فوق السرير المزدوج، كانت "نيرا" تنام بهدوء، يرتفع صدرها وينخفض بإيقاع منتظم. بالنسبة لأي إنسان آخر، كانت تبدو كفتاة رقيقة تستريح بعد يوم طويل شاق في المستعمرة، لكن بالنسبة لآدم، لم تكن الأجساد مجرد صور زائلة... بل معادلات وفيزياء.

​طوال أشهر من النوم بجانبها، لم تكن الملاحظات بحاجة إلى أجهزة قياس دقيقة. كانت حرارة جلدها تنخفض عن المعدل البشري بدرجتين كاملتين في أوقات الراحة، وكأن دوراتها الدموية صُممت لتحمل برودة الأعماق لا دفء اليابسة. حين تغفو، يهبط معدل تنفسها إلى نصل حاد من البطء لا يحققه بشر إلا في غيبوبة طبية. وحتى كثافة عظامها، التي شعر بها كلما ألقت بوزنها على صدره، كانت أثقل وأكثر تماسكًا بنسبة تتجاوز الحدود الآدمية.

​لم يكن آدم بحاجة لمواجهتها؛ كان يعلم منذ شهور أن الفتاة التي ارتبط بها... ليست بشرية.

​في الساعات الأولى من الصباح، جلس آدم أمام أجهزته المخبأة خلف جدار الورشة التحليلية. على الشاشة الباردة، كانت تتقاطع شفرتان جينيتان ومسحان حيويان:

​الأولى لـ "نيرا"، حُصل عليها من عينات ميكروية جمعها بصمت أثناء نومها. والثانية لـ "نيفِر"، سُحبت من كوب القهوة الذي تركه على طاولة النادي السري الليلة الماضية.

​تلاقت المنحنيات البيانية، وظلل النظام نقطة التطابق المذهلة: 99.4% تشابه جيني مباشر.

​أرجع آدم رأسه إلى الخلف، ونظر إلى السقف وهو يفرك عينيه بإرهاق. لم تكن القوة الخارقة للميكانيكي نتيجة تعديل جيني بشري، ولا مصل جندي خارق من مخترعات الأرض. المطابقة بينهما كانت قاطعة: نيرا ونيفِر ينتميان لنفس العرق البيولوجي، نفس التكوين النسيجي المعقد الصامد تحت الضغوط الرهيبة.

​ابتسم آدم ابتسامة باهتة خالية من المرح. نيفِر، الميكانيكي المتجهم الذي يناظره كل ليلة في النادي، ونيرا، الفتاة التي تبحث عن أخيها المفقود... كان يعرف أن هذه البيانات، إذا وصلت إلى الحكومة، ستتحول فورًا إلى برنامج أسلحة بيولوجية شامخة. وكان يعرف أيضًا أن الحكومة لن تتردد لحظة؛ فخمسون عامًا من الحرب العرقية علمتهم أن البقاء لا يعترف بالأخلاق.

​لكن آدم لم يكن مهتمًا بإبادة أحد؛ كان مهتمًا بإنهاء الحرب فحسب. والحرب لا تنتهي إلا عندما يصبح ثمن استمرارها أعلى من ثمن إنهائها. البيانات التي بين يديه كانت أداة أسطورية... أداة يمكن أن تُستخدم للضغط، أو للتفاوض، أو… إذا لزم الأمر، للقضاء على أي مقاومة.

​على بعد سقفين من الورشة، بين ظلال مدخنة متهالكة تطل على الشارع الصامت، كان "أكواثيف" يتنفس عبر فلتر التكيف المائي المدمج في قناعه الخفي.

​كان مجند النخبة للأتلانطيين قد تسلل إلى المستعمرة منذ أسبوعين عقب تتبع شائعات عن قواطع الطاقة الهيدروليكية التي رُفعت بيد واحدة في القرية. كان هدفه واضحاً: التأكد مما إذا كان الأمير نيفِر حياً وأسيراً، أو تقييم إمكانية استعادته.

​لكن ما شاهده عبر عدسات الرصد الحراري الخاصة به جعله يتجمّد في مكانه.

​لم يكن الأبطال الباقون (كفلاش أو كابتن أتوم) يثيرون قلقه؛ فهم يتعاملون مع نيفِر كمجرد لغز أو جندي سابق. الكارثة الحقيقية كانت تكمن في ذلك الشاب الهادئ... آدم لوثر.

​صَبّ أكواثيف تركيز عدساته على شاشة حاسوب آدم عبر النافذة الزجاجية. اختفاؤه التكتيكي سمح له بقراءة البيانات التحليلية التي يعالجها لوثر في هذه اللحظة بالذات. رأى الخرائط الجينية، ورأى جداول الكثافة العظمية، ورأى مقارنة الخصائص البيولوجية لنيرا ونيفِر.

​اتسعت عينا أكواثيف خلف القناع وسرى في جسده رعب لم يذقه في أي معركة:

​طوال خمسين عاماً من الحرب، قاتلت أتلانتس تحت غطاء كامل من السرية البيولوجية. لم يقع أطلانطي واحد سليماً في أيدي البشر؛ كانت الدروع تنفجر ذاتياً عند الموت لتفحيم الجثث، ولم يعرف البشر قط الكيفية التي تُبنى بها خلايا أهل الأعماق، ولا نقاط ضعفهم التشريحية، ولا كيفية استهداف فيزيولوجيتهم بسلاح محدد.

​والآن... هذا البشري، وبطريقة غير مباشرة—عن طريق الارتباط بالأميرة ورشفة قهوة من فنجان الأمير نفسه—كان على وشك فك الشفرة البيولوجية الكاملة لإمبراطورية أتلانتس!

​لم يعد الأمر يتعلق بوجود نيفِر في القرية، ولا بكون الأمير يرفض العودة. إذا استمر آدم لوثر في جمع هذه البيانات لعدة أشهر إضافية، فسوف يمتلك السلاح النهائي الذي يُمكّن البشر من إبادة الأطلانطيين عن آخرهم دون الحاجة لجيوش أو دروع.

​أدرك أكواثيف أنه إذا أبلغ الإمبراطورية الآن، سيأتي أمر واحد لا ثاني له: استعادة الأمير بأي ثمن، وقتل لوثر قبل أن ينقل البيانات. لكنه كان يعرف الأمير جيداً؛ نيفِر إذا أُجبر على العودة بالقوة قد يرفض ويقتل من يحاول إجباره. وكان يعرف أيضًا أن لوثر ليس عالماً عاديًا، فالرجل يبني أنظمة متكاملة، وإذا شعر بالتهديد فسيسرع العملية فوراً.

​دون تردد، أرسل أكواثيف الحزمة المشفرة كاملة إلى الإمبراطور مباشرة... كونه الوحيد القادر على اتخاذ قرار من هذا المستوى المرعب، ثم اختفى بين الظلال.

​في الورشة، كانت الميكانيكية تصرخ على نيفِر مرة أخرى:

— ارفع هذا المحرك يا أحمق، لا تسحبه على الأرض!

​رفع نيفِر القطعة المعدنية الثقيلة بيد واحدة ووضعها على الطاولة بهدوء دون أن يرد. اعتاد على صراخها، وأصبح ذلك جزءاً مألوفاً من روتينه اليومي.

​قالت وهي تمسح يديها بقطعة قماش متسخة:

— الليلة سنذهب إلى النادي مرة أخرى؟

​أجاب ببرود:

— إذا أردتِ.

​ضحكت وقالت:

— أنت تحب المكان أكثر مما تعترف!

​لم يرد نيفِر، لكنه كان يعرف أن في كلامها شيئاً من الحقيقة؛ المكان أصبح... مألوفاً بشكل يدعو للقلق. آدم يجادله، فلاش يثرثر، والآخرون يضحكون، ولم يعد أحد ينظر إليه كغريب تماماً. ومع ذلك، كلما عاد في المساء إلى بيته وأغلق الباب، تذكّر أن هذه الحياة مجرد وهم مؤقت، وأن الحقيقة إذا ظهرت، ستُحرق كل شيء.

​في المساء نفسه، جلس آدم في النادي كالمعتاد. وصل نيفِر متأخرًا مع الميكانيكية وتناول كرسيه المفضل، ثم طلب قهوته السوداء.

​راقبه آدم بهدوء لبرهة، ثم قال فجأة بصوت ناعم:

— نيفِر... لو كان بإمكانك إنهاء الحرب غدًا، بشرط واحد: أن تتخلى عن شيء ثمين جدًا بالنسبة لك... هل تفعل؟

​رفع نيفِر عينيه الحادتين، أخذ رشفة هادئة، ثم قال بصوت منخفض:

— يعتمد على الثمن.

​ابتسم آدم ابتسامة صغيرة باردة:

— هذا جواب صادق... وأنا أيضاً، أعتمد على الثمن.

​نظر نيفِر إليه لحظة أطول من المعتاد. شعر أن هناك شيئاً مختلفاً في نبرة آدم الليلة؛ شيئاً أكثر حدة، وأكثر حساباً. أدرك نيفِر في تلك اللحظة أن آدم قد اكتشف السر. أنهى قهوته بصمت، ثم قام وغادر.

​على السطح المقابل، كان أكواثيف يراقب المشهد في تلك اللحظة بالذات، حين وردته استجابة الشفرة الملكية المباشرة من الإمبراطورية:

«انتظر. راقب. لا تتحرك إلا بأمر مباشر. الأمير يجب أن يعود حيًا... ولوثر، إذا اقترب أكثر من الحقيقة، أزله من الوجود.»

لم يمضِ وقت طويل حتى تسللت برودة غريبة إلى طاولة آدم.

​سحب رجل عجوز الكرسي المقابل وجلس بوقار مهيب. كان يخفي ملامحه تحت معطف ثقيل، لكن حضوره كان يفرض سلطة لا تخطئها العين.

​نظر إلى آدم بعينين نافذتين، وقال بصوت خفيض يحمل ثقل السنين:

— أنا ممتن لك... فليس سهلاً على بشري تحمل كبرياء أبنائي. أنت ذكي، وحكيم بأكثر مما ينبغي.

​تجمد آدم في مكانه، وقبل أن يستوعب كلمة «أبنائي»، نهض العجوز ببطء وهمس:

— احرص على أن تجعل "نيرا" سعيدة... فالثمن الذي تدفعه ليس رخيصاً.

​توارى العجوز بين الزحام كأنه طيف.

​ظل آدم متسمراً في كرسيه، والسكون يطبِق على المكان. سرت قشعريرة باردة في عروقه وهو يسترجع منظر الرمز المحفور على خاتم العجوز... لم يكن غريباً عابراً؛ كان ذلك إمبراطور أتلانتس بنفسه يقف على أرض أعدائه.

2026/08/15 · 4 مشاهدة · 1098 كلمة
نادي الروايات - 2026