لم يكن القتال على السور مجرد معركة. كان عرين موت.

السماء كانت رمادية كالحديد المنصهر، والغبار اختلط بالدخان ودماء البشر والوحوش حتى صعّب الرؤية. الصراخ والزئير والأزيز السحري لم يتوقف للحظة. كل ثانية كانت تساوي روحاً.

نورد كان يلهث خلف إحدى شرفات السور الحجرية، سيفه يقطر دماً ليس كله له. كان قد قتل حتى الآن أربعة عشر وحشاً صغيراً واثنين من مستوى نجمة واحدة. جسده كان مرهقاً، لكن الشريحة ظلت تهمس له بمواضع الخطر قبل أن يحل.

تحذير: قفزة من جهة الساعة الرابعة.

انحنى نورد دون تفكير. مخالب ذئب رمادي مرت فوق رأسه كالسيف. رد نورد بطعنة في بطن الوحش، وسقط الذئب يترجرج.

لكنه لم يكد يمسح دماء وجهه حتى سمع هديراً مختلفاً. هديراً لم يأتِ من وحش عادي.

نظر إلى السهل المفتوح خارج السور.

كان الجد الفضي يتحرك.

لم يعد واقفاً في مكانه. كان يمشي. ببطء. متعمداً. كمن يقول: انتهى وقت اللعب. خلفه، كان الثعلب العجوز والأيل ذو القرون الضخمة يتحركان معه، وعيونهما الثلاثة مثبتة على القصر.

وفجأة، نزل سارجيس من السور.

لم يقفز. نزل كالسهم، درعه الأسود يلمع تحت الغبار، وسيفه المرسوم في يده اليمنى. مشى نحو الجد الفضي بخطى ثابتة، ووقف على بعد خمسين متراً منه. كل من على السور توقف للحظة عن القتال لينظر إليهما.

سارجيس رفع سيفه إلى السماء، ثم أنزله ببطء أمامه. لم يقل شيئاً. لم يكن بحاجة إلى كلمات.

الجد الفضي زأر.

لم يكن زئير تهديد. كان زئير بدء معركة.

اندفع الوحشان نحو بعضهما بسرعة عمياء. القرد ضرب بقبضته اليمنى، وسارجيس صدّ بساعده الأيسر. كانت الضربة كجبل سقط على جدار حديدي. الأرض تحت أقدامهما تشققت، وتطايرت الحجارة في كل اتجاه.

لكنهما لم يتوقفا. القرد ضرب مجدداً، وسارجيس التف حول الضربة وطعن سيفه في كتف القرد. لم يخترق الجلد كثيراً، لكنه رسم خطاً من الدم الأسود على الفراء الرمادي.

زأر القرد من الألم، وضرب الأرض بكلتا قبضتيه. موجة صدمة هائلة انطلقت، رفعت سارجيس عن الأرض وألقته إلى الخلف. لكنه هبط على قدميه، كقطة تهبط دائماً على أربع.

"هل هذا كل ما لديك؟" صرخ سارجيس.

القرد لم يرد. اندفع مجدداً.

في تلك الأثناء، على الجانب الشرقي من الساحة خارج السور، كان الذئب الأسود العملاق والسحلية الزرقاء يتحركان نحو البلدة. لم يهاجما بعد. كانا ينتظران إشارة من الملك.

لكن قبل أن تصل الإشارة، نزل رجل من فوق السور.

لم يقفز كسارجيس. هبط بهدوء، كأنه يخطو على سجادة من حرير. كان يرتدي درعاً فضي اللون يلمع كالثلج، وشعر أشقر طويل مربوط خلف رأسه. كان في أوائل الثلاثين، وجهه وسيم لكن عينيه كانتا باردتين كالشتاء. في يده اليمنى سيف طويل مستقيم، وفي يده اليسرى كرة ضوء أزرق تهتز كقلب حي.

"أنا اللورد أنتوني،" قال بصوت لم يرفعه لكنه وصل إلى أذن كل من على السور. "نائب اللورد سارجيس. هؤلاء الاثنان لي."

الذئب الأسود نظر إلى السحلية. السحلية أدارت رأسها نحو أنتوني. كلاهما شعر بشيء مختلف في هذا الرجل. ليس مجرد قوة، بل ثقة. ثقة من رأى ألف معركة وخرج منها حياً.

انقض الذئب أولاً. كان أسرع من العين، يركض كالسهم الأسود. فمه مفتوح نحو عنق أنتوني.

لكن أنتوني لم يتحرك. انتظر حتى كاد الذئب يلمسه، ثم ضرب الأرض بقبضته اليسرى.

جدار جليدي ضخم ارتفع فجأة بينه وبين الذئب، بارتفاع ثلاثة أمتار. الذئب اصطدم به كطائر يصطدم بزجاج، وسقط على الأرض مذهولاً.

قبل أن يستعيد توازنه، كان أنتوني قد قفز فوق الجدار الجليدي، وسيفه يشتعل بنار زرقاء. ضرب الذئب على ظهره. لم تكن ضربة قاتلة، لكنها أحرقت جزءاً من فرائه الأسود، وتركت جرحاً عميقاً ينزف.

الذئب عوى بألم وركض مبتعداً لمسافة آمنة.

لكن السحلية كانت قد اقتربت. زحفت بسرعة أكبر مما يتوقع أي إنسان، وذيلها الطويل المغطى بالحراشف الحادة انطلق كالسوط نحو أنتوني.

قفز أنتوني في الهواء، ودوره في الجو، ثم هبط على ظهر السحلية. أمسك بقرن من قرون رأسها، وغرز سيفه في رقبتها. السيف الناري اخترق الحراشف كالسكين في الزبدة.

السحلية صرخت وبدأت تتقلب بعنف لترميه. لكن أنتوني تمسك بقوة، وسيفه لا يزال في رقبتها، يوسع الجرح كلما تحركت.

"يا جنود أفير! الآن!" صرخ أنتوني.

على السور، تحرك الجنود العشرة الذين أتوا مع سارجيس. كل واحد منهم كان في مستوى نجمتين على الأقل. قفزوا من السور وانضموا إلى المعركة خارج الأسوار، موزعين أنفسهم بين الثعلب العجوز والأيل ذي القرون والوحوش الكبيرة الأخرى.

بدأ القتال الحقيقي.

كان الجنود العشرة مدربين على قتال الوحوش، ليس كالمغامرين العاديين. كانوا يتحركون كآلة واحدة، يساند بعضهم بعضاً، يغطون نقاط ضعف بعضهم. اثنان منهم اشتبكا مع الثعلب العجوز. الثعلب كان سريعاً وماكراً، لكنه لم يستطع التغلب على التناغم بين الجنديين. كلما اندفع الثعلب نحو أحدهما، كان الآخر يهاجمه من الخلف. كلما حاول الهرب، كان أحدهما يقطعه الطريق.

ثلاثة آخرون اشتبكوا مع الأيل. الأيل كان خطراً بقرونه الطويلة الحادة. كل طعنة منه كانت كرمح يخترق الحجر. لكن الجنود تفادوا بحذر، وبدأوا بإرهاقه، يركضون حوله في دوائر، يستنزفون طاقته.

البقية انتشروا بين الوحوش الصغيرة، يقتلون بسرعة وكفاءة، مخففين الضغط عن المدافعين على السور.

على السور نفسه، كان ألفين يقاتل كرجل لا يعرف معنى التعب.

لم يعد مجرد طبيب. تحول إلى آلة حرب. كان يستخدم كراته النارية الزرقاء لقتل أي وحش يقترب من المناطق المهددة، وفي نفس الوقت كان يرمم الجروح الطفيفة للمقاتلين بلمسة من يده. كان كالأب الروحي للسور: يحمي ويعالج في نفس الوقت.

"أنت هنا!" صرخ تومان بينما كان يلهث بجانب ألفين. "السحلية الصغيرة قتلت ثلاثة منا!"

"أين هي؟"

تومان أشار نحو الجهة الجنوبية. ألفين أومأ، ثم اختفى. بعد دقائق، سمع تومان صرخة سحلية، ثم صمت.

في المكان نفسه، كانت يونار تقود مجموعة من القناصة على برج خشبي شيد خلف السور.

لم يكونوا وحدها. معها خمسة قناصة آخرين من مغامري أفير ومن الجنود المرافقين لسارجيس. كانوا يطلقون النار بانتظام، ليس على الوحوش الصغيرة، بل على الأهداف الكبيرة: الذئب الأسود عندما حاول الاقتراب من أنتوني، الثعلب العجوز عندما كاد يهرب من الجنود، وأي وحش في مستوى نجمة واحدة كان يشكل خطراً على السور.

"هناك!" صرخت يونار مشيرة إلى وحش ضخم يشبه الدب، كان يحاول تحطيم بوابة البلدة الخشبية.

أربعة سهام سحرية أصابته في آن واحد. سقط الدب على جنبه، لم يمت لكنه تخلى عن محاولته.

نورد كان لا يزال على السور. كان جسده مرهقاً، وعيناه تدمعان من الغبار والدم، لكنه لم يتوقف.

تحذير: وحش مستوى نجمة متوسطة يتجه نحو موقعك. نوعه: زاحف متسلق. سرعته عالية.

التفت نورد فرأى شيئاً يشبه الحرباء العملاقة، بطول ثلاثة أمتار، كانت تتسلق السور بسرعة مرعبة. مخالبها كانت تخترق الحجر كأنه طين.

لم يكن نورد في مستوى مواجهة وحش نجمة متوسطة. كان يعرف ذلك. لكنه كان في طريقه لقتل عدد من المدافعين الضعفاء خلفه.

لم يتراجع. لم يستطع.

قفز نورد نحو الحرباء، وسيفه مرسوم. ضربها على رأسها، لكن السيف انزلق عن الحراشف القاسية دون أن يسبب ضرراً حقيقياً. الحرباء أدارت رأسها بسرعة، ولسانها الطويل انطلق نحو وجه نورد.

تفادى في اللحظة الأخيرة. اللسان مر بجانب أذنه، محدثاً صوت صفير عالياً.

التفوق الجسدي واضح. لا تقاتلها مباشرة. استهدف عينيها.

نورد تراجع خطوة، ثم اندفع مجدداً. هذه المرة لم يضرب، بل طعن. سيفه اخترق عين الحرباء اليمنى.

صرخت الحرباء بألم، وتراجعت إلى الخلف، كادت تسقط من على السور. لكنها تمسكت بحافة الحجر، وبدأت تتعمى تضرب بلسانها في كل اتجاه.

نورد انقض مجدداً، وطعن عينها الثانية.

سقطت الحرباء من على السور، وارتطمت بالأرض خارج البلدة. لم تمت، لكنها لن تعود للقتال قريباً.

قتال جيد. لكن استنزفت 67% من طاقتك. خذ قسطاً من الراحة.

لم يستمع نورد. كان ينظر إلى ساحة المعركة خارج السور.

هناك، كان أنتوني قد انتهى تقريباً من السحلية.

السحلية كانت غارقة في دمائها، جسدها يغطيه الجروح والحروق. أنتوني وقف أمامها، سيفه المشتعل مرتفع فوق رأسه.

"هذه النهاية،" قال بصوت بارد.

أنزَل السيف.

ليس كضربة عادية، بل كقاضٍ يصدر حكماً. السيف الناري اخترق السحلية من الرأس إلى الذيل، وقسمها إلى نصفين متساويين تقريباً. الدماء الساخنة تناثرت على العشب، وأحشاؤها خرجت كالأفعى الميتة.

الجنود على السور صرخوا فرحاً. حتى يونار أطلقت طلقة في الهواء احتفالاً.

لكن الذئب الأسود لم يستسلم. كان ينظر إلى أنتوني بعيون مليئة بالكراهية والخوف. كان يعرف أنه التالي.

لكن أنتوني لم يهاجمه. كان هناك هدف أكبر.

نظر نحو سارجيس والجد الفضي.

كان الاثنان لا يزالان يتقاتلان بضراوة. الأرض من حولهما كانت محفورة بالكامل، وكأن عاصفة مرت عليها. كل ضربة من القرد كانت تحفر حفرة، وكل ضربة من سارجيس كانت ترسم خطاً من النار في الهواء.

سارجيس كان ينزف من كتفه اليسرى، ووجهه كان مغطى بالغبار والدم. لكنه كان لا يزال يقاتل. بل كان يقاتل بشكل أفضل مما توقع الجميع.

الجد الفضي أيضاً أصيب. صدره كان يغطيه دم أسود من جرحين عميقين، وذراعه اليمنى كانت تتحرك ببطء أكثر من اليسرى.

لكن لا أحد منهما كان على وشك الاستسلام.

قفز سارجيس في الهواء، وجمع قوته في قبضته اليمنى، وضرب القرد على رأسه ضربة كصاعقة. القرد تراجع خطوات، وتمايل للحظة، وكاد يسقط.

لكنه لم يسقط.

وقف مجدداً، وعيناه كانتا أكثر احمراراً من أي وقت مضى. فتح فمه، وبدأت طاقة سوداء تتجمع في حلقه.

"الجميع! ابتعدوا!" صرخ سارجيس.

لكن القرد لم يطلق تلك الطاقة. تراجع خطوتين إلى الخلف، ثم أشار إلى الثعلب والأيل. الثعلب كان قد أصيب بجروح بالغة، والأيل كان بالكاد يقف. كلاهما تراجعا مع القرد نحو الغابة.

لم تكن هزيمة. كان انسحاباً منظماً. القرد كان يقول: لم أنتهِ. سأعود. وهذه المرة، لن تفلت.

سارجيس لم يطارده. كان مرهقاً لدرجة أنه بالكاد يقف. أنتوني هرع إليه ورفعه على كتفه، وعاد به إلى داخل السور.

عند بوابة أفير، استقبل الناس سارجيس بالصراخ والتصفيق. كانوا يعرفون أنهم لم ينتصروا، لكنهم لم يخسروا أيضاً. وبقاءهم على قيد الحياة كان انتصاراً بحد ذاته.

نورد وقف على السور، ينظر نحو الغابة التي ابتلعت القرد وجيشه.

كان يعرف أن المعركة الحقيقية لم تنته بعد. وكان يعرف أن المعركة القادمة ستكون أعنف.

لكنه كان مستعداً. ليس لأنه قوي، بل لأنه كان لا يزال حياً. وهذا كان كافياً.

2026/05/17 · 12 مشاهدة · 1527 كلمة
نادي الروايات - 2026