الفصل 450: جنازة سيلفار [1]

انطلقت التنانين المجنحة في السماء واحدة تلو الأخرى، تضرب أجنحتها القوية الرياح المتجمدة بينما ارتفع التشكيل فوق الحصن. تناثر الثلج في الهواء مع كل ضربة هبوط، يدور لبرهة قبل أن يختفي تحتها. انحنى ترافالغار قليلاً إلى الأمام على السرج بينما كان جواده يصعد، تتحرك عضلات المخلوق الضخمة تحته بقوة مضبوطة.

هنا في الأعلى كان الهواء أكثر حدةً وأقل كثافة، والريح تقطع وجهه كالشفرة. تحيط بهم قمم جبلية مسننة من كل جانب، مخالب حجرية سوداء تخترق طبقات لا نهاية لها من السحب، والثلوج تتساقط في الهواء في أغطية متناثرة تحملها تيارات تعوي عبر السماء.

لكن هذه المرة، ظل ترافالغار ثابتًا تمامًا. استقرت يداه بهدوء على اللجام بينما تحرك التنين تحته بإيقاع منتظم. مال المخلوق مرة واحدة، وبسط جناحيه على اتساعهما وهو يمتطي تيارًا هوائيًا صاعدًا، فعدّل ترافالغار وضعيته غريزيًا، متحركًا معه بدلًا من مقاومته.

كان الفرق بين صعوده الأول وصعوده الأول واضحًا لا يُمكن تجاهله. حينها، كان بالكاد يتمسك بالسرج، خائفًا من السقوط، وكل حركة للوحش تُهدد بإلقائه في الهاوية. أما الآن، فقد استجاب جسده للحركة بشكل طبيعي. شهور من التدريب، ومعارك لا تنتهي، وحروب، غيّرت أكثر من مجرد قوته.

أمامه، صعد تشكيل مورغين في صمتٍ منضبط. قاد تنين فالتير الضخم الصعود، حيث شقت أجنحته الهائلة العاصفة بسهولةٍ فائقة، بينما حافظت بقية العائلة على مسافةٍ مثالية خلفه. بقي ترافالغار في المؤخرة، لكنه لم يعد يكافح لمواكبة السرعة.

أسفلهم، اختفت القلعة ببطء. تقلصت الجدران أولاً، ثم تلاشت الأبراج، حتى ابتلعت سحابة كثيفة الحصن بأكمله. وسرعان ما لم يبقَ تحتهم سوى ضباب أبيض لا نهاية له يمتد عبر الأفق، ولم يبقَ سوى رفرفة الأجنحة وصيحة الرياح البعيدة.

ثم وصل التشكيل إلى السحاب. ولبرهة، حلّقوا عبر ضباب أبيض كثيف، وانعدمت الرؤية تقريبًا مع دوران الثلج والبخار حولهم. شعروا وكأن العالم مغلق وخانق، كما لو أن السماء نفسها قد ابتلعتهم بالكامل.

ثم تمكنوا من اختراق الدفاع.

انتشر ضوء الشمس في السماء بلون فضي باهت وذهبي خافت، مضيئًا بحرًا لا نهاية له من السحب تحته. وتدفق الضباب في الأسفل كمحيط متجمد، ناعمًا وخياليًا، ممتدًا إلى أبعد مما تراه العين. زفر ترافالغار ببطء، وتجولت نظراته على الأفق. حتى بعد كل ما رآه، كان المنظر لا يزال يخطف الأنفاس.

في الأفق البعيد، بدت القمة. في البداية، بدت كقمة جبلية أخرى ترتفع فوق السحاب، ولكن مع اقترابها من الجبل، انكشف شكلها الحقيقي. أحاطت بالقمة تحصينات حجرية ضخمة، وأبراج مراقبة ترتفع من حوافها كحراس صامتين، تشبه القمة بأكملها حصنًا منحوتًا مباشرة في السماء، معزولًا عن العالم الخارجي.

مقبرة السيوف.

ضيّق ترافالغار عينيه قليلاً بينما واصلت التنانين المجنحة صعودها نحوه، وارتسمت ابتسامة خفيفة على زاوية فمه. "أخيرًا... وصلنا"، تمتم بين أنفاسه. ثم نظر سريعًا إلى بحر الغيوم الممتد تحتهم، وضحك ساخرًا. "وهذه المرة لن تتجمد خصيتاي."

بدأت التنانين المجنحة هبوطها مع اقتراب التشكيل من القمة، حيث مالت أجنحتها عكس التيارات بينما انزلقت الأجسام الضخمة إلى أسفل في أقواس متحكم بها بينما ارتفعت الهضبة بثبات تحتها.

من الأعلى، كشفت القمة عن حجمها الحقيقي. ما بدا من بعيد مجرد قمة جبلية بسيطة، كان في الواقع هضبة شاسعة منحوتة من قمة الجبل نفسه. يحيط بها سور ضخم، حجر سميك يرتفع عالياً فوق الأرض المغطاة بالثلوج، مدعوم بأبراج مراقبة موزعة على مسافات دقيقة على طول الأسوار. لم يكن المكان يشبه حصناً بُني للحرب فقط، بل بدا أقدم من ذلك بكثير، أقدم من معظم الممالك.

حلّقت التنانين المجنحة على ارتفاع منخفض، وبدأت حقيقة الهضبة تتكشف ببطء من تحت الثلج. آلاف السيوف مغروسة في الأرض المتجمدة، سيوف بأحجام وتصاميم مختلفة، رماح قديمة بمقابض متآكلة، حراب مكسورة، وشظايا أسلحة محطمة طواها النسيان. بعضها مصقول ومحفوظ رغم مرور القرون، وبعضها الآخر صدئ ومتآكل بفعل الرياح والجليد، لكن جميعها بقيت راسخة في الأرض بثبات لا يتزعزع. امتدت عبر الهضبة بأكملها كغابة صامتة من الحديد، مقبرة ليست للجثث بل للمحاربين.

في قلب المقبرة، وقف سيف واحد أكبر من جميع السيوف الأخرى. كان فولاذُه أغمق وأثقل، ومقبضُه شامخًا فوق الأسلحة المحيطة به كملك بين الجنود، يرتفع من الأرض المتجمدة وحيدًا كما لو كان يراقب كل محارب يرقد في مثواه الأخير تحت السماء.

هبطت التنانين المجنحة نحو مهبط واسع قرب الجدار الداخلي. تساقط الثلج بغزارة تحت مخالبها وهي تهبط تباعًا، وانطوت أجنحتها القوية ببطء مع نزول الفرسان. في اللحظة التي لامست فيها أحذية ترافالغار الأرض، كان البرد أشدّ وطأةً مما كان عليه في الهواء. هنا في الأعلى، لم يكن للريح ما يخفف من حدّتها، إذ كانت تندفع عبر الهضبة كشفرة تُسحب بلا هوادة على الجبل، وتخترق الأقمشة والدروع على حدّ سواء.

أمامهم، كانت بوابات القلعة الضخمة مغلقة. لثوانٍ معدودة، لم يتحرك شيء. ثم دوى أنين معدني عميق عبر الهضبة، بينما تحركت آليات قديمة داخل الجدران، وتحركت سلاسل حديدية، وطارت تروس خفية تحت ضغط هائل. تساقط الثلج من شقوق الحجر، وبدأت البوابة الحديدية بالارتفاع ببطء، وتردد صدى الصوت في أرجاء مقبرة الشفرات.

خلف البوابات، امتدت ممرات حجرية، وعمارة صارمة، وجدران سميكة قادرة على الصمود أمام العواصف والحصارات على حد سواء. كل شيء في المكان كان يحمل نفس الروح التي ميزت دار مورغين نفسها، روح الانضباط والصلابة، وروح البناء التي ستدوم طويلًا بعد رحيل من سكنوا قاعاتها.

من ظل البوابة المرتفعة، تقدمت شخصية. سارت السيدة سيرادرا عبر الثلج بخطوات متزنة، تضغط أحذيتها بقوة على الأرض المتجمدة. كان شعرها الأشقر، الممزوج بخصلات فضية خفيفة، مربوطًا عاليًا خلف رأسها، يتمايل برفق مع الريح. جابت عيون قرمزية الشكل التشكيل القادم بوضوح حاد، متفحصة كل وجه على حدة.

رغم بلوغها الخمسين من عمرها، كانت لا تزال شامخة القامة، بهيئة محاربة لم تسمح للسن أن يضعف انضباطها. كان الرداء الثقيل الملقى على كتفيها يتحرك ببطء في ريح الجبل، وشعار مورغين ينعكس عليه ضوء الصباح الباهت.

انتقلت نظرتها من فالتير إلى الورثة، ثم إلى الزوجات، وأخيراً إلى بقية أفراد العائلة المجتمعين على أرض الهبوط.

"لم أتوقع عودة العائلة الرئيسية إلى هنا بهذه السرعة."

أجاب فالتير بصوتٍ رتيب: "أضرار جانبية للحرب. كان على نيم أن يقتل سيلفار لأنه كان مصابًا بإيكاروس. لم يكن هناك حل آخر."

عيون رمادية ثابتة. وجه منحوت من نفس الحجر الذي نُحت منه الحصن خلفه.

حدقت به سيرادرا لعدة ثوانٍ دون أن تنطق بكلمة. ثم اشتدت ملامحها وتقدمت خطوة إلى الأمام، وأمسكت بيدها مقدمة معطفه قبل أن يتمكن أي شخص من الرد.

انتشرت موجة من الصدمة بين الحضور. تجمدت الزوجات في أماكنهن. حدق العديد من الورثة بدهشة. حتى ترافالغار رمش بعينيه.

"فالتير." كان صوتها منخفضًا لكنه حاد. "لستَ مضطرًا لإظهار قوتك أمامي." شدّت قبضتها قليلًا. "لقد مات ابنك للتو."

هبت الرياح عبر المقبرة خلفهم، وهمست بين شفرات الأشجار المغروسة في الأرض المتجمدة.

وتابعت قائلة: "لم يكن لهذه الحرب أي علاقة بعائلتنا، ومع ذلك زججتم بنا فيها. لسنا مرتزقة، نحن عائلة مورغين".

جاء رد فالتير دون تردد: "اتركي الأمر يا سيرادرا".

أمسكت به للحظة أخرى. ثم نقرت بلسانها برفق. "تشه."

أفلتت يدها من معطفه. بالنسبة لكل من كان يشاهد، انتهى الأمر عند هذا الحد. لكنها، وهي تقف على مقربة منه، لمحت شيئًا لم يره الآخرون. ومضة خاطفة خلف عينيه، سرعان ما اختفت. ألم. جرح أعمق من أي شيء كان ليسمح لبقية أفراد عائلته برؤيته.

أب يدفن ابنه. انقلبت موازين العالم.

لم يكن فالتير ليسمح أبدًا لهذا الحزن بالظهور. لا أمام زوجاته. ولا أمام ورثته. لكن سيرادرا كانت قريبة بما يكفي لرؤية الحقيقة تحت القناع، وانخفض صوتها إلى شيء لا يسمعه سواه.

همست قائلة: "أنت أحمق، لكنك أخي. لا تكن عنيداً بشأن هذا الأمر."

لم يُجب فالتير. ببساطة، تجاوزها وسار نحو البوابة المفتوحة.

تبعهم باقي أفراد العائلة. في الداخل، امتدت ممرات حجرية تحت جدران شاهقة، وتراكم الثلج في زوايا الأفنية حيث تسللت الرياح، وتحرك فرسان مدرعون بصمت بين المباني. بدا كل شيء عتيقًا وقاسيًا، كحصن صمد عبر قرون من العواصف والحروب على حد سواء.

لم يُبطئ فالتير من خطواته. بقي الألم مدفونًا تمامًا حيث وضعه. لم يكن العالم رحيمًا، ولم ينتظر أحدًا قط.

2026/06/11 · 38 مشاهدة · 1218 كلمة
نادي الروايات - 2026