الفصل الأول: الذاكرة الغريبة

الرائحة هي أول ما وصل إليّ. تراب رطب، وعشب مقطوع حديثًا، ورائحة خبز يُخبز في مكان ما قريب. رائحة لا علاقة لها بالمعقمات ولا بالكحول الطبي ولا بذلك العبق البارد الذي كان يملأ رئتيّ كل صباح وأنا أرتدي معطفي الأبيض في طريقي إلى المختبر.

فتحت عينيّ.

السقف فوقي كان خشبيًا، بعوارض غير مصقولة جيدًا، تتسلل من بينها خيوط شمس رفيعة. حاولت أن أرفع يدي لأحجب الضوء عن وجهي، فإذا بيد صغيرة، قصيرة الأصابع، بجلد ناعم لم تلمسه الشمس بعد. حدّقت فيها طويلًا. لم تكن يدي.

لم يكن هذا جسدي.

انتابني ما يشبه الذعر البارد الذي يعرفه كل من اعتاد التفكير بمنهجية صارمة، حين يصطدم فجأة بمعطى لا يقبل التفسير. جسدي — جسدي الحقيقي — كان في عمر الثانية والأربعين، بظهر منحنٍ قليلًا من ساعات طويلة أمام المجهر، وبيدين مجعدتين من عشرين عامًا من العمل على خلايا سرطانية تحت الميكروسكوب، أحاول أن أفهم لماذا تتمرد بعض الخلايا على النظام وتقرر أن تلتهم كل ما حولها بلا حساب.

كنت قد أمضيت الليلة الأخيرة التي أتذكرها في المختبر، أراجع بيانات تجربة فشلت للمرة الثامنة. أتذكر الصداع. أتذكر أنني أغلقت عيني للحظة على المكتب.

وبعدها، هذا.

جلست ببطء. الغرفة صغيرة، بسيطة، جدرانها من الطين المدكوك والخشب. من نافذة مفتوحة رأيت حقلًا أخضر يمتد حتى خط أشجار بعيد، وفي وسطه امرأة تحني ظهرها فوق التربة، تعمل بيديها بحركة رتيبة مألوفة، وكأنها تفعل هذا منذ سنوات. شيء في داخلي — شيء لم يكن ذاكرتي القديمة ولا وعيي الجديد، بل مزيج غريب منهما — عرف أنها أمي.

نظرت إلى يديّ الصغيرتين مرة أخرى. خمس سنوات، ربما أقل. جسد طفل. عقل رجل أمضى حياته يفكك أسرار الخلية ويحاول أن يفهم لماذا يتحول النظام إلى فوضى، ولماذا يقرر جزء من الجسد أن يتغذى على بقيته.

لم أصرخ. لم أبكِ. ربما كان هذا أغرب ما في الأمر — أنني تقبّلت الحقيقة بسرعة أكبر مما كان يجب. عقل عاش عقودًا يتعامل مع المتغيرات غير المفسَّرة لا يملك رفاهية الانهيار. الانهيار لا يُنتج بيانات. الانهيار لا يفسر شيئًا.

بدأت أجمع المعطيات بدل ذلك.

المكان: بيت ريفي، حقل زراعي، هواء نظيف لا أثر فيه لأي تلوث صناعي أعرفه. اللغة: أفهمها بشكل غريزي، وكأنها كانت هناك دائمًا، مطبوعة في هذا الجسد الجديد قبل أن يصل إليه وعيي. الزمن: غير واضح بعد. المكان: غير مؤكد بعد.

ثم سمعت الاسم.

"هاشيموتو."

نادتني أمي من الحقل، صوتها دافئ ومتعب في آن. تحركت قدماي قبل أن يأمرهما عقلي، وكأن الجسد يحمل عادات وذكريات ليست ذكرياتي — طريقة المشي، ميل الرأس حين أسمع اسمي، حتى نبرة الفضول البريئة التي تسبق كل خطوة يخطوها طفل نحو أمه. كنت أنا، وفي الوقت نفسه لم أكن أنا. طبقتان من الوعي تتشاركان جسدًا واحدًا صغيرًا هشًا.

في طريقي إلى الحقل، توقفت عند بركة ماء صغيرة تجمّعت من مطر الليلة الماضية. انحنيت، ونظرت إلى انعكاسي.

وجه طفل. عينان داكنتان. شعر أسود يميل قليلًا إلى اللون الأحمر عند الأطراف، لم ألحظه إلا حين لامسته أشعة الشمس بزاوية معينة. لم يعنِ لي هذا التفصيل شيئًا حينها. كان مجرد ملاحظة أضفتها إلى قائمة طويلة من الملاحظات غير المفسَّرة.

جلست بجانب أمي بين صفوف النبات، وبدأت أراقبها. حركة يديها في التربة كانت دقيقة رغم بساطتها الظاهرية — تعرف بالضبط أين تضغط، وأين تترك الجذر يتنفس، ومتى تسقي ومتى تنتظر. فكرت، بشكل عابر تقريبًا، أن هذا نوع آخر من العلم. علم لا يحتاج مختبرًا ولا معدات، بل ملاحظة صبورة متكررة عبر مواسم وسنوات.

شيء في هذه الفكرة هدّأني أكثر من أي شيء آخر ذلك اليوم.

لم أطرح على نفسي بعد الأسئلة الكبرى — أين أنا بالضبط، وكيف حدث هذا، وهل هناك طريقة للعودة. كانت هذه الأسئلة تنتظر في الخلفية، مؤجلة، كملفات لم يحن وقت فتحها بعد. ما شغلني في تلك اللحظة الأولى كان أبسط من ذلك بكثير: هذا الجسد صغير وضعيف. هذا العالم — أيًا كان — يبدو مختلفًا عن كل ما أعرفه. وإن كان لي أن أفهم أي شيء فيه، فعليّ أن أبدأ من حيث بدأت دائمًا: بالملاحظة، والتجربة، والصبر.

في تلك الليلة، بعدما نام الجسد الصغير من الإرهاق ولم يستطع وعيي الجديد أن ينام بالسرعة نفسها، استلقيت أنظر إلى سقف الغرفة الخشبي، وبدأت أراجع كل ما رأيته ذلك اليوم بعقلية الباحث التي لم تفارقني رغم كل شيء.

ملاحظة أولى: هذا الجسد يحمل طاقة داخلية لم أشعر بها من قبل، شيء أشبه بتيار خفي يجري تحت الجلد، لا أعرف اسمه بعد لكنني أدركه كما يدرك المرء نبضه.

ملاحظة ثانية: العائلة فقيرة نسبيًا لكنها مستقرة، تعتمد على الأرض والزراعة كمصدر رئيسي للعيش.

ملاحظة ثالثة، وربما الأهم: لا شيء هنا يشبه العالم الذي أعرفه. لا مدن، لا مصانع، لا أثر لأي تقنية أعرفها. لكن هناك ذلك التيار الخفي، وهناك شيء في الهواء يوحي بأن هذا العالم يخبئ قوانين مختلفة تمامًا عن قوانين الفيزياء والكيمياء التي بنيت عليها حياتي كلها.

أغمضت عينيّ أخيرًا، لا لأنام، بل لأبدأ التفكير بمنهجية. إن كان هذا الجسد يحمل طاقة لا أفهمها، فأول خطوة منطقية هي أن أتعلم الإحساس بها. لا قفزات، لا استنتاجات متسرعة. ملاحظة، ثم فرضية، ثم اختبار.

هكذا بدأ كل شيء. ليس بصرخة أو قرار بطولي أو رغبة في تغيير العالم، بل بقرار هادئ اتخذه عقل معتاد على الصبر: أن يفهم، خطوة بخطوة، القواعد الجديدة للعبة التي وجد نفسه فيها فجأة، دون أن يُسأل، ودون مقدمات.

في الصباح التالي، جلست وحدي خلف البيت، أمام ورقة شجر سقطت من إحدى الأشجار القريبة. وضعتها أمامي على الأرض، وحاولت — للمرة الأولى — أن أشعر بذلك التيار الخفي، وأن أوجّهه، ولو بالخطأ، نحو شيء خارج جسدي.

لم يحدث شيء بالطبع. لا في تلك المحاولة الأولى، ولا في العاشرة.

لكنني لم أتوقف.

2026/08/16 · 47 مشاهدة · 879 كلمة
نادي الروايات - 2026