صوت الجرس البرونزي القديم دقّ ثلاث مرات، منتشراً عبر أروقة أكاديمية "فالنور" الملكية كتموجات في بركة راكدة.فتح "إيليا ثورن" عينيه

ببطء، ليجد نفسه محدقاً في سقف خشبي منخفض، تتدلى منه خيوط العنكبوت في زوايا الغرفة المشتركة. ضوء الصباح الرمادي كان يتسلل عبر النافذة الضيقة ذات الزجاج المعوج، ليرسم خطوطاً باهتة على الأرضية الحجرية الباردة.نهض على مضره، وجسده يؤلمه من النوم على المرتبة الرقيقة المملوءة بالقش. إلى جانبه، على السرير الخشبي المقابل، كان "ماركوس" roommate لا

يزال نائماً، يتنفس بصوت عالٍ، وشعره الأشقر الفوضوي مبعثر على الوسادة."الجرس... مرة أخرى..." تمتم إيليا وهو يفرك عينيه.كان صباح يوم الثلاثاء، الثالث من شهر "نوفمبر" عام 1723.غرفة النوم المشتركة كانت ضيقة، تتسع لأربعة أسرّة فقط. جدرانها الحجرية الباردة كانت مغطاة بطبقة رقيقة من العفن في الأماكن التي يصلها رطوبة الخريف. على المكتب الخشبي في الزاوية، كانت هناك إبريق ماء نصف فارغ، وكوب من القصدير، وكتاب مفتوح على صفحة لم ينتهِ منها إيليا بالأمس."مبادئ التاريخ الطبيعي

... للبروفيسور هاريس..." قرأ إيليا العنوان وهو يتثاءب.ارتدى قميصه الكتّاني الأبيض المجعد، وسترة الصوف الداكنة التي بدأ صوفها يتقصف عند الأكمام، وسرواله الضيق الذي يصل إلى الركبة. جواربه السوداء الطويلة كانت تحتوي على رقعة صغيرة عند إصبع القدم الكبير، لكنه تجاهلها. لا وقت للخياطة الآن.على الطاولة بجانب سريره، كانت هناك قبعة ثلاثية سوداء موضوعة بإهمال، ومنديل كتّاني مطوي بعناية، ومحفظة جلدية رقيقة تحتوي على عملتين فضيتين وثلاث نحاسية. كل ما يملكه في العالم."يكفي للوصول إلى الحي القديم

... وشراء خبز جديد."خرج إيليا من الغرفة، ومشى في الرواق الحجري الطويل. الأكاديمية كانت مبنى ضخماً من الحجر الرمادي، بُنيت قبل مئتي عام على الطراز القوطي المتأخر. الأبراج المدببة كانت تخترق الضباب الصباحي، والنوافذ الزجاجية الملونة كانت تعكس ضوء الشمس الباهت

بألوان باهتة من الأحمر والأزرق والأصفر.في الطريق إلى قاعة الطعام، مرّ بفناء داخلي صغير. شجرة بلوط ضخمة كانت تقف في الوسط، أغصانها العارية تمتد نحو السماء كأيدي ميتة. الأوراق الصفراء المتساقطة كانت تغطي الأرضية

المبللة، ورائحة الخريف الرطبة كانت تملأ الهواء."صباح الخير، إيليا!"التفت. "توماس"، طالب في السنة الثانية، كان يركض نحوه، وكتبه تحت ذراعه، وشعره البني مبلل من المطر."صباح الخير،تو

ماس .""هل أنهيت واجب التاريخ؟ البروفيسور هاريس سيغضب إذا لم نحضره!""لم أنتهِ بعد. سأحاول في فترة ما بعد الظهر.""محظوظ! أنا لم أبدأ أصلاً!"ضحك إيليا، وتابع طريقه.قاعة الطعام كانت كبيرة،

ذات سقف مقوّس مدعوم بأعمدة حجرية ضخمة. الجدران كانت مغطاة بلوحات زيتية قديمة لمدراء الأكاديمية السابقين، وجوههم الصارمة تبدو كأنها تحكم على الطلاب الصامتين.الرائحة:

خبز شعير دافئ، وحساء خضروات رقيق، وشاي أسود ضعيف.جلس إيليا على مقعده المعتاد، بالقرب من النافذة. أمامه، وضع الخادم طبقاً خشبياً يحتوي على شريحتين من الخبز الرمادي، وكوب من الحساء، وكوب من الشاي."شكراً."بدأ

يأكل ببطء. الخبز كان قاسياً، والحساء مالحاً جداً، لكن الجوع كان يجعل كل شيء مقبولاً.حولَه، كان الطلاب الآخرون يتحدثون بصوت منخفض. بعضهم يقرأ كتباً، بعضهم يكتب رسائل، بعضهم يتشاجر على مقعد."سمعت أن ابنة اللورد 'فينتش' ستحضر الحفلة الأسبوعية!"

قال طالب من الطاولة المجاورة."حقاً؟ لكن عائلتها لا تسمح لها بالخروج وحدها!""أخوها سيرافقها. وهو صديق للبروفيسور 'مورغان'.""محظوظون...

نحن لا ندعى لمثل هذه الحفلات."ابتسم إيليا ابتسامة باهتة. الحفلات... الأثرياء... العالم الذي لا ينتمي إليه.بعد الإفطار، توجه إلى قاعة المحاضرات.البروفيسور "هاريس"

كان رجلاً طويلاً نحيفاً، شعره الأبيض ممشط بعناية، ونظارته المستديرة تنزلق باستمرار على أنفه المعقوف. كان يقف أمام السبورة الطباشيرية، ويكتب بخط صغير ودقيق:

"الأنواع الثلاثة للنباتات الطبية في منطقة 'فالنور'..."إيليا كان يجلس في الصف الثالث، يدوّن الملاحظات بدقة. قلمه الريشي كان يتحرك بسرعة على الورقة الرخيصة، لكن عقله كان يتجول في مكان آخر."ماذا سأفعل بعد التخرج؟"كانت

العائلة تتوقع منه أن يصبح معلماً في قرية نائية، أو كاتباً في مكتب محاماة صغير. راتب ضئيل، حياة هادئة، لا مفاجآت.لكن..."أريد أكثر من هذا."هز

رأسه، وركز على المحاضرة مرة أخرى.في فترة ما بعد الظهر، كان لديه وقت حر.ذهب إلى المكتبة القديمة في الطابق الثاني. المكتبة كانت غرفة ضخمة، ذات رفوف خشبية تصل إلى السقف، مليئة بالكتب ذات الأغلفة الجلدية البالية. رائحة الورق القديم والغبار كانت تملأ الهواء.جلس عند طاولة في الزاوية، وفتح كتاب "مقدمة في الفلسفة الطبيعية".لكن بعد عشرين دقيقة، شعر بالتعب. عيناه كانتا تؤلماناه من القراءة، ورأسه كان ثقيلاً."ربما

قليلاً من الهواء النقي."أغلق الكتاب، وخرج من المكتبة.الممرات كانت هادئة الآن. معظم الطلاب كانوا في قاعات الدراسة، أو في الفناء يلعبون كرة القدم، أو في غرف النوم يستريحون.إيليا مشي ببطء، يستمتع بالهدوء.مرّ بقاعة الموسيقى، حيث كان صوت بيانو خافت يتسلل من تحت الباب. مرّ بقاعة الرسم، حيث كانت رائحة الزيت والتربنتين قوية. مرّ بقاعة المبارزة، حيث كان صوت السيوف المعدنية يتقاطع مع صيحات الطلاب."حياة عادية..." تمتم

. "حياة طالب عادي."وصل إلى الفناء الخلفي، حيث كانت هناك حديقة صغيرة. زهور الخريف المتأخرة كانت لا تزال تزهر، بألوان برتقالية وحمراء وصفراء. النحل كان يطنّ بخفوت، والطيور كانت تغرد في الأشجار.جلس على مقعد خشبي، وأغلق عينيه.الشمس كانت دافئة على وجهه. النسيم كان يحمل رائحة التراب الرطب والأوراق المتساقطة."هذا...

ليس سيئاً."عندما فتح عينيه، كان الضوء قد بدأ يميل نحو الغروب. السماء كانت تتلون بألوان البرتقالي والوردي والبنفسجي، والظلال كانت تطول على الأرض.نهض، وتوجه نحو قاعة العشاء.العشاء كان مشابهاً للإفطار: خبز، حساء، شاي. لكن اليوم، كان هناك قطعة صغيرة من الجبن الصلب."رفاهية."بعد العشاء، عاد إلى غرفته.ماركوس كان جالساً على سريره، يقرأ رواية رخيصة ذات غلاف ورقي."كيف كان يومك؟" سأل إيليا."ممّل. نفس المحاضرات، نفس الوجبات، نفس كل شيء.""نفس كل شيء." كرر إيليا.جلس على سريره، وخلع حذاءه. قدمه كانتا باردة من المشي على الأرضية الحجرية."ماذا ستفعل الليلة؟" سأل ماركوس."سأنهي واجب التاريخ. ثم سأنام."

"محظوظ. أنا سأذهب إلى الحانة مع بعض الأولاد. هل تريد المجيء؟"

"لا، شكراً. لديّ عمل."

"حسناً. لا تسهر كثيراً."

"لن أفعل."أشعل

إيليا شمعة صغيرة، ووضعها على المكتب. فتح كتاب التاريخ، وبدأ يكتب الواجب.القلم كان يتحرك ببطء. الكلمات كانت تتشكل على الورقة، لكن عقله كان لا يزال يفكر في السؤال الذي طرحه على نفسه في الصباح:"ماذا سأفعل بعد التخرج؟""معلم؟ كاتب؟ محامٍ صغير؟"

"هل هذه هي الحياة التي أريدها؟"هز رأسه، وركز على الواجب."ليس الآن. الآن، يجب أن أنهي هذا."بعد ساعتين، أنهى الواجب.أطفأ الشمعة، وخلع ملابسه. ارتدى قميص النوم الكتّاني الأبيض، واستلقى على المرتبة الرقيقة.ماركوس لم يعد بعد. الغرفة كانت مظلمة، إلا من ضوء القمر الباهت الذي كان يتسلل عبر النافذة."غداً... نفس اليوم."أغلق عينيه."نفس المحاضرات. نفس الوجبات. نفس كل شيء.""لكن... ربما... غداً..

. سيكون مختلفاً قليلاً."ثم...نام.في الخارج، كان القمر يرتفع ببطء في السماء. الضباب كان يبدأ بالتشكل فوق أسطح المدينة القديمة. أجراس الكنيسة البعيدة كانت تدقّ منتصف الليل،

صوتها عميقاً ومنتظماً.في مكان ما، في زاوية مظلمة من الأكاديمية، كان ظل يتحرك.لكن إيليا لم يكن ليراه.كان نائماً.يحلم بأشياء عادية.عن العائلة. عن المستقبل. عن أشياء لا تهم.

.""هل أنهيت واجب التاريخ؟ البروفيسور هاريس سيغضب إذا لم نحضره!""لم أنتهِ بعد. سأحاول في فترة ما بعد الظهر.""محظوظ! أنا لم أبدأ أصلاً!"ضحك إيليا، وتابع طريقه.قاعة الطعام كانت كبيرة، ذات سقف مقوّس مدعوم بأعمدة حجرية ضخمة. الجدران كانت مغطاة بلوحات زيتية قديمة لمدراء الأكاديمية السابقين، وجوههم الصارمة تبدو كأنها تحكم على الطلاب الصامتين.الرائحة: خبز شعير دافئ، وحساء خضروات رقيق، وشاي أسود ضعيف.جلس إيليا على مقعده المعتاد، بالقرب من النافذة. أمامه، وضع الخادم طبقاً خشبياً يحتوي على شريحتين من الخبز الرمادي، وكوب من الحساء، وكوب من الشاي."شكراً."بدأ يأكل ببطء. الخبز كان قاسياً، والحساء مالحاً جداً، لكن الجوع كان يجعل كل شيء مقبولاً.حولَه، كان الطلاب الآخرون يتحدثون بصوت منخفض. بعضهم يقرأ كتباً، بعضهم يكتب رسائل، بعضهم يتشاجر على مقعد."سمعت أن ابنة اللورد 'فينتش' ستحضر الحفلة الأسبوعية!" قال طالب من الطاولة المجاورة."حقاً؟ لكن

عائلتها لا تسمح لها بالخروج وحدها!""أخوها سيرافقها. وهو صديق للبروفيسور 'مورغان'."

"محظوظون... نحن لا ندعى لمثل هذه الحفلات."ابتسم إيليا ابتسامة باهتة. الحفلات... الأثرياء... العالم الذي لا ينتمي إليه.بعد الإفطار، توجه إلى قاعة المحاضرات.البروفيسور "هاريس" كان رجلاً طويلاً نحيفاً، شعره الأبيض ممشط بعناية، ونظارته المستديرة تنزلق باستمرار على أنفه المعقوف. كان يقف أمام السبورة الطباشيرية، ويكتب بخط صغير ودقيق:"الأنواع الثلاثة للنباتات الطبية في منطقة 'فالنور'..."إيليا كان يجلس في الصف الثالث، يدوّن الملاحظات بدقة. قلمه الريشي كان يتحرك بسرعة على الورقة

الرخيصة، لكن عقله كان يتجول في مكان آخر."ماذا سأفعل بعد التخرج؟"كانت العائلة تتوقع منه أن يصبح معلماً في قرية نائية، أو كاتباً في مكتب محاماة صغير. راتب ضئيل، حياة هادئة، لا مفاجآت.لكن..."أريد أكثر من هذا."هز رأسه، وركز على المحاضرة مرة أخرى.في فترة ما بعد الظهر، كان لديه وقت حر.ذهب إلى المكتبة القديمة في الطابق الثاني. المكتبة كانت غرفة ضخمة، ذات رفوف خشبية تصل إلى السقف، مليئة بالكتب ذات الأغلفة الجلدية البالية. رائحة الورق القديم والغبار كانت تملأ الهواء.جلس عند طاولة في الزاوية، وفتح كتاب "مقدمة في الفلسفة الطبيعية".لكن بعد عشرين دقيقة، شعر بالتعب. عيناه كانتا تؤلماناه من القراءة، ورأسه كان ثقيلاً."ربما قليلاً من الهواء النقي."أغلق الكتاب، وخرج من المكتبة.الممرات كانت هادئة الآن. معظم الطلاب كانوا في قاعات الدراسة، أو في الفناء يلعبون كرة القدم، أو في غرف النوم يستريحون.إيليا مشي ببطء، يستمتع بالهدوء.مرّ بقاعة الموسيقى، حيث كان صوت بيانو خافت يتسلل من تحت الباب. مرّ بقاعة الرسم، حيث كانت رائحة الزيت والتربنتين قوية. مرّ بقاعة المبارزة، حيث كان صوت السيوف المعدنية يتقاطع مع صيحات الطلاب."حياة عادية..." تمتم. "حياة طالب عادي."وصل إلى الفناء الخلفي، حيث كانت هناك حديقة صغيرة. زهور الخريف المتأخرة كانت لا تزال تزهر، بألوان برتقالية وحمراء وصفراء. النحل كان يطنّ بخفوت، والطيور كانت تغرد في الأشجار.جلس على مقعد خشبي، وأغلق عينيه.الشمس كانت دافئة على وجهه. النسيم كان يحمل رائحة التراب الرطب والأوراق المتساقطة."هذا... ليس سيئاً."عندما فتح عينيه، كان الضوء قد بدأ يميل نحو الغروب. السماء كانت تتلون بألوان البرتقالي والوردي والبنفسجي، والظلال كانت تطول على الأرض.نهض، وتوجه نحو قاعة العشاء.العشاء كان مشابهاً للإفطار: خبز، حساء، شاي.

لكن اليوم، كان هناك قطعة صغيرة من الجبن الصلب."رفاهية."بعد العشاء، عاد إلى غرفته.ماركوس كان جالساً على سريره، يقرأ رواية رخيصة ذات غلاف ورقي."كيف كان يومك؟" سأل إيليا."ممّل. نفس المحاضرات، نفس الوجبات، نفس كل شيء.""نفس كل شيء." كرر إيليا.جلس على سريره، وخلع حذاءه. قدمه كانتا باردة من المشي على الأرضية الحجرية."ماذا ستفعل الليلة؟" سأل ماركوس."سأنهي واجب التاريخ. ثم سأنام.""محظوظ. أنا سأذهب إلى الحانة مع بعض الأولاد. هل تريد المجيء؟"

"لا، شكراً. لديّ عمل.""حسناً. لا تسهر كثيراً."

"لن أفعل."أشعل إيليا شمعة صغيرة، ووضعها على المكتب. فتح كتاب التاريخ، وبدأ يكتب الواجب.القلم كان يتحرك ببطء. الكلمات كانت تتشكل على الورقة، لكن عقله كان لا يزال يفكر في السؤال الذي طرحه على نفسه في الصباح:"ماذا سأفعل بعد التخرج؟""معلم؟ كاتب؟ محامٍ صغير؟""هل هذه هي الحياة التي أريدها؟"هز

رأسه، وركز على الواجب."ليس الآن. الآن، يجب أن أنهي هذا."بعد ساعتين، أنهى الواجب.أطفأ الشمعة، وخلع ملابسه. ارتدى قميص النوم الكتّاني الأبيض، واستلقى على المرتبة الرقيقة.ماركوس لم يعد بعد. الغرفة كانت مظلمة، إلا من ضوء القمر الباهت الذي كان يتسلل عبر النافذة."غداً...

نفس اليوم."أغلق عينيه."نفس المحاضرات. نفس الوجبات. نفس كل شيء.""لكن... ربما... غداً... سيكون مختلفاً قليلاً."ثم...نام.في الخارج، كان القمر يرتفع ببطء في السماء. الضباب كان يبدأ بالتشكل فوق أسطح المدينة القديمة. أجراس الكنيسة البعيدة كانت تدقّ منتصف الليل، صوتها عميقاً ومنتظماً.في مكان ما، في زاوية مظلمة من الأكاديمية، كان ظل يتحرك.لكن إيليا لم يكن ليراه.كان نائماً.يحلم بأشياء عادية.عن العائلة. عن المستقبل. عن أشياء لا تهم.

2026/07/06 · 2 مشاهدة · 1698 كلمة
نادي الروايات - 2026