مر عامان كاملان على وجود "نيفِر" بعيدًا عن أتلانتس. عامان تحول خلالهما ذلك الغريب المتجهم إلى وجه مألوف في القرية. كان يستيقظ كل صباح ويتجه إلى ورشة "الميكانيكية"، يساعدها في صيانة المحركات وسباكة المعادن، ويقطع يومه بعرق العمل اليدوي خشن الملامح، صامتًا، ولا يتحدث إلا بقدر الضرورة. اعتاد السكان على وجوده؛فأصبح نيفِر شخصية معروفة في القرية. كان يرفع الحطام أثناء الحوادث، ويسحب المضخات المعطلة، وينقذ الناس كلما وقعت كارثة. عرف الجميع أنه يملك قوة غير طبيعية، لكن أحدًا لم يشك في كونه أطلانطيًا. ظنه البعض جنديًا معدلًا، ورآه آخرون بطلًا سابقًا اختفى من الساحة.

وبمرور الوقت، وبدون أن يخطط لذلك، أوجد لنفسه مكانة بين ناس هذه البلدة الصغيرة.

في زاوية منزوية من القرية، كان هناك نادٍ صغير متواضع، يفوح منه عبق القهوة ودخان التبغ وأصوات الأغاني القديمة. كان هذا المكان ملجأً يفر إليه الجميع من ضغوط الحرب والعمل. جنودٌ بأزياء متهالكة، وصيادون تعبت أيديهم من المالح، وعمال يفتشون عن ساعات معدودة ينسون فيها أن العالم بالخارج يحترق.

لكن النادي كان يخفي سرًا لا يعلمه إلا القليل.

كان هناك أبطال شباب يتسللون إلى النادي بصورة منتظمة، بعيدًا عن أعين قادتهم العسكريين. لم يكن أيا من رؤسائهم يعرف أن هؤلاء الشباب يخلعون أزياءهم البطولية، ويلقون أسلحتهم، ويتسللون كمدنيين عاديين ليبحثوا عن بضعة لحظات من الراحة الإنسانية. كان يتردد على المكان كل من: باري ألين (فلاش)، أوليفر كوين (غرين أرو)، كابتن أتوم، سلايد ويلسون (ديثستروك)، راي بالمر (أتوم)، دينا لانس (بلاك كناري)، هال جوردان (غرين لانترن)، أتوم سماشر، وآدم لوثر. لم يكن أحد هنا بطلاً، بل مجرد بشر يمارسون حياتهم العادية في الخفاء.

في إحدى الليالي، دفعت الميكانيكية باب النادي الخشبي ودخلت، وتبعها نيفِر بخطواته الثقيلة. فور دخولهما، ساد الصمت للحظات والتفتت عدة أنظار نحوهما. لم يكن السبب أن نيفِر وجه جديد، بل لأن ملامحه حفرت بطريقة عدائية بالغة؛ حواجب معقودة ونظرة متوجسة تعطي انطباعًا بأنه جاهز للدخول في شجار ملحمي في أي ثانية.

ابتسم "فلاش" (باري ألين) وهو يجلس على إحدى الطاولات مرتديًا سترة جلدية بسيطة، وقرر أن يكسر الجليد قبل أن يتوتر الجو. اقترب بخطوة وقال بلهجة مرحة:

— أنت قديم هنا على ما أعتقد، أليس كذلك؟

رفع نيفِر عينيه الحادتين، ونظر إليه ببرود يقطع الأنفاس، وقال بنبرة خالية من أي انفعال:

— واضح.

ثم أدار وجهه وعاد لرشف قهوته السوداء، وكأن الحديث انتهى قبل أن يبدأ.

غمز غرين أرو لفلاش من بعيد ضاحكًا، وبدلاً من أن تتحول الليلة إلى مواجهة أو عراك، انقضت في مزاح ساخر وتعليقات متبادلة بين الطاولات. وتكررت تلك الليالي ليلة بعد أخرى، حتى غدا نيفِر جزءًا ثابتًا من ديكور المكان. لم يعلم أحد حقيقة أصله، وهو بدوره لم يدرك من هم هؤلاء الشباب الذين يحيطون به، فقد كانوا جميعًا بلا أزياء قتالية، يتجردون من أسمائهم الرنانة.

ومع مرور الأيام، كان "آدم لوثر" يقضي معظم وقته في مراقبة هذا الميكانيكي الغامض. لم تكن نظرات آدم عادية، بل كانت نظرات رجل مدرب على تحليل التفاصيل. لاحظ أن نيفِر يتحرك بأسلوب الجنود المحترفين—المشية، طريقة توزيع ثقله، وزوايا نظراته نحو المداخل والمخارج. كانت ردود أفعاله أسرع بكثير من أي مدني، وحين يتطرق الحديث إلى المعارك البحرية، كان نيفِر يظهر معرفة دقيقة ومخيفة بتكتيكات الأساطيل وأعماق المحيط، تفاصيل لا تتاح إلا لكبار القادة العسكريين.

ورغم ذلك، نشأت بينهما صداقة غريبة، صداقة قامت على الجدل المستمر بدلاً من التوافق. كان آدم يتحدث دائمًا عن إعادة بناء العالم وخطط التعافي، بينما يقابله نيفِر بسخرية مريرة؛ يتحدث آدم عن السلام وإمكانية وضع حد للحرب، فيرد نيفِر بتحليل تاريخي بارد لأسباب استمرار الصراعات البشرية منذ أزل التاريخ. وكان فلاش يتدخل دائمًا في المنتصف ليمنع المناظرات السياسية من الاشتعال، بينما تجلس الميكانيكية على كرسيها وضحكاتها تملأ المكان عليهما.

أصبح المشهد مألوفًا للجميع: طاولة في زاوية النادي تحيط بها أضواء خافتة، يجلس حولها آدم وفلاش، وتنضم إليهما "هوك غيرل" أحيانًا عندما تتاح لها الفرصة، إلى جانب بعض الطيارين والجنود. أما نيفِر، فكان يحتل كرسيًا ثابتًا، يراقب بعينين كابيتين، ولا يشارك إلا إذا وجد في الفكرة ما يستحق التفنيد.

في إحدى الليالي، وضع آدم كوب الشاي على الطاولة وقال بتنهيدة طموحة:

— لو توقفت المعارك لعام واحد فقط... سنة واحدة بلا إطلاق نار، أستطيع إعادة تشغيل نصف البنية التحتية لهذا العالم.

هز نيفِر رأسه في هدوء مستفز وسأله:

— ثم ماذا؟

أجاب آدم بثقة:

— ثم يبدأ التعافي الحقيقي.

رد نيفِر فورًا وبلا تردد:

— ثم يعود الصراع من جديد.

تنهد آدم وقال:

— ليس بالضرورة يا نيفِر.

أخذ نيفِر رشفة بطيئة من قهوته، وركز عينيه في وجه آدم:

— كل حضارة سقطت في التاريخ قالت الجملة نفسها قبل انهيارها.

ابتسم آدم بسخرية خفيفة وسأله:

— وأنت... هل أصبحت خبيرًا بتاريخ الحضارات فجأة؟

زلّ لسان نيفِر، وخرج الرد من فمه قبل أن يزن عواقبه:

— جزء من عملي.

ساد صمت خاطف. لاحظ آدم التردد المفاجئ الذي ظهر على وجه نيفِر، والجمود الذي اعترى عينيه وكأنه أدرك في التو أنه قال أكثر مما يجب. لكن آدم آثر التغاضي، وانتقل النقاش سريعًا إلى موضوع آخر، وإن ظلت العلامة مسجلة في ذهنه.

في ليلة أخرى، كان الجو محملًا بالرطوبة والهدوء، واعتلى الحديث موضوع الساعة الذي يخشاه الجميع: أتلانتس.

ساد الصمت الطاولة للحظات، قبل أن يكسره "كابتن أتوم" قائلاً بصوت خفيض:

— أتمنى لو أستطيع مقابلة أحدهم يومًا ما...

التفت الجميع إليه باستغراب، فأكمل موضحًا:

— ليس بصفتي عدوًا... فقط لأفهم كيف يفكر هؤلاء القوم.

ضحك "غرين أرو" وضرب الطاولة بيده:

— يا رجل! في اللحظة التي سيراك فيها، سيحاول قطع رأسك أو ثقب صدرك برمح!

لكن نيفِر لم يشاركهم الضحك. ظل يحدق في فنجانه الداكن، ثم قال بصوت هادئ ومحمل بوزن ثقيل:

— وربما سيقول الأتلانطي الشيء نفسه عنك.

التفتت الرؤوس كلها نحو زاوية نيفِر. تابع وهو ينظر في أعينهم واحدًا تلو الآخر:

— كل طرف في أي حرب يروي القصة بالطريقة التي تجعله الضحية.

اعترض راي بالمر:

— لكنهم هم من بدأوا الحرب! هذا واقع!

ولأول مرة منذ أشهر، أظلمت عينا نيفِر، وظهر فيهما بريق بارد وخطير ينتمي إلى ساحات القتال، لا إلى ورش الصيانة. نظر إلى الجندي وقال بصوت خفيض يشبه فحيح الأفعى:

— هل أنت متأكد؟

سقط صمت ثقيل على الطاولة. لاحظ آدم رد الفعل فورًا؛ لم يكن هذا مجرد نقاش فكري بالنسبة لنيفِر، بل كان يدافع عن شيء يمسه في الصميم.

مال هال جوردان نحو نيفِر وسأله بتركيز:

— إذن... أنت تعتقد أن البشر هم المخطئون هنا؟

أغمض نيفِر عينيه لثانية، ثم فتحهما وقال:

— أعتقد أن الجميع مخطئون.

ثم نهض وسحب معطفه وغادر النادي بخطوات واسعة دون أن يلتفت.

بعد أن أغلق الباب خلفه، التفت "سلايد ويلسون" (ديثستروك) إلى آدم، ونظر إلى اتجاه الباب ثم قال بصوت خفيض:

— هذا الرجل غريب جدًا.

أومأ آدم برأسه ببطء:

— أعرف.

تساءل سلايد وهو يقلب كأسه:

— جندي سابق؟

— على الأقل.

— قوات خاصة؟

هز آدم رأسه بنفي قاطع وقال:

— أعلى من ذلك بكثير.

رفع فلاش حاجبيه باستغراب وقال:

— أعلى من القوات الخاصة؟ ماذا يقصد؟

ظل آدم يحدق في الباب المغلق، ثم قال بنبرة جادة:

— لا أعرف كيف أشرح هذا... لكن عندما يتحدث، وعندما ينظر في عينيك، أشعر أن هذا الرجل اعتاد في حياته أن يُعطي الأوامر... لا أن يتلقاها.

في طريق العودة عبر أزقة القرية المظلمة، كانت الرياح الباردة تهب من جهة البحر. نظرت الميكانيكية إلى نيفِر الذي كان يسير بجانبها صامتًا ويداه في جيبي معطفه، وقالت فجأة وابتسامة خفيفة على شفتيها:

— أنت أصبحت تحبهم.

توقف نيفِر عن السير بغتة، والتفت إليها بنظرة متجهمة:

— ماذا؟

ضحكت الميكانيكية وقالت:

— أول مرة رأيتك فيها في الورشة، كنت تنظر لكل البشر وكأنك تريد خنقهم بيديك العاريتين.

رد ببرود وقسوة تصنعها:

— ما زلت لا أحبهم.

ابتسمت وقالت بثقة:

— كاذب.

لم يرد نيفِر، بل أدار وجهه وواصل السير. لكنها استمرت في السير بجانبه وأضافت:

— آدم صديقك... أليس كذلك؟

— ليس صديقي.

— وفلاش؟

— مزعج.

— والبقية؟

— أكثر إزعاجًا منه.

انفجرت ضاحكة بصوت عالٍ امتد في الشارع الخالي، بينما واصل هو السير بصمت مصحوبًا بجهامة وجهه.

لكن تحت ذلك الهدوء والصلابة، كان هناك جرح ينزف في أعماق نيفِر. حقيقة واضحة كالشمس لا يستطيع الهروب منها مهما حاول. لو علم آدم، أو فلاش، أو أي شخص من أولئك الشباب الموجودين في النادي بحقيقته... لو اكتشفوا من يكون حقًا، فإن هذه الجلسات الهادئة والأمسيات الدافئة ستنتهي في توها، وستحل محلها أسلحة مصلتة ودماء.

2026/08/15 · 5 مشاهدة · 1300 كلمة
نادي الروايات - 2026