استغرقت الرحلة من مدينة جورجان إلى أفير يومين كاملين على ظهور الخيل، حتى لأسرع الفرسان. لكن اللورد أفاران وصل في أقل من يوم ونصف.
لم يتوقف للأكل إلا مرات قليلة، وفي كل مرة كان يأكل وهو على ظهر حصانه. لم ينم إلا ساعتين عندما غربت الشمس، ثم استأنف الركض في ظلمة الليل مستعيناً بقوة مستواه الثالث لتضييق بصره وتحديد الاتجاهات. حصانه كان منهكاً بالكاد يقف عندما وصل إلى مشارف أفير، لكن أفاران لم ينزل. نظر إلى البلدة للحظة، ثم أدار وجهه نحو الغابة.
"الحصان تعب،" قال لأحد الحراس الذين خرجوا لاستقباله. "اعتنوا به. سأكمل سيراً."
"سيدي، الغابة محظورة. القرد..."
"أعرف ما في الغابة أفضل منك."
لم ينتظر رداً. انطلق على قدميه بسرعة تفوق أي حصان مرهق. الحراس نظروا إلى بعضهم مذهولين، لكن لم يجرؤ أحد على اتباعه.
دخل أفاران الغابة من الجهة الجنوبية الشرقية، حيث الأشجار أقل كثافة والطرق أوضح. لم يحاول التخفي. لم يحاول التحرك بصمت. كان يريد أن يعلم القرد أنه قادم.
الغابة الداخلية كانت مظلمة وباردة، ورائحة الدم والعفن كانت تملأ المكان. كان أفاران يتبع آثار الأقدام الضخمة بسهولة. القرد لم يحاول إخفاءها. كان واثقاً من قوته، متأكداً أن لا أحد يجرؤ على اقتحام عرينه.
كان مخطئاً.
بعد ساعة من السير المتواصل، وصل أفاران إلى فجوة واسعة بين الأشجار. كان القرد جالساً هناك، على عرش من الحجارة والخشب، محاطاً بجثث حيوانات أكلها وأخرى استعملها كزينة. إلى جانبه، كان الذئب الأسود ينام، والأيل العجوز يقف حارساً. الثعلب الأبيض كان قد مات من جراحه منذ أسبوع، وأكلته الوحوش الصغيرة.
رفع القرد رأسه عندما شم رائحة البشر. عيناه الذهبيتان التقتا بعيني أفاران. زأر زئيراً تحذيرياً منخفضاً، لكنه لم يهاجم على الفور. كان يتأمل هذا الإنسان الجديد. كان مختلفاً عن سارجيس. كان أكبر، وأكثر هدوءاً، وأكثر... خطراً.
"أيها القرد العجوز اللعين الذي يريد أن يموت،" قال أفاران بصوته الجهير. "اخرج. أرني مؤخرة أمك. سأريكم كيف يموت الملوك."
لم يفهم القرد الكلمات. لكنه فهم النبرة. كانت نبرة من لا يخاف. نبرة من جاء ليقتل، لا ليقاتل.
زأر القرد بأعلى صوته. الأرض اهتزت، والطيور هربت من الأشجار القريبة. ثم انقض.
لكمته كانت كالصاعقة. لو أصابت سور أفير، لكانت حطمته إلى نصفين. لو أصابت جبلاً صغيراً، لكانت فتحت فيه فجوة. كانت قوة خام، وحشية، لا تحتاج إلى تقنية.
لكن أفاران لم يتراجع.
قابل اللكمة بلكمة أخرى.
كانت اللكمة أسرع، وأقوى، وأكثر تركيزاً. لم يضرب القرد في قبضته فقط، بل ضرب العظم من الداخل. سمع صوت تكسر واضح ككسر غصن شجرة جاف.
ثم صرخ القرد.
"أهههخخخخ!"
لم يصرخ هكذا منذ عقود. لم يتذكر حتى متى آخر مرة شعر فيها بهذا الألم. يده اليمنى تدلت بلا حراك، وعظامها تحطمت إلى قطع صغيرة.
لكن أفاران لم يتوقف. قفز في الهواء، ودور حول نفسه، ثم وجه ركلة قوية نحو رأس القرد.
الركلة أصابت الفك السفلي للقرد. سمع صوت تكسر مجدداً، وهذه المرة كان أعلى وأعمق. فك القرد تحطم إلى نصفين، ولسانه تدلى خارج فمه بلا سيطرة. الدم الأسود غطى صدره.
القرد تراجع إلى الخلف، يحاول الهرب. لأول مرة في حياته، شعر بالخوف الحقيقي. ليس خوف المنافس، بل خوف الفريسة.
لكن أفاران لم يسمح له بالهرب.
أمسك رمحه الأسود، وجمع قوته في ذراعه اليمنى. كانت عيناه تلمعان بضوء فضي خافت، وجسده كله كان يهتز بالطاقة. ثم أرجح الرمح، وضرب.
قطعت الرمح رأس القرد عن جسده كالسكين في الزبدة.
لم يكن هناك دماء كثيرة. الرمح كان حاداً جداً لدرجة أنه أغلق الأوعية الدموية وهو يقطعها. سقط الرأس على الأرض محدثاً صوتاً ثقيلاً، ثم تدحرج قليلاً قبل أن يستقر. عيناه الذهبيتان كانتا لا تزالان مفتوحتين، تنظران إلى السماء كما لو كانت تسأل: كيف؟
وقف أفاران فوق جثة القرد، ينظر إليه بلا شفقة. ثم نظر إلى الذئب والأيل اللذين كانا قد استيقظا من نومهما، ووقفا مرتجفين، لا يعرفان أيهما أسوأ: القرد الميت أم الإنسان الحي.
"أنتما التاليان،" قال أفاران بصوت هادئ.
لم يحتج إلى تكرار الكلام. قفز نحو الذئب أولاً، وطعنه برمحه في صدره قبل أن يركض. سقط الذئب ميتاً في ثانية. ثم التفت إلى الأيل، الذي حاول الهرب، لكن أفاران كان أسرع. رمحه طار في الهواء وغرز في رقبة الأيل من الخلف، فسقط الوحش على ركبتيه ثم انهار.
رفع أفاران الرؤوس الثلاثة: رأس القرد، ورأس الذئب، ورأس الأيل. قطع حبلاً من شجرة قريبة، وربط الرؤوس به، ثم علق الحبل على كتفه.
"انتهى،" قال بصوت خافت، ثم بدأ السير عائداً نحو أفير.
عند أسوار أفير، كان الحراس العشرة وسارجيس واقفين في حالة تأهب. لقد سمعوا الزئير من بعيد، الزئير الذي جعل قلوبهم ترتجف. لكنهم لم يتحركوا. كانوا ينتظرون.
ثم رأوه.
أفاران كان يمشي ببطء نحو البوابة، وكأنه في نزهة مسائية. على كتفه، كانت تتدلى ثلاث رؤوس. رأس القرد كان أكبر من جسد رجل بالغ، وكانت عيناه لا تزالان مفتوحتين.
الحراس العشرة صمتوا للحظة. ثم بدأوا يهمسون.
"هذا... هذا مستحيل."
"اللورد أفاران بنفسه؟"
"رأس القرد... مقطوع..."
نزل سارجيس من على السور بسرعة. كان يمشي نحو أستاذه بخطى متسارعة، ثم توقف على بعد خطوات منه. نظر إلى الرؤوس، ثم إلى أفاران، ثم ابتسم.
ابتسم ابتسامة عريضة، نادرة على وجهه الجاد.
"حضرة الحاكم،" قال سارجيس وهو ينحني برأسه. "لقد أنجزت في دقائق ما عجزت أنا عن إنجازه في أسابيع."
أفاران رمى الرؤوس على الأرض أمام سارجيس. ارتطمت محدثة صوتاً ثقيلاً، وتدحرجت قليلاً.
"الفرق بيني وبينك يا سارجيس،" قال أفاران، "أنك تحارب مثل الجندي. أنا أحارب مثل الحاكم. الجندي يريد الفوز. الحاكم يريد أن يمحو العدو من الوجود."
انحنى سارجيس مجدداً. "متعلم يا سيدي."
أنتوني كان قد نزل أيضاً، ووقف إلى جانب سارجيس. لم ينحنِ، بل وقف منتصباً، وعيناه تلمعان بإعجاب ورهبة في نفس الوقت.
"لقد علمتني كل ما أعرفه،" قال أنتوني. "لكن هذا... هذا يفوق تعليمك."
ابتسم أفاران ابتسامة صغيرة. "أنت لا تزال صغيراً يا أنتوني. لديك وقت لتتعلم."
اللورد فالتر، حاكم أفير، نزل من السور متأخراً. كان يمشي ببطء، وعيناه لا تصدقان ما تراه. وقف أمام أفاران، وفتح فمه ليقول شيئاً، لكن الكلمات لم تخرج.
"لا تقل شيئاً،" قال أفاران. "فقط افتح البوابة ودع الناس يرون."
أشار فالتر للحراس. فتحوا البوابة الرئيسية.
دخل أفاران إلى أفير والرؤوس الثلاثة لا تزال معلقة على كتفه. مشى في الشارع الرئيسي ببطء، والناس كانوا يخرجون من بيوتهم ليروا ما هذه الضجة.
أول من رآه كانت امرأة عجوز تبيع الخضار. نظرت إلى الرؤوس، ثم صرخت.
الثاني كان طفلاً صغيراً. نظر إلى رأس القرد، ثم بدأ يبكي.
الثالث كان جندياً جريحاً كان يتعافى في عيادة مؤقتة. نظر، ثم سجد على الأرض.
"الحاكم العسكري!" صرخ أحدهم.
ثم صرخ آخر. ثم صرخ الكل.
"الحاكم العسكري قتل الوحش!"
"الرؤوس! انظروا إلى الرؤوس!"
"مات القرد! مات!"
انتشر الخبر كالنار في الهشيم. في دقائق، كانت الشوارع قد امتلأت بالناس. كانوا يصرخون، يصفقون، يبكون من الفرح. بعضهم ركعوا على الأرض ورفعوا أيديهم إلى السماء شاكرين آلهة لا يعرفون أسماءها. وآخرون احتضنوا بعضهم.
كانت ساحة أفير قد تحولت إلى ساحة احتفال.
نورد كان واقفاً عند نافذة منزله عندما سمع الضجة. نزل إلى الشارع بسرعة، وركض نحو الساحة. دفع الناس جانباً حتى وصل إلى المقدمة.
هناك، رأى اللورد أفاران لأول مرة.
كان رجلاً ضخماً، أطول من أي رجل في أفير. شعره الأسود المصبوغ كان يلمع تحت الشمس، وعيناه الرماديتان الباردتان كانتا تمسحان الحشد كنسر يبحث عن فريسة. كان يرتدي درعاً أسود بسيطاً، لكنه بدا عليه وكأنه لا يحتاج إلى درع.
وعلى الأرض أمامه، كانت الرؤوس الثلاثة.
القرد، الذئب، الأيل.
نظر نورد إلى رأس القرد. كانت عيناه مفتوحتين، تنظران إلى السماء كما لو كانتا لا تصدقان ما حدث. الفك السفلي كان متحطماً، والدم الأسود كان لا يزال يقطر من الرقبة المقطوعة.
"مات،" همس نورد لنفسه. "مات حقاً."
وقفت الشريحة تنبض في رأسه كقلب ثانٍ.
تأكيد: الجد الفضي، مستوى ثلاث نجوم منخفض، تم القضاء عليه بواسطة اللورد أفاران، مستوى ثلاث نجوم متقدم. فارق مستوى واحد فقط، لكن الفارق في المهارة والقوة الخام كان هائلاً. هذا يدل على أن المستوى ليس كل شيء. التقنية، الخبرة، والوحشية تلعب أدواراً حاسمة.
لم يهتم نورد بتحليل الشريحة الآن. كان يشعر بشيء واحد فقط: الفرج.
انتهى الحظر. انتهى الخوف. انتهى القرد اللعين الذي منعه من دخول غابته وجمع أعشابه.
رفع يده إلى السماء وصرخ مع الناس. لم يكن يصرخ لأفاران، بل كان يصرخ للغابة التي سيعود إليها غداً.
في اليوم التالي، أصدر سارجيس قراراً رسمياً: إلغاء حظر التجول ليلاً، وإعادة فتح الغابة للمغامرين والصيادين وجامعي الأعشاب.
القرار نشر على جدران البلدة، وأعلنه المنادون في الساحات. الناس احتفلوا مجدداً، لكن بشكل أكثر هدوءاً هذه المرة. كانوا قد أنفقوا معظم فرحهم أمس.
نورد استيقظ مع شروق الشمس. كان نام باكراً في الليلة السابقة، بعد أن ظل ساهراً حتى منتصف الليل يحتفل مع تومان وبقية الشباب في الحانة. كان رأسه ثقيلاً قليلاً من البيرة، لكن قلبه كان خفيفاً.
خرج من غرفته ووجد فيرس جالساً على طاولة المطبخ، يشرب قهوته الصباحية بهدوء.
"غداً،" قال نورد قبل أن يجلس.
"ماذا غداً؟"
"سنذهب إلى الغابة. الفرقة كلها. سنجمع الأعشاب. سأخزن ما يكفي لشهرين على الأقل."
ابتسم فيرس ابتسامة أب يعرف أن ابنه لا يفكر في المال أو المجد، بل في شيء آخر لا يفهمه تماماً. "حسناً. سأخبر البقية."
في القصر، كان اللورد أفاران يُستقبل بحفاوة هائلة.
لم يكن يحب الاحتفالات. كان يفضّل العودة إلى مكتبه في جورجان، والنوم في سريره المريح، ونسيان هذه المغامرة الصغيرة. لكن سارجيس أصر على أن يبقى يوماً واحداً على الأقل، "ليرى الناس وجه منقذهم".
جلس أفاران على كرسي اللورد فالتر (الذي أصر على التنازل له مؤقتاً)، والناس كانوا يأتون تباعاً ليشكروه. بعضهم جلب له هدايا بسيطة: جبن، خبز، نبيذ محلي. وآخرون جلبوا له أطفالهم ليباركهم. وآخرون فقط أرادوا أن يلمسوا يده.
أفاران تحمل كل هذا بصبر مذهل. كان يبتسم ابتسامة مصطنعة، ويشكر الناس بكلمات قصيرة، ويلمس رؤوس الأطفال دون حماس.
لكن عينيه كانتا تبحثان عن شيء آخر.
"سارجيس،" همس في أذن نائبه عندما انتهى الصف مؤقتاً. "أين ذاك الفتى؟ نورد كاسيان؟"
سارجيس نظر حوله. "لم أره اليوم. ربما في المنزل. أو في السوق."
"أحضره. أريد أن أراه."
"سيدي، إنه مجرد فتى موهوب. ليس لديه أي أهمية عسكرية."
نظر أفاران إلى سارجيس بعينيه الرماديتين الباردتين. "أنا لم أسأل عن أهميته العسكرية. قلت أحضره."
سارجيس انحنى وخرج.
جلس أفاران وحده في الغرفة الكبيرة، ينظر من النافذة نحو الغابة البعيدة. كان يفكر في الفتى الذي وصل إلى نجمة واحدة في أقل من شهرين. في ابن جامع التحف العادي الذي أصبح مقاتلاً في وقت قياسي.
كان يعرف أن الموهبة وحدها لا تفعل هذا. كان يعرف أن هناك سراً ما.
وكان ينوي اكتشافه.
في منزل نورد، كان نورد يجهز حقيبة ظهره للغد. وضع فيها قوارير فارغة لجمع الأعشاب، وسكيناً صغيراً، وضمادات، وزجاجة ماء، وبعض الطعام الجاف.
لم يكن يعرف أن اللورد أفاران طلب رؤيته.
لم يكن يعرف أن حياته كانت على وشك التغيير مجدداً.
كان فقط يفكر في الغابة. في الأعشاب التي سيجمعها. في التقدم الذي سيحرزه.
في المستقبل.