الفصل الأول - نقابة المغامرين
.........
لا دخان بلا نار...
أشهر مقولة منتشرة في أنحاء القارة، والمقصود بها أنه لا يوجد فعل بدون فاعل، أو حدث بدون سبب للحدوث. وغالباً ما تكون الأسباب غريبة نوعاً ما؛ لأنه ليس بالضرورة أن تكون الكارثة العظيمة قد بدأت لسبب عظيم، بل ربما لأمر تافه للغاية، كما يجري في الحروب التي تكاد تكون أغلب أسباب بداياتها أموراً تتجاوز كونها تافهة.
لكن في وضع كهذا، تجاوز الأمر مبدأ الحروب التقليدية؛ فالعالم شهد واحدة من أكثر الأحداث رعباً عبر تاريخه، حدثاً عاصره الكثيرون حينها، وذُكر في كتب التاريخ بالعديد من الروايات تحت اسم... ليلة الكسوف الشنيع.
في تلك الليلة، شهد العالم ظهور الخوارق لأول مرة، حين كان البشر يعيشون أسوأ لحظات حياتهم في الحروب باستخدام السيوف والرماح وغيرها من الوسائل التقليدية. ولكن منذ تلك الحادثة، أصبحت الحروب التقليدية لعبة غير فعالة؛ لأن الأطراف التي اعتادت الحرب أصبحت تواجه الآن تهديداً أكبر بكثير.
في تلك الليلة تحديداً، وفي شمال القارة، ظهرت بوابة حجرية سوداء يصل ارتفاعها إلى مئتي قدم. وحسب الروايات المتناقلة عنها، فإن حجارتها كانت تبدو وكأنها جماجم مشوهة مكدسة فوق بعضها بشكل متناسق لتشكيل البوابة.
ولم تكن المشكلة في شكلها وحده... أبداً.
المشكلة الكبرى كانت في المخلوقات التي بدأت بالظهور؛ مخلوقات أشبه بالحيوانات لكنها مشوهة وتملك أجساداً ضخمة مرعبة، وبعضها يحتفظ بالشكل نفسه لكن بهيئة مسخية.
سببت تلك المخلوقات الكثير من الوفيات، حيث تم تأكيد مقتل ثلاثمائة شخص بطرق بشعة تمثلت بالتمزيق والالتهام النصفي، وبعض الوفيات سجلت بناءً على ما تبقى فقط من أجساد الضحايا.
ولمدة سبع سنوات، استمر الوضع الفوضوي كما هو، حتى قرر البشر بطبيعتهم رد الاعتبار ومحاولة مواجهة هذه التهديدات، لتبرز ولأول مرة قدرة البشر على استخدام السحر والقوة الخارقة.
وعلى الرغم من أن هذا الأمر قد يبدو غير منطقي، إلا أنه في وضع كهذا من قد يهتم بالمنطق؟ المهم هو أن فرصة البقاء أصبحت متوفرة، والبشر مخلوقات معروفة بكونها قد تفعل أي شيء من أجل البقاء، فأصبحت هذه القدرات الجديدة هي المفتاح لإعادة السيطرة على الأوضاع.
وهكذا أصبح المشهد: بشر يملكون قدرات سحرية وقوة خارقة، يواجهون الوحوش المتنوعة بهدف البقاء. أو على الأقل كان هذا هو الوضع في السابق، قبل أن يتحول الأمر إلى عمل لغرض المكسب.
فمع مرور السنين، حدثت بعض الخلافات بين مستخدمي القوة السحرية حول الأفضلية في الإنجاز، بجانب أن البعض بدأ بالمطالبة بمقابل مادي يوازي المجهود المبذول في مكافحة الوحوش.
ولتجنب الفوضى، ولضمان الحصول على خدمات كل مستخدم للقوة السحرية، تم إنشاء النقابات.
في كل قارة، وجدت نقابة مخصصة تجمع مستخدمي القدرات والسحر في سبيل تنظيم عملهم وجعل كل شيء تحت نطاق السيطرة، كما تم وضع تسمية مخصصة لهم، ألا وهي... المغامرون.
منذ تلك اللحظة، أصبحت تلك النقابات — وتسمى أيضاً بنقابات المغامرين — وجهة لكل شخص يبحث عن الثروة والمجد؛ حيث توفر المهام اليومية والأسبوعية مقابل مبالغ مالية معتبرة، وكلما كان المغامر ذو إنجازات أكبر، زادت فرصته في الحصول على تكريم من المملكة التي ينتمي إليها.
واليوم، هو يوم تعليق منشورات المهام الأسبوعية...
"سبع مهام جديدة، كلها من تصنيف A، وأغلبها مهام حراسة أو استكشاف في مناطق خطيرة نوعاً ما. أتمنى فقط ألا يحاول أي مجنون قبول هذه المهمات، فقد تعبت من كتابة تقارير التعويضات المتعلقة بالتأمين على حياة المغامرين."
في قارة جيونا، وتحديداً في النقابة الرسمية للقارة والتي تحمل الاسم نفسه، تعمل أليسا غوربون، مساعدَة رئيس النقابة، والمسؤولة عن استلام المهام وتوزيعها حسب التصنيفات.
"تصنيف A... لا أصدق أن هناك سبعاً منها هذا الأسبوع، كان من النادر رؤية هذا النوع من المهام، والآن هناك سبع دفعة واحدة!"
شابة في منتصف العشرينات من عمرها، ذات شعر أشقر قصير مصفف بعناية، وعينين بنفس لون شعرها، بملامح وجه متناسقة تبرز هيئتها الشابة الأنيقة، جميلة وذات حضور مميز.
"صباح الخير يا آنسة."
"انظروا من هنا، الآنسة القديرة أليسا، صباح الخير~"
"أختي الكبرى! صباح الخير."
كانت أليسا قد وصلت إلى القاعة الكبيرة الخاصة بالنقابة، حيث تتواجد لوحة المنشورات التي تُعلق عليها طلبات المهام اليومية والأسبوعية، وها هي بالفعل تحظى بترحيب صباحي لطيف.
وبابتسامة صغيرة لكنها واضحة، ردت عليهم:
"صباح الخير جميعاً."
من أسلوب تعامل المغامرين والعاملين في النقابة معها، يمكن القول إنها شخص ذو سمعة طيبة وحضور مميز. فإلى جانب مظهرها الحسن، جعلت شخصيتها المبتسمة الممزوجة بالحزم والهدوء منها واحدة من أهم الأعضاء في النقابة.
"حسناً، ها نحن ذا، يمكنك الاطلاع على المهام الجديدة. سيتم تعليق المهام ذات التصنيف B و C عند الظهيرة، أما هذه المهام، فرجاءً لا يأخذها إلا من هو مؤهل لها فقط."
وفور أن وضعت آخر منشور مهمة على اللوحة، التفتت إليهم وأكملت قائلة:
"الحماس جيد، لكن أن يصل إلى حد الثقة العمياء بالنفس؟ هذا لا يسمى شجاعة، بل غباء."
ورغم حدة كلامها وتعبيرها الذي يكاد يخلو من أي مشاعر، إلا أن من استمع إليها أدرك أنها قلقة فقط ولا تقصد إهانة أحد.
'بحقكم، لا تجلبوا لي المزيد من العمل، أنا مرهقة بالفعل!'
أو كان ذلك ما يعتقده الآخرون، فمن الداخل كانت أليسا متعبة من العمل في النقابة، بالأخص أنها تتعامل مع الكثير من المستندات يومياً، بما في ذلك التقارير والرسائل المبعوثة من الممالك التي تدعم عمل النقابة مادياً.
هذا دون ذكر إحصاء عدد المصابين والوفيات وإرسال القوائم إلى كل مملكة؛ فهذه النقابة تقع في منطقة محايدة لا تتبع لحكم أي مملكة ولا تدخل في أي نزاعات سياسية، بل تكتفي بتوفير الأمان من الوحوش بمختلف أشكالها مقابل الدعم المادي وما يشبهه من ممالك القارة.
'بما أن تلك المستجدة جيدة في أعمال الإحصاء، فسوف آخذ استراحة بسيطة لشرب كوب من القهوة بالحليب...'
كانت أفكار أليسا تتجه نحو طريقة مناسبة للاسترخاء، حتى لمحت دخول شخص غريب من البوابة الرئيسية للقاعة الكبيرة؛ والقاعة الكبيرة هي أول ما تطأه أقدام من ينوي الدخول إلى المبنى الرئيسي للنقابة.
'من هذا الشخص؟ لا أذكر أنني رأيت أحداً بهذا الشكل هنا. وحتى لو كنت لا أحاط علماً بأشكال جميع أعضاء النقابة لكثرتهم، لكن يمكنني القول... هذا الشخص مختلف ولا ينتمي لهذا المكان.'
كانت أفكار أليسا متسارعة مع شعور غريب بعدم الراحة، وهو أمر طبيعي؛ فمن دخل النقابة قبل قليل أثار شعوراً بالاستغراب والريبة لدى كل من كان متواجداً.
رداء كبير وثقيل يغطيه من رأسه وصولاً إلى قدميه، مرتفعاً عن الأرض بما يسمح برؤية نوع الحذاء الذي يرتديه: حذاء جلدي ثقيل يصدر صوتاً واضحاً على الأرضية الخشبية للقاعة الكبيرة.
بنيته الجسدية كانت أكثر شيء بارز فيه؛ كان ضخماً بكل تأكيد، بأكتاف عريضة وأسلوب مشي ثابت، ورغم الرداء، كان من الممكن ملاحظة أنه يحمل سيفاً على خاصرته، حتى لو كان مخبأً أسفله.
خطوة بخطوة، وصل إلى طاولة الاستعلامات الرئيسية الخاصة بالنقابة والتي تتوسط القاعة الكبيرة، حيث كانت تقف إحدى الفتيات العاملات في النقابة، والتي بدا عليها الذعر من الموقف.
"مـ... مرحباً يا... سيد؟ كيف يمكنني مساعدتك؟ أعني كيف يمكننا مساعدتك؟ أعني... أعني..."
كان توتر الفتاة واضحاً، مما لفت انتباه الأشخاص الواقفين بجانب لوحة المنشورات، وأثار في أليسا شعوراً بالترقب والحذر.
"لقد جئت إلى هنا لأسجل في هذه النقابة، أريد أن أصبح مغامراً."
صوت رجولي بارد، جعل الفتاة تشعر بالقشعريرة في مكانها للحظة، لكنها سرعان ما نظفت حلقها وبادرت بالرد:
"أـ بالتأكيد! نرحب بالشجعان الذين يرغبون بالقتال في سبيل حماية أرواح الأبرياء!"
في تلك اللحظة، حتى أليسا شعرت بالاستغراب من كلام الفتاة؛ فهم لا يرحبون أساساً بأي شخص جديد في النقابة بمثل هذا القول، لكنها تفهمت الأمر، فتلك الفتاة مستجدة أيضاً، وفي موقف كهذا حتى هي قد تواجه بعض التوتر في التعامل معه.
"ريفي، يمكنك ترك الأمر لي،" قالت أليسا وهي تتجه إلى مكان الفتاة التي تواجه الغريب حالياً.
"لكن أليسا... أنا كنت..."
"لا عليكِ، أبليتِ حسناً، دعي الباقي لي."
وبنظرة أخيرة، تراجعت الفتاة المدعوة ريفي لتفسح المجال لأليسا للتعامل مع الغريب الذي يرغب في أن يصبح مغامراً لديهم.
'حسناً، لنرى...'
فكرت قليلاً قبل أن تبدأ الحديث مباشرة:
"قبل كل شيء، يجب أن تُعرف عن نفسك. ما اسمك؟ وإلى أي مملكة تنتمي؟"
أخذ الغريب بعض الوقت في صمت تام، وبعد بضع ثوانٍ، أزال غطاء الرأس وكشف عن شعره الفضي وملامح وجهه الحادة:
"أُدعى هيروكين...."