الفصل 340: محادثة ضرورية [II]
ولأول مرة منذ أن بدأت بالشرح، نظرت روسين بعيدًا.
قالت بعد لحظة: "لأنك تعرف الإجابة بالفعل". لم يكن في صوتها أي نبرة دفاعية، بل نبرة إرهاق. "أنت تعرف تاريخ هذا العالم". ثم نظرت إليه. "انقطعت سلالة الدم البدائية قبل وصولك بزمن طويل. كانت القوة المتبقية لدينا متناثرة وغير مستقرة. ما تسميه معجزات كان في يوم من الأيام أمرًا عاديًا".
توقفت للحظة.
"بحلول الوقت الذي حدث فيه ذلك، لم نعد قادرين على التصرف على هذا النطاق."
لم يُحوّل ترافالغار نظره. "إذن لماذا يتصرف أصلاً؟"
أجاب روسين بهدوء: "لأنه لا يزال هناك شيء واحد يمكن فعله. وشيء واحد فقط."
زفرت. "نقل روح. نقل وجود. ليس خلقًا ولا ترميمًا. فقط... نقله قبل أن يضيع."
ضاق ترافالغار عينيه قليلاً. "نحن؟"
لم تنكر روزين ذلك. "أقول 'نحن' من باب العادة." ارتسمت على شفتيها ابتسامة لم تكن ابتسامة حقيقية. "في الحقيقة، فعلتُ ذلك وحدي. لم يتبقَّ منا الكثير. أقل مما تتوقع. أقل مما يستطيع العالم تحمّله." ثم استجمعت قواها. "إنقاذه هنا كان فوق طاقتنا. أما الحفاظ عليكِ فكان ممكنًا."
بعد ذلك، بدت الغرفة أصغر حجماً، إذ كان ثقل ما لم يكن ممكناً يضغط عليها بنفس قوة ما تم إنجازه.
لم يدع ترافالغار الصمت يطول أكثر من ذلك. قال بصوت منخفض لكن ثابت: "إذن أخبرني، ما الذي حدث هناك بالفعل؟"
ازدادت نظرة روسين حدة، وحل الوضوح محل التردد.
قالت: "كنتَ في الأكاديمية، في عالمك الخاص، تتغيب عن الحصص". ثم صمتت قليلاً. "بعيدًا عن المكان الذي كان من المفترض أن تكون فيه". لم تفارق عيناها عينيه. "كان تركيزك منصبًا على شيء آخر، على شيء بدا أكثر إلحاحًا من المحاضرة التي كنت تتجنبها".
لم يتغير تعبير وجهها.
تابعت روسين بصوتٍ دقيق: "كانت هناك لحظة. اضطرابٌ وجيز. ترنّح جسدك، وتلاشى وعيك." أمالت رأسها قليلاً. "ليس موتاً. بل فراقاً."
لم تبالغ في الأمر.
"لم يكن هناك أي طقس. لا إشارة. لا معنى مرتبط باللحظة نفسها،" قالت. "مجرد انفتاح ناتج عن عدم الاستقرار."
التزمت ترافالغار الصمت.
قال روسين وهو يحدق فيه: "لم تمت هناك، لكنك كنت تقترب من عتبة. عتبة إذا ما تم تجاوزها، تصبح ثابتة."
استنشقت ببطء.
"تلك اللحظة - عندما انفصل وجودك دون أن يستقر - كانت هي الفرصة التي كنت أحتاجها."
استقر صوتها.
قالت: "كنت أبحث عن مرشح مناسب".
لم تُحوّل نظرها.
"في لحظة الانفصال تلك، تم اختيار وجودك." ثم صمتت قليلاً. "أُخذت. نُقلت. بالكامل. جسدًا وروحًا."
التقت عيناها بعينيه مرة أخرى.
"لهذا السبب لم يُترك شيء وراءنا."
ازداد الصمت بينهما.
وأضاف روسين بهدوء: "لقد احتاج عالمك إلى تفسير، لذلك ابتكر تفسيراً".
التقت عينا روسين بعينيه تماماً الآن.
"لا بطولة. لا نبوءة. ولا حتى قدر في تلك اللحظة." كان صوتها هادئًا، يكاد يكون قاسيًا. "مجرد خيار اتُخذ قبل أن يختفي شيء ثمين إلى الأبد."
لم يتكلم ترافالغار لبرهة. وعندما تكلم أخيرًا، خرج صوته منخفضًا. قال: "والداي. في عالمي". لم تفارق عيناه عينيها. "ماذا حدث لهما؟"
لم تجب روسين على الفور. ليس لأنها ترددت، ولكن لأن الإجابة تطلبت دقة.
قالت أخيرًا: "إنهم أحياء، لكن ليس بالطريقة التي تظنها". راقبته عن كثب. "بالنسبة لهم، لم تكن موجودًا أبدًا".
سقطت الكلمات في صمت، أثقل من أي إعلان للموت.
تابعت روسين قائلةً: "لم يكن هناك أي حادث مرتبط بك. لا جنازة ولا سجلات يمكن تتبعها إلى ابن مفقود". حافظت على نبرة هادئة. "لقد مُحي وجودك تمامًا. الذكريات. الوثائق. الآثار الرقمية. حتى التناقضات الصغيرة التي يتجاهلها الناس". هزت رأسها قليلًا. "لقد تكيّف العالم مع غيابك".
لم يتغير تعبير وجه ترافالغار، لكن شيئاً ما تغير في نظراته.
قالت: "لم يفقدوك أبدًا. لأنه بالنسبة لذلك العالم، لم يكن هناك أحد ليخسروه أبدًا."
زفر ببطء. "إذن لم يكن هناك وداع."
أجابت روسين: "لا، ولا حزن، ولا أسئلة، ولا فراغ يُترك وراءه". خفّت نبرة صوتها قليلاً. "كانت هذه هي الطريقة الوحيدة لمنع الانهيار. الاختفاء يُحدث شرخاً، أما المحو فلا".
انقبضت أصابع ترافالغار قليلاً على راحة يده. قال: "ولا سبيل للتحدث إليهم". لم يكن سؤالاً.
أكدت روسين قائلة: "لا يوجد. لا يوجد جسر بين العوالم. لا صدى يُجيب. حتى لو وقفتَ حيث كنتَ تعيش، فلن يتعرف عليك أحد." ثم نظرت إليه مباشرةً وقالت: "أنت لستَ غائبًا هناك. لم تُكتب لكَ أبدًا في ذلك الواقع."
صمت مرة أخرى، ولكن هذه المرة لفترة أطول.
ثم طرح السؤال الأخير.
"هل يمكنني العودة؟"
لم تُحوّل روزين نظرها. ولم تُخفف من حدة إجابتها.
قالت: "لا، ليس لأني أرفض، بل لأنه غير ممكن". ثم أخذت نفسًا عميقًا. "ما حدث لكِ لم يكن مجرد انتقال. لم يعد هناك أي تزامن بين العالمين. لا توجد نقطة عودة".
توقفت للحظة، تاركة المعنى يستقر في ذهنها.
قال روسين: "لم يفتح السلالة البدائية باباً، بل أعادت كتابة الترتيب. وبمجرد حدوث ذلك، لا رجعة فيه".
ظلت نظرتها ثابتة لا تتزعزع.
"هذا الواقع ليس شيئاً دخلت إليه عن طريق الصدفة،" أنهت كلامها. "إنه الواقع الوحيد الذي يعترف بك الآن."
لم يرد ترافالغار.
جلس هناك بلا حراك، والصمت يحيط به من كل جانب حتى كاد يختنق. لم يأتِ ثقل ما قالته برفق، بل سقط عليه دفعة واحدة، تاركًا إياه مشوشًا، وأفكاره متناثرة بلا نظام.
لقد زال العالم الذي كان يعيش فيه.
اختفى بطريقةٍ جردتْه من معناه، كما لو أنه لم يُسمح له بالانتماء إليه أصلاً. والداه. حياته. كل ما كان عليه من قبل. أُزيلَ تماماً لدرجة أن مجرد تذكره كان يبدو خاطئاً، كأنه لمس شيء لم يعد موجوداً.
لن يراهم مرة أخرى.
انقبضت الحقيقة في صدره، حادة ومفاجئة، فأجبرته على إخراج الهواء من رئتيه.
"هذا..." خرج صوته متقطعاً، بالكاد أكثر من نفس. ابتلع ريقه. "هذا قسوة."
بقيت الكلمة هناك، رقيقة وغير كافية، عاجزة عن التعبير عما شعر به.
انطلقت منه ضحكة مريرة، جوفاء وغير منتظمة. مرر يده على وجهه، وتحول عدم التصديق إلى شيء أكثر قسوة.
تمتم قائلاً: "لا بد أنك تمزح معي. كل هذا..." ثم اشتد فكه. "بسبب ذلك؟"
عادت الذكرى إلى الظهور دون استئذان. الكشك. الرائحة. غباء الأمر برمته.
حياة قُطعت بسبب شيء سخيف لدرجة أنه بدا وكأنه سخرية.
قدر.
حدق ترافالغار في الأرض، وأصابعه تغرز في راحة يده، وكان تنفسه غير منتظم وسطحي.
الإدراك المتأخر بأن كل ما كان عليه قد زال، وأنه لن تأتي لحظة لمواجهته بشكل صحيح.
والعالم الذي يقف فيه الآن لا يوفر له أي مساحة للتوقف من أجل الحزن.