حزينًا الآن لكن ليس لدرجة المبالغة. في الواقع…"
كانت عينا بلاك الآن لامعتين كأنهما تريدان أن تذرفا بحرًا من الدموع ولكنهما لا تستطيعان.
"أحيانًا أعتقد أنه يجب أن أشعر بدرجة أكبر من الحزن، لكنني لا أستطيع. دائمًا عقلي لا يسمح لي. عقلي يقيدني بـ: لماذا؟ وكيف؟ والآن أجلس أفكر فقط في سؤال سخيف لا أجد له إجابة."
سأله ماكس:
"أخبرني، ما هو السؤال يا بلاك؟ سأفعل كل ما أقدر لإجابتك."
مثل طفلٍ في السادسة، سأل بلاك والده:
"أبي… ما المعنى من وجود الشخص؟"
كانت عيون ماكس قد ظهرت عليها علامات الحزن، وبدأت الدموع تتجمع، وصوته لا يزال حزينًا.
"بالطبع له معنى، وهذا المعنى هو تأثيرك المميز الذي تُظهره على العالم بصفتك إنسانًا، أو أيًا كنت… أنت صانعه، أليس كذلك؟"
قال بلاك:
"قبل أن أسألك هذا السؤال، سألته لروبي – الروبوت الخاص بنا – أتعرف؟ لقد قال شيئًا مشابهًا لما قلته، ولكن سرعان ما كذّب عقلي هذه الإجابة بسؤال آخر: هل سيظل هذا التأثير ذا معنى إذا رحل الشخص الذي قام به وأصبح في النهاية مثل الصخرة الجامدة؟ أليس معنى هذا أن التأثير الذي قام به لم يكن ذا معنى من الأساس؟"
نزلت أول دمعة من عين ماكس، وزاد صوته حزنًا وهو يقول:
"ماذا تقول؟ بالتأكيد أمك… سيظل لحياتها معنى ما دام تأثيرها على العالم موجودًا: أبحاثها التي طورت العلم، والناس الذين كانت سببًا في بقائهم أحياء، والأشخاص الذين تركت أثرًا عليهم ولا يستطيعون نسيانها… أنا… وأنت."
رد بلاك دون أن يأخذ وقتًا لأن عقله لا يزال غير راضٍ:
"هل هذا التأثير مهم حقًا إذا كانت البشرية جميعها في النهاية ستفنى؟ حتى لو أصبح البشر خالدين فالعالم هو الآخر سيفنى، وكل ما فيه سينتهي أيضًا. ولكن حتى لو تجاوز البشر نهاية العالم، ماذا بعد؟ ماذا سيفعلون؟ ذهب العالم الذي كانوا يضعون أثرهم عليه. وإن لم يذهب العالم، فهم أصبحوا خالدين وقد تركوا الرغبات التي كانت تلزمهم بها أجسادهم للحياة. هل ما زال الوعي الذي لديهم يمثل شيئًا إذا لم تعد هناك مشكلات يحتاجون إلى حلها؟ ألن يصبحوا مثل الصخور؟ لا تفنى لكنها لا تثبت أي معنى؟ والبشر الذين سيخلدون أيضًا لن يثبتوا أي معنى لحياة الفانين قبلهم. وحتى إن أثبتوا شيئًا، هناك بشر عاشوا حياة قليلة التأثير على العالم، وعندما رحلوا لم يتذكرهم أحد. هل وجود العالم له معنى حقًا؟ لا… سؤالي هو: لماذا وُجد البشر مميزون عن أي شيء في العالم؟ لديهم القدرة على التغيير فيه رغم أنهم قد لا يكون لأي شيء يعيشون من أجله معنى؟"
نزلت قطرات الدموع من عيني ماكس، فوضع يده يغطي عينيه وقال:
"أنا لا أعلم… أنا لا أعلم. هذه الأسئلة مثل السؤال الذي سألته من قبل: لماذا السماء زرقاء؟ أنا كنت قد أجبت إجابة قالت والدتك إنها بلا معنى… والآن أدرك أن إجابتي كانت سخيفة حقًا وتخلو من المنطق. أنا آسف… أنا لا أستطيع…"
حينئذٍ أخيرًا نزلت دمعة من عين بلاك وقال:
"لا بأس يا أبي. إجابتك هذه – رغم أن منطقي لا يقبلها – عندما أفكر فيها أكتشف أني أناقض نفسي. كيف يوجد شيء مثل العالم؟ وكيف يوجد مخلوق مميز مثل الإنسان بدون سبب؟ العالم واسع ومعقد جدًا، كيف أعرف معنى وجوده وسبب تميز البشر إن لم أعلم كل ما فيه وكل تفاصيله؟ أنا فقط… أحتاج للبحث أكثر."
هذه اللحظة هي التي حددت معنى حياة بلاك. كان هذا المعنى هو: البحث عن سبب الوجود.
كان ماكس يعرف أن ابنه مميز عن أي شخص في العالم، وأنه أذكى منه بمراحل، وأنه سيكون عائقًا إذا حاول مساعدته بطريقة مباشرة. ولكنه يجب أن يؤدي واجبه كأبٍ ويصون الأمانة التي تركتها له زوجته، لذا أراد أن يقول شيئًا:
"بُني… الجهل نعيم، والبحث عن المعرفة والحقيقة مثل تعذيب النفس. أنا أعرف أني لا أستطيع منعك، لذا بدلًا من ذلك سأحاول أن أكون والدًا جيدًا، وسأحاول الوصول إلى أعلى المناصب في هذا العالم فقط لإزالة أي عائق قد يواجهك. بني… اعتمد علي."