الفصل الرابع عشر: مرحلة الجذر
بعد تلك الليلة الأولى في الغابة الهادئة، بدأت مرحلة جديدة كليًا من حياتي، مختلفة بعمق عن أي مرحلة سابقة عشتها في هذا العالم رغم كل تنوع تجاربي السابقة. لم يعد الأمر يتعلق بإتقان تقنية معينة محددة بوضوح، أو بتطوير مشروع بحثي ذي أهداف عملية واضحة المعالم كما اعتدت في كل مشروع سابق. أصبح الأمر أقرب، بشكل جوهري، لممارسة مستمرة يومية، أشبه بطقس هادئ صبور، لا يقاس تقدمه بإنجازات واضحة سريعة، بل بتراكم بطيء غير مرئي غالبًا، يشبه، بشكل مثير للتأمل العميق، تلك الزراعة الهادئة التي مارستها مع أمي طوال سنوات طفولتي الأولى في القرية البعيدة.
خصصت، من تلك الليلة الأولى، جزءًا ثابتًا من وقتي اليومي، غالبًا في ساعات الفجر الأولى قبل بدء عملي في المستشفى، أو في المساء بعد انتهائه، للعودة إلى تلك المنطقة الهادئة من الغابة القريبة، أجلس فيها بصمت، أحاول، مرارًا وتكرارًا، إعادة خلق تلك الحالة من الانفتاح السلبي المتعمد التي اختبرتها لأول مرة في تلك الليلة الحاسمة.
كانت الأسابيع الأولى من هذه الممارسة الجديدة محبطة بشكل خاص، أكثر من أي مرحلة تعلم سابقة خضتها. كل مهارة تعلمتها من قبل، مهما بلغت صعوبتها الأولية، كانت تعتمد على مبدأ واضح نسبيًا: بذل جهد نشط متزايد، تطبيق تقنية معينة بشكل متكرر، مراقبة النتائج، تعديل النهج بناءً على الملاحظة. لكن هذه الممارسة الجديدة تطلبت مني، على العكس التام، التخلي عن هذا النمط المعتاد بالكامل، تعلّم كيفية "عدم الفعل" بشكل واعٍ متعمد، وهو تحدٍّ أثبت، بسرعة مفاجئة، أنه أصعب بكثير مما توقعت في البداية.
في كل مرة كنت أجلس فيها، محاولاً الوصول لتلك الحالة من الانفتاح السلبي، كان عقلي، بشكل شبه تلقائي غير إرادي، يميل نحو محاولة "الفعل" النشط المعتاد: توجيه الانتباه بشكل مباشر، محاولة "دفع" الوعي نحو الإحساس بالطاقة الخارجية بدل السماح لها، ببساطة، بأن تقترب مني بشروطها الخاصة. كان هذا الميل الغريزي نحو النشاط المعتاد، الذي خدمني جيدًا في كل مرحلة سابقة من تدريبي، يعمل الآن، بشكل مفارقة واضحة، كعائق حقيقي أمام هذا النوع الجديد كليًا من التدريب.
بدأت، بعد أسابيع من هذا الإحباط المتراكم، أفكر بشكل أكثر منهجية في طبيعة هذه المشكلة تحديدًا، محاولاً تطبيق نفس المنهج التحليلي الدقيق الذي اعتدت استخدامه في كل تحدٍّ سابق. إن كانت المشكلة الأساسية تكمن في ذلك الميل الغريزي المستمر نحو "الفعل" النشط، فربما كان الحل يكمن، ليس في محاولة قمع هذا الميل بشكل مباشر عنيف، بل في إيجاد طريقة أكثر ذكاءً لتوجيهه نحو هدف مختلف تمامًا: بدل محاولة "فعل" شيء نحو الخارج، ربما كان عليّ أن أوجّه ذلك النشاط الداخلي المعتاد نحو الداخل نفسه، نحو مراقبة تلك المحاولات الغريزية للتدخل النشط نفسها، ومراقبتها بهدوء دون الانجراف معها، بدل محاولة قمعها بشكل مباشر.
كانت هذه الفكرة، حين جربتها لأول مرة في إحدى الجلسات التالية، تحولاً حقيقيًا مهمًا في نهجي. بدل محاولة "الوصول" لحالة الانفتاح السلبي بشكل نشط مباشر، بدأت، بدلاً من ذلك، أراقب بهدوء كل فكرة أو دافع يظهر في ذهني نحو التدخل النشط، دون أن أحاول قمعه، بل ببساطة ألاحظه، أعترف بوجوده، ثم أتركه يمر دون أن أتبعه، أشبه، كما فكرت لاحقًا، بمراقبة أوراق تطفو على سطح نهر هادئ، دون محاولة التقاطها أو توجيه مسارها.
استغرق الأمر أسابيع إضافية من هذه الممارسة المعدَّلة قبل أن أبدأ ألاحظ تحسنًا حقيقيًا ملموسًا. لكن، حين حدث هذا التحسن أخيرًا، كان واضحًا بشكل مختلف جوهريًا عن أي تقدم سابق اختبرته في أي مهارة أخرى: لم يكن تقدمًا في "القدرة" على فعل شيء جديد، بل تقدمًا في "القدرة" على السماح لشيء أن يحدث دون تدخل مباشر مني.
بدأت، في إحدى الجلسات من الأسبوع السادس تقريبًا من هذه الممارسة المستمرة، ألاحظ ذلك الإحساس الغامض الذي شعرت به لأول مرة في تلك الليلة الأولى يتكرر بشكل أكثر وضوحًا ووثوقية، لا كإحساس عابر نادر، بل كحضور خافت لكنه أكثر استقرارًا واستمرارية، يتسلل تدريجيًا إلى إدراكي كلما تمكنت من الوصول بشكل أعمق لتلك الحالة من الانفتاح السلبي الحقيقي.
كان هذا الإحساس، كلما تعمقت فيه أكثر بمرور الأسابيع، يصبح أكثر تحديدًا ووضوحًا تدريجيًا: شعور بتدفق خافت جدًا، بطيء للغاية، لكنه ثابت ومستمر، ينتقل من التربة تحت جسدي، ومن الهواء المحيط، ومن جذوع الأشجار القريبة، نحو جسدي نفسه، بشكل مختلف جوهريًا عن أي إحساس بالطاقة الداخلية المعتادة التي اعتدت التعامل معها طوال سنوات تدريبي السابقة.
سجّلت هذه الملاحظات بعناية فائقة في دفتري الخاص، محاولاً وصف هذا الإحساس الجديد بأكبر دقة ممكنة رغم صعوبته الحقيقية في الوصف بكلمات واضحة محددة: لم يكن كالتيار الحاد المكثف الذي أعرفه جيدًا من طاقتي الشخصية، بل أقرب، كما فكرت في إحدى الليالي، لدفء خفيف بطيء، أشبه بحرارة شمس بعيدة تتسرب ببطء شديد عبر طبقات كثيفة من السحب، لا بأشعة مباشرة حادة.
مع تعمق هذا الإحساس تدريجيًا خلال الأسابيع التالية، بدأت أيضًا أواجه أول علامة تحذيرية حقيقية جدية، ذكّرتني بجدية بالمخاطر الحقيقية التي حذّرت منها السجلات القديمة بوضوح. في إحدى الجلسات، بعد أن تعمقت أكثر من المعتاد في تلك الحالة من الانفتاح السلبي، حاولت، بدافع فضول متزايد جرأة، أن أستقبل قدرًا أكبر قليلاً من هذا التدفق الخافت من الطاقة الطبيعية، بدل الاكتفاء بالسماح له بالتسرب بشكل طبيعي بطيء كما فعلت في كل جلسة سابقة.
شعرت، بشكل مفاجئ ومقلق، بثقل غريب يبدأ يتراكم في أطرافي، تحديدًا في يديّ وقدميّ، ثقل مصحوب بشعور بارد غريب ينتشر ببطء تحت جلدي، مختلف تمامًا عن أي إحساس اعتيادي بالبرد أو التعب. توقفت فورًا، مذعورًا نسبيًا رغم كل تدريبي على الهدوء المعتاد، وحاولت، بجهد واعٍ حقيقي هذه المرة، أن أقطع ذلك الاتصال الذي كنت قد فتحته بنفسي، محاولاً استعادة السيطرة الكاملة على جسدي مرة أخرى.
استغرق الأمر لحظات طويلة مرعبة نسبيًا، شعرت خلالها بذلك الثقل البارد الغريب يتراجع ببطء شديد، أبطأ بكثير مما توقعت أو تمنيت، قبل أن يختفي أخيرًا تمامًا، تاركًا خلفه إرهاقًا عميقًا شديدًا، وقشعريرة حقيقية من الخوف المتأخر أمام ما كان يمكن أن يحدث لو لم أتوقف في الوقت المناسب.
جلست، بعد تلك التجربة المرعبة، لفترة طويلة، أفكر مليًا في ما حدث بالضبط، بعقلية الباحث الحذرة المعتادة رغم كل الخوف المتبقي. كان هذا، بلا شك، بداية تلك العملية المرعبة التي وصفتها السجلات القديمة بوضوح: "التجمّد" التدريجي، تحوّل الجسد الحي، ببطء، نحو شيء أقرب للحجر، نتيجة عدم قدرة الجسد العادي، مهما بلغت قوته الاستثنائية النسبية، على استيعاب كمية أكبر من اللازم من هذه الطاقة الخام الهائلة دفعة واحدة، دون استعداد تدريجي كافٍ.
كان هذا تذكيرًا قاسيًا حقيقيًا بحدود قدرتي الحالية، مهما بلغت قوتي الجسدية الفطرية الاستثنائية الموروثة عن نسب جوغو الغامض. أدركت، بوضوح متزايد جدية، أن مجرد امتلاك جسد أقوى من المعتاد لا يعني، بأي شكل من الأشكال، حصانة كاملة من هذا الخطر الحقيقي، بل يمنحني فقط هامشًا أوسع قليلاً من الأمان النسبي مقارنة بجسد عادي أضعف، لا حصانة كاملة مطلقة كما تسرعت في افتراضه ضمنيًا في حماسي الأولي المتصاعد.
قررت، من تلك الليلة، أن أتراجع بشكل واضح ومتعمد نحو وتيرة أبطأ بكثير، أكثر تحفظًا وحذرًا من أي وتيرة سابقة اتبعتها حتى في أخطر مشاريعي البحثية السابقة. لن أحاول، في أي جلسة قادمة، تجاوز ذلك الحد الأولي الخفيف جدًا من التدفق الذي كان آمنًا نسبيًا حتى تلك اللحظة، مهما بلغ إغرائي بالتقدم بشكل أسرع.
استمرت ممارستي، خلال الأشهر التالية، بهذه الوتيرة الأكثر حذرًا وتحفظًا بشكل ملحوظ، مع تركيز أكبر بكثير على الاستقرار والثبات عند ذلك المستوى الأولي الآمن نسبيًا، بدل أي محاولة للتقدم السريع نحو مستويات أعمق. كانت هذه المرحلة، رغم بطئها الشديد الظاهري، ضرورية بشكل جوهري، كما بدأت أدرك بوضوح متزايد، لبناء أساس حقيقي مستقر وآمن، قبل أي محاولة مستقبلية للتقدم نحو أي مستوى أعمق من الاتصال بهذه الطاقة الخطيرة القوية.
بدأت أيضًا، خلال هذه الفترة، أطوّر حساسية متزايدة الدقة تجاه تلك العلامات التحذيرية المبكرة نفسها التي سبقت تجربتي المرعبة الأولى: ذلك الثقل الخفيف جدًا، البرودة الطفيفة غير المعتادة، التي بدأت أتعلم كيفية رصدها في مراحلها الأولى جدًا، قبل أن تتفاقم لأي درجة خطيرة حقيقية، مما سمح لي بالتراجع الفوري الآمن كلما اقتربت من ذلك الحد الخطير، دون الحاجة للوصول لأي درجة حقيقية من الخطر الفعلي كما حدث في تلك التجربة الأولى المرعبة.
مع مرور الأشهر، وتراكم هذه الخبرة الحذرة المتزايدة الدقة، بدأت ألاحظ تحسنًا تدريجيًا حقيقيًا آخر، مختلفًا عن أي تحسن سابق: بدأ ذلك التدفق الخافت من الطاقة الطبيعية، عند ذلك المستوى الآمن الأولي نفسه الذي استقررت عليه، يصبح أكثر سهولة تدريجيًا في الوصول إليه والحفاظ عليه، وكأن جسدي نفسه، مع التعرض المتكرر المتحكَّم فيه بعناية، بدأ يتأقلم تدريجيًا، ولو ببطء شديد، مع هذا النوع الجديد من التفاعل غير المعتاد.
في إحدى الليالي، بعد أشهر عديدة من هذه الممارسة الصبورة المتواصلة، وأنا أراجع تقدمي المتراكم بعمق أكبر، فكرت مليًا في تسمية مناسبة لهذه المرحلة الأولى من رحلتي الجديدة، بشكل يساعدني على تنظيم فهمي الخاص لهذا المسار الطويل الذي أتوقع أن يمتد لسنوات إضافية طويلة قادمة. تذكرت تلك الكلمة التي خطرت لي في ليلتي الأولى: "الجذر" — تلك النقطة الأساسية الأولى التي يجب أن ترسخ بعمق كافٍ قبل أي محاولة لاحقة للنمو نحو أي اتجاه آخر.
بدأت أفكر في هذه المرحلة، بشكل أكثر تنظيمًا، كمرحلة تحتوي بدورها على عدة "عوالم" فرعية أصغر، كل واحدة منها تمثل درجة متزايدة قليلاً من الاستقرار والثقة في هذا الاتصال الأولي الخافت بالطاقة الطبيعية. كانت "العالم" الأول، كما بدأت أسميه في ذهني، مجرد القدرة على الشعور بذلك التدفق الخافت دون أي محاولة حقيقية للتفاعل النشط معه. أما "العالم" الثاني، الذي بدأت أقترب منه تدريجيًا بعد أشهر من الممارسة المستقرة، فكان يتضمن قدرة أكبر قليلاً على الحفاظ على ذلك الاتصال الخافت لفترات أطول قليلاً دون أي علامات تحذيرية مقلقة، وبثبات أكبر تدريجيًا، دون الحاجة لإعادة البدء من الصفر في كل جلسة جديدة كما كان الحال في الأشهر الأولى من هذه الرحلة الصعبة.
كنت أدرك، بوضوح تام، أن الطريق أمامي لا يزال طويلاً جدًا، ربما أطول بكثير مما تخيلت في حماسي الأولي المتصاعد حين اكتشفت هذا المبدأ لأول مرة. لكنني، رغم كل هذا الإدراك الواضح لحجم التحدي الهائل المتبقي، شعرت، كالمعتاد في كل مرحلة سابقة كبرى من رحلتي الطويلة، بذلك الرضا العميق الهادئ الذي يأتي من معرفة أنني أسير، خطوة صغيرة واثقة تلو الأخرى، على مسار صحيح، مهما بلغ طوله أو تعقيده الظاهري.
خلال هذه الأشهر من التركيز المكثف على هذه الممارسة الجديدة، استمر عملي في المستشفى بالتوازي كالمعتاد، ولاحظت ميساكي، بعد فترة، تغيرًا طفيفًا في حالتي العامة، لم تستطع تحديد طبيعته بدقة، لكنها علّقت عليه في إحدى المرات بملاحظة عابرة: "تبدو أكثر هدوءًا من المعتاد يا هاشيموتو، بطريقة مختلفة عن هدوئك المعتاد نفسه. هل كل شيء بخير؟"
أكّدت لها، بابتسامة صادقة جزئيًا، أن كل شيء على ما يرام، وأنني فقط أستكشف بعض تقنيات التأمل الشخصية الإضافية بجانب دراستي المعتادة. لم يكن هذا كذبًا كاملاً بأي حال، وإن كان بالتأكيد وصفًا مبسّطًا للغاية لطبيعة ما كنت أفعله حقًا خلال ساعات غيابي المتكررة الإضافية في تلك المنطقة الهادئة من الغابة القريبة.
في إحدى الليالي الأخيرة من تلك المرحلة الطويلة الأولى من الممارسة المستمرة، جلست بعد جلسة أطول وأعمق من المعتاد قليلاً، أشعر، للمرة الأولى بوضوح حقيقي كافٍ، بذلك التدفق الخافت من الطاقة الطبيعية يستقر بشكل أكثر ثباتًا واستمرارية داخل جسدي، دون أي علامة تحذيرية مقلقة، لفترة امتدت لدقائق طويلة تجاوزت بكثير أي شيء حققته من قبل في أي جلسة سابقة.
شعرت، في تلك اللحظة تحديدًا، بشيء أشبه بارتياح عميق حقيقي، ثقة متجددة بأن الأساس الذي كنت أبنيه بصبر شديد على مدى هذه الأشهر الطويلة كان، أخيرًا، يترسخ بشكل حقيقي مستقر، أشبه، كما فكرت في تلك اللحظة الهادئة، بجذر صغير أول ينجح أخيرًا في التمسك بعمق كافٍ في تربة جديدة غير مألوفة، مستعدًا الآن، ولو بعد وقت طويل من المحاولات الصبورة المتكررة، للانتقال، ولو ببطء شديد إضافي حذر، نحو المرحلة التالية من هذا المسار الطويل المتشعب الذي بدأت للتو أخطو خطواتي الأولى الحقيقية المستقرة فيه، خطوات صغيرة لكنها، أخيرًا، ثابتة بما يكفي لتمنحني ثقة حقيقية بأنني، مهما طال الطريق أمامي، أسير على المسار الصحيح تمامًا نحو فهم أعمق، أكمل بكثير، لتلك العلاقة الغامضة العميقة التي تربط كل كائن حي في هذا العالم بتلك الطاقة الهائلة الخالدة المعلقة أبدًا بين السماء والأرض.