في الصباح التالي، استيقظ إيليا قبل الجرس بعشر دقائق.

كان هذا عادة قديمة، ورثها عن والده. "الذي يستيقظ مبكراً، يملك يوماً كاملاً. والذي يستيقظ متأخراً، يركض طوال اليوم ليلحق بالوقت."

هذه الكلمات كانت تتردد في رأسه كلما فتح عينيه في الصباح، كصدى بعيد لصوت والده الهادئ والصارم في آن واحد.

جلس على حافة السرير، وفرك وجهه بيديه. الغرفة كانت لا تزال باردة. في هذا الوقت من الصباح، قبل أن توقد المواقد، كانت جدران الأكاديمية الحجرية تحتفظ ببرودة الليل كأنها جثث صغيرة.

ماركوس كان لا يزال نائماً، ملفوفاً ببطانيته الصوفية السميكة كأنه يرقة. من فمه المفتوح كان يخرج صوت شخير خافت، منتظم.

ابتسم إيليا، ونهض بهدوء حتى لا يوقظه.

---

على المكتب، كانت هناك رسالة.

لم يلاحظها في الصباح السابق، لأن الشمعة كانت على وشك الانطفاء، وعينيه كانتا تتألمان من الإرهاق. لكن الآن، في ضوء الفجر الرمادي، كان يرى الظرف بوضوح.

ظرف من ورق رخيص، مغلق بشمع أحمر رديء. على الوجه، كان هناك عنوان مكتوب بخط يدوي مألوف:

*"إلى ابني العزيز إيليا ثورن،*

*في أكاديمية فالنور الملكية،*

*الطابق الثالث، الغرفة السابعة."*

قلب إيليا نبض بسرعة.

خط اليد هذا...

خط والدته.

مد يده بتردد، وأخذ الظرف. كان خفيفاً جداً، كأنه لا يحتوي إلا على ورقة واحدة أو اثنتين. هذا يعني أن الرسالة قصيرة. والدته لم تكن تكتب رسائل طويلة أبداً. كانت تقول دائماً: "الكلمات الكثيرة تُرهق اليد، والقلب لا يحتاج إلى كثير من الكلمات ليعبّر."

كسر الختم، وسحب الورقة.

---

*"ابني العزيز إيليا،*

*أكتب إليك في صباح بارد. والدك بخير، وعاد من السوق أمس بصحة جيدة. الأخ الكبير 'آرثر' أرسل رسالة من الميناء، وقال إن سفينتهم ستبحر إلى 'لورينثيا' الشهر القادم. أختك 'كلارا' بدأت تتعلم الخياطة عند السيدة 'مارثا'، وهي بارعة جداً. الأخ الصغير 'فينس' بدأ يمشي، وهو يركض في كل مكان الآن.*

*نأمل أن تكون بخير، وأن دراستك تسير على ما يرام. لا تقلق بشأننا. نحن بخير.*

*والدك يقول إنك يجب أن تركز على دروسك، وأن لا تضيع وقتك في أشياء لا تفيد. أما أنا، فأقول لك فقط: كل الطعام، ولا تنسَ أن تغسل جواربك.*

*نشتاق إليك.*

*أمك،*

*إليانور ثورن."*

---

قرأ إيليا الرسالة مرتين.

في المرة الأولى، قرأها بسرعة، ليتأكد من أن الجميع بخير.

في المرة الثانية، قرأها ببطء، ليتذوق كل كلمة.

"كل الطعام، ولا تنسَ أن تغسل جواربك."

ابتسم.

هذه كانت أمه. حتى في رسالة رسمية، لا تستطيع أن تمنع نفسها من إضافة نصائح صغيرة عن النظافة والطعام.

طوى الورقة بعناية، وأعادها إلى الظرف. وضعه في الدرج الصغير تحت سريره، بجانب المحفظة الجلدية الرقيقة.

ثم جلس على السرير، وأغلق عينيه.

---

الذكريات بدأت تتدفق.

ليس ذكريات غريبة، أو حياة سابقة في عالم آخر. لا. كانت ذكرياته هو. ذكريات إيليا ثورن، ابن التاجر الصغير من حي "ويلو" في المدينة.

---

تذكر المنزل.

منزل صغير من طابقين، مبني من الحجر الرمادي والبني. في الطابق الأرضي، كان دكان والده الصغير، الذي يبيع الأقمشة والخيوط والإبر. في الطابق العلوي، كانت غرف العائلة: غرفة النوم الرئيسية للوالدين، غرفة للأخ الكبير آرثر، غرفة صغيرة له ولأخته كلارا، وغرفة صغيرة جداً للطفل الصغير فينس.

المنزل لم يكن كبيراً، لكنه كان دافئاً.

تذكر رائحة دكان والده: رائحة القماش الجديد، والصوف، والكتان، والصبغات. كان يقضي ساعات طويلة هناك بعد المدرسة، يجلس على كرسي خشبي صغير في الزاوية، ويراقب والده وهو يعمل.

والده، "إدوارد ثورن"، كان رجلاً هادئاً، ذا لحية بنية قصيرة، وعينين رماديتين تشبه عينيه. لم يكن رجلاً غنياً، ولا فقيراً. كان تاجراً صغيراً، يعرف زبائنه بالاسم، ويعرف احتياجاتهم قبل أن يطلبوها.

"التجارة ليست في بيع الأشياء، يا إيليا." كان يقول له والده. "التجارة هي في فهم الناس. إذا فهمت ما يحتاجه الناس، ستبيع لهم ما يريدون."

هذه الكلمات كانت تتردد في رأسه حتى الآن.

---

تذكر والدته.

"إليانور"، امرأة نحيلة، ذات شعر بني فاتح كانت تربطه دائماً في ضفيرة tight. كانت تعمل في المنزل، تطبخ، وتنظف، وتخيط. كانت يداها دائماً مشغولتين، حتى عندما كانت تجلس، كانت تخيط شيئاً ما.

لكنها كانت تعرف كيف تستمع.

كل مساء، عندما كان يعود من الأكاديمية (كان يذهب يومياً في البداية، ثم أصبح يبيت في الأكاديمية بدءاً من السنة الثانية)، كانت تجلس معه في المطبخ، وتقدم له طبق الحساء، وتستمع إليه وهو يتحدث عن يومه.

لم تكن تقاطعه أبداً. لم تكن تعطي نصائح إلا إذا طلبها. كانت فقط... تستمع.

"الأمهات يعرفن متى يتكلمن، ومتى يصمتن." تمتم إيليا وهو يفتح عينيه.

---

تذكر أخاه الكبير.

"آرثر"، أكبر منه بخمس سنوات. كان طويل القامة، ذا شعر أشقر فاتح، وابتسامة واسعة. كان يعمل في الميناء، بحاراً على سفينة تجارية. كان يحلم بأن يصبح ربان سفينة يوماً ما.

"البحر، يا إيليا، هو الحرية الحقيقية. على البر، أنت مقيد بالأرض. على البحر، أنت مقيد فقط بالرياح، والرياح تتغير."

كان آرثر يأتي إلى المنزل كل ثلاثة أشهر، عندما تعود السفينة إلى الميناء. كان يجلب معه هدايا صغيرة: صدفة من مكان بعيد، قطعة قماش غريبة، أحياناً حلوى لا يعرف طعمها.

كان إيليا ينتظر هذه الهدايا بفارغ الصبر.

---

تذكر أخته.

"كلارا"، أصغر منه بسنتين. كانت فتاة هادئة، ذات شعر بني داكن، وعينين خضراوين. كانت تحب الرسم، وكانت ترسم على أي شيء تجده: على الجدران، على الأوراق، حتى على الخبز أحياناً.

"عندما أكبر، سأصبح رسامة. سأرسم كل شيء في العالم."

كانت تقول هذا بجدية تامة، وعيناها تلمعان.

---

تذكر أخاه الصغير.

"فينس"، الطفل الصغير، عمره الآن ثلاث سنوات. كان طفلاً نشيطاً جداً، يركض في كل مكان، ويسقط، ويقوم، ويصرخ، ويضحك.

كان إيليا يحبه كثيراً. عندما كان في المنزل، كان يحمله على كتفيه، ويمشي به في الغرفة، فيضحك فينس بصوت عالٍ.

"فينس سأكبر، وسأصبح مثلك، يا إيليا!"

"لا، فينس. ستكبر، وستصبح أفضل مني."

---

فتح إيليا عينيه تماماً.

الذكريات كانت دافئة، لكنها كانت تحمل أيضاً شيئاً من الحزن.

لم يرَ عائلته منذ أربعة أشهر.

الأكاديمية كانت بعيدة عن المنزل. رحلة بعربة الخيل تستغرق يوماً كاملاً. والعطلة الرسمية القادمة كانت بعد شهرين، في عيد الميلاد.

"شهران..."

نهض، وبدأ يرتدي ملابسه.

---

عندما خرج من الغرفة، كان الممر لا يزال هادئاً. معظم الطلاب لم يستيقظوا بعد.

مشي ببطء نحو قاعة الطعام.

في الطريق، مرّ بفناء صغير. كان هناك طالب جالس على مقعد، يقرأ كتاباً في ضوء الفجر.

"صباح الخير، إيليا!"

التفت. كان "جيمس"، طالب في السنة الرابعة، وصديق قديم له. جيمس كان ابن طبيب في المدينة، وكان هادئاً، ذكياً، ويحب القراءة.

"صباح الخير، جيمس."

"ما الذي تقرأه؟" سأل إيليا، وأشار إلى الكتاب.

"مجموعة قصص عن الرحالة. بعضهم ذهب إلى 'الجزر البعيدة'، وبعضهم ذهب إلى 'الجبال الشمالية'. قصص مثيرة."

"هل هي حقيقية؟"

"بعضها. بعضها مختلق. من يعرف؟"

ضحك إيليا.

"ربما أقرأها لاحقاً."

"يمكنك استعارتها مني. لديّ نسخة أخرى."

"شكراً، جيمس."

---

في قاعة الطعام، جلس في مقعده المعتاد.

اليوم، كان الإفطار أفضل قليلاً: خبز أبيض بدلاً من الشعير، وحساء يحتوي على قطع صغيرة من اللحم، وشاي أقوى.

"ربما لأن اليوم يوم سوق." فكر.

كان يأكل ببطء، ويستمتع بالطعام. تذكر كلمات أمه: "كل الطعام."

ابتسم.

"سأفعل، يا أمي. سأفعل."

---

بعد الإفطار، توجه إلى قاعة المحاضرات.

اليوم، كان هناك محاضرة في "الجغرافيا الطبيعية"، مع البروفيسور "مورغان".

البروفيسور مورغان كان رجلاً قصيراً، بديناً، ذا وجه أحمر، وشعر مستعار (باروكة) بيضاء. كان يتحرك بسرعة، ويتحدث بصوت عالٍ، ويستخدم يديه كثيراً أثناء الشرح.

"الآن، يا سادتي، تخيلوا العالم ككرة ضخمة!" قال، ورسم دائرة كبيرة على السبورة. "على هذه الكرة، هناك قارات، وبحار، وجبال، وأنهار. وفي كل مكان، هناك أشياء مختلفة: نباتات مختلفة، حيوانات مختلفة، ناس مختلفون!"

كان يدوّن الملاحظات، لكن عقله كان يتجول.

تذكر قصص آرثر عن البحر. عن الجزر البعيدة. عن الناس الذين يعيشون هناك.

"هل العالم حقاً كبير جداً؟"

---

بعد المحاضرة، كان لديه وقت حر.

ذهب إلى المكتبة مرة أخرى.

لكن هذه المرة، لم يقرأ في الفلسفة. ذهب إلى قسم "الرحلات والجغرافيا"، وأخذ كتاباً بعنوان:

*"رحلات إلى الجزر البعيدة: ملاحظات بحار"*

جلس في الزاوية المعتادة، وفتح الكتاب.

الصفحات الأولى كانت تتحدث عن رحلة بحار إنجليزي إلى جزر في المحيط الجنوبي. كان يصف الجزر، والنباتات، والحيوانات، والناس الذين يعيشون هناك.

"الناس هناك لديهم جلد داكن، وشعر مجعد. يرتدون ملابس من أوراق الأشجار. يأكلون الفواكه والأسماك. يعبدون آلهة غريبة."

قرأ إيليا بتركيز.

كان العالم أكبر بكثير مما كان يتخيل.

---

بعد ساعتين، أغلق الكتاب.

شعر بالتعب، لكن أيضاً بشيء آخر.

شيء يشبه... الفضول.

"هل سأرى هذه الأماكن يوماً ما؟"

هز رأسه.

"لا. أنا ابن تاجر صغير. ليس لديّ مال للرحلات."

نهض، وأعاد الكتاب إلى الرف.

---

عندما خرج من المكتبة، كان الضوء قد بدأ يميل نحو الغروب.

مشي ببطء عبر الفناء.

الطلاب كانوا يعودون من أنشطتهم المختلفة. بعضهم يلعب كرة القدم، بعضهم يتحدث في مجموعات صغيرة، بعضهم يمشي وحيداً.

في زاوية الفناء، كان هناك طالب يقف وحيداً، ينظر إلى السماء.

كان "ناثانيال"، طالب غريب في السنة الثالثة. كان هادئاً جداً، لا يتحدث مع أحد، ويقضي معظم وقته وحيداً. كان يقول البعض إنه ابن نبيل، والبعض الآخر يقول إنه يتيم.

إيليا لم يكن يعرفه جيداً.

لكن في تلك اللحظة، لاحظ شيئاً غريباً.

ناثانيال كان ينظر إلى السماء، لكن رأسه كان مائلاً قليلاً، كأنه... يستمع إلى شيء.

"ماذا يفعل؟"

توقف إيليا، وراقبه.

بعد لحظات، ناثانيال التفت، ورآه.

نظر إليه مباشرة.

عيناه... كانتا رماديتين. مثل عينيه.

لكن في تلك النظرة، كان هناك شيء غريب.

شيء... عميق.

كأن ناثانيال كان ينظر من خلاله، لا إليه.

"صباح الخير... أو مساء الخير، إيليا." قال ناثانيال، بصوت هادئ.

"مساء الخير، ناثانيال." رد إيليا.

"ماذا تفعل هنا؟"

"أمشي. وأنت؟"

"أنظر إلى السماء."

"لماذا؟"

ابتسم ناثانيال ابتسامة غامضة.

"لأنها جميلة."

ثم التفت، ومشى بعيداً.

إيليا بقي واقفاً، يراقبه.

"غريب..."

هز رأسه، وتابع طريقه.

---

في قاعة العشاء، جلس مع ماركوس وجيمس.

"كيف كان يومك؟" سأل ماركوس.

"عادي. محاضرات، مكتبة، مشي."

"نفس كل شيء." قال ماركوس.

"نفس كل شيء." كرر إيليا.

لكن في عقله، كان لا يزال يفكر في ناثانيال.

وفي نظرة عينيه.

---

بعد العشاء، عاد إلى الغرفة.

أشعل الشمعة، وفتح كتاب التاريخ.

لكنه لم يستطع التركيز.

في رأسه، كانت صورة ناثانيال لا تزال حاضرة.

"من هو هذا الشخص؟"

"ولماذا كانت عيناه... هكذا؟"

هز رأسه.

"لا. لا تهتم. ربما هو مجرد طالب غريب."

ركز على الواجب.

---

قبل النوم، كتب رسالة قصيرة إلى عائلته.

*"أمي العزيزة، أبي العزيز،*

*أنا بخير. الطعام جيد، والدراسة تسير على ما يرام. أرجو أن تطمئنوا.*

*أحبكم جميعاً.*

*ابنكم،*

*إيليا."*

طوى الرسالة، ووضعها في الظرف.

سيُرسلها غداً.

---

أطفأ الشمعة، واستلقى على السرير.

ماركوس كان نائماً بالفعل.

في الخارج، كان القمر يضيء الغرفة بضوء باهت.

"غداً... نفس اليوم."

أغلق عينيه.

لكن قبل أن ينام، تذكر شيئاً.

في الرسالة، كانت أمه تقول: "الأخ الكبير آرثر أرسل رسالة من الميناء، وقال إن سفينتهم ستبحر إلى 'لورينثيا' الشهر القادم."

"لورينثيا..."

كانت مدينة بعيدة، على ساحل المحيط الجنوبي.

"ربما... ربما أرى آرثر قبل أن يبحر."

ثم...

نام.

---

في الخارج، كان القمر يرتفع ببطء.

وفي مكان ما، في زاوية مظلمة من الأكاديمية، كان ظل يتحرك.

لكن إيليا لم يكن ليراه.

كان نائماً.

يحلم بعائلته.

بآرثر الذي يبحر إلى البحر.

بكلارا التي ترسم.

بفينس الذي يركض.

بأمه التي تقول: "كل الطعام."

2026/07/06 · 1 مشاهدة · 1704 كلمة
نادي الروايات - 2026