لم يعد أحد يحسب الأيام. ربما شهران، ربما ثلاثة، ربما أكثر بقليل. الزمن في أفير لم يعد يقاس بالساعات والأيام، بل بالأحداث. قبل القرد وبعده. قبل أفاران وبعده. قبل أن يصبح نورد كاسيان نجمة في الذهن وبعده.
لكن ذلك اليوم كان مختلفاً.
كان نورد جالساً على حافة نافورة البلدة القديمة، سيفه الخشبي موضوع إلى جانبه، وعيناه مغمضتان. كان يتأمل. ليس كالمعتاد، بل تأملاً عميقاً، تأملاً شعر فيه أن جسده كله أصبح خفيفاً كالريشة، وعقله أصبح شفافاً كالماء النقي.
لم يكن يعلم أنه يخترق حاجزاً جديداً. لم يكن يعلم أن النقطة السوداء الصغيرة التي كان يركز عليها منذ أشهر لم تعد مجرد نقطة، بل أصبحت بوابة.
فتح عينيه.
كان العالم مختلفاً.
لم تتغير الألوان، ولم تتغير الأشكال، لكن هناك شيئاً آخر تغير. كان يرى التفاصيل بدقة لم يكن يعرفها من قبل. يرى تجاعيد أوراق الشجر البعيدة، وحركة النمل على الجدران البعيدة، وانعكاس الضوء على قطرات الندى التي لم يكن يراها إلا إذا اقترب منها.
كما لو كانت عيناه قد التقطتا صورة أوضح للعالم.
كما لو كان عقله قد تعلم كيف يفسر ما تراه عيناه بشكل أفضل.
وقف من على حافة النافورة، وأخذ نفساً عميقاً. الهواء كان منعشاً، لكنه شعر برائحة الأشياء بشكل منفصل: رائحة التراب، رائحة الخبز من المخبز البعيد، رائحة الزهور البرية خلف السور، حتى رائحة عرق المارة في الساحة.
لم يكن سحراً. لم يكن قوة خارقة. كان فقط... تركيزاً.
تركيزاً وصل إلى مستوى جديد.
تأكيد: المستخدم عبر عتبة نجمة واحدة منخفضة في مسار الذهن. التغيرات: تحسن في الإدراك الحسي، زيادة في سرعة معالجة المعلومات، تحسن في الذاكرة قصيرة المدى، قدرة محسنة على تعدد المهام الذهنية. التقدير: زيادة عامة في القدرات الذهنية بنسبة تتراوح بين 45% و 60% حسب المجال.
ابتسم نورد. لم يقل شيئاً. لم يصرخ. لم يرفع يديه إلى السماء. فقط وقف هناك، في ساحة البلدة، والناس من حوله لا يعلمون ما حدث لتوهم.
لكن تومان لاحظ شيئاً.
كان جالساً على بعد أمتار، يأكل تفاحة ويتحدث مع أحد أصدقائه. نظر إلى نورد، ورأى شيئاً مختلفاً في عينيه. لم يعرف ما هو، لكنه عرف أن هناك شيئاً حدث.
"نورد؟" ناداه تومان. "هل أنت بخير؟ عيناك... غريبتان."
"أنا بخير،" قال نورد مبتسماً. "أفضل من بخير."
وقفت تومان ومشى نحوه. نظر إليه من قريب، ثم ابتعد، ثم نظر مجدداً. "هناك شيء مختلف فيك. لا أعرف ما هو. لكنه مختلف."
"ربما نمت جيداً الليلة الماضية."
"لا. ليس هذا." تومان هز رأسه. "أنت تبدو... أكثر وضوحاً. كأنني أراك لأول مرة."
لم يجب نورد. كان يعرف أن تومان لا يستطيع فهم ما حدث. كان بالكاد يفهمه هو نفسه.
في المساء، كان الجميع مجتمعين في ساحة البلدة، كما تفعلون أحياناً عندما لا يكون هناك عمل في الغابة. كان الطقس لطيفاً، والسماء صافية، والهواء منعشاً. بعضهم جلب طعامه، وبعضهم جلب شرابه، والبعض الآخر جلس فقط ليتحدث.
نورد جلس إلى جانب تومان وفريد ويونار ويورس وأركو. فيرس كان مشغولاً بالحديث مع بعض التجار عن أسعار الأعشاب الجديدة. كان جو الأمسية هادئاً، ممزوجاً بضحكات متقطعة وحكايات قديمة.
فجأة، قال تومان بصوت عالٍ: "نورد وصل إلى شيء جديد اليوم. لا تسألوني ما هو، لكنه وصل إلى شيء جديد."
نظر الجميع إلى نورد. بعضهم بفضول، وبعضهم بدهشة، وبعضهم بحسد خفيف لم يظهروه.
"ماذا يعني شيء جديد؟" سأل أحد المغامرين الشباب، كان في العشرين من عمره، اسمه كيران، لم يصل بعد إلى أي نجمة.
نظر نورد إلى كيران. كان يعرف أنه لا يستطيع إخفاء الأمر. فالجميع سيعرف قريباً. أخفاء التقدم في عالم القوة كان مستحيلاً، كأخفاء الظل في يوم مشمس.
"لقد وصلت إلى نجمة واحدة منخفضة في الذهن،" قال نورد بهدوء.
صمت المكان للحظة.
ثم انفجر الجميع بالكلام.
"ماذا؟ مرة أخرى؟"
"الذهن أيضاً؟"
"يا إلهي، كم عمرك؟ ستة عشر؟"
"ستة عشر ونصف،" قال نورد مبتسماً.
"ستة عشر ونصف، وأنا في الثالثة والعشرين وما زلت عالقاً في مستوى عادي،" قال كيران، وعبس وجهه كمن شرب ليموناً.
ضحك الجميع.
أحد المغامرين، كان أكبر سناً، في الأربعين، ووجهه مغطى بندوب قديمة. كان اسمه مارتن، وكان في مستوى نجمة واحدة في القتال منذ عشر سنوات دون تقدم. نظر إلى نورد بعيون خبيرة.
"أخبرني، يا فتى. كيف تفعلها؟ كيف تصل إلى هذه المستويات بهذه السرعة؟"
كان هذا هو السؤال الذي كان الجميع يريد طرحه، لكنهم كانوا يخجلون. الآن، مع جرأة مارتن، خرج السؤال إلى العلن.
نظر نورد حوله. كان يعرف أن عليه أن يقول شيئاً. لا يمكنه الصمت، ولا يمكنه قول الحقيقة. كان عليه أن يجد طريقاً وسطاً.
"أتدرب كثيراً،" قال نورد. "أستيقظ قبل الفجر، وأتمرن حتى الظهر. ثم أتأمل بعد الظهر. ثم أقرأ الكتب في المساء. ولا أنام قبل منتصف الليل."
"هذا كل شيء؟" سأل أحدهم.
"وهذا ليس كل شيء،" تابع نورد. "والدي يساعدني بالأعشاب. وأصدقائي يساعدونني بالتدريب. وأنا لا أستسلم أبداً. حتى عندما أكون متعباً، أو مريضاً، أو خائفاً، أستمر."
"أنا أيضاً أتدرب كثيراً،" قال كيران. "لكنني لم أصل إلى ما وصلت إليه."
"ربما لأنك لا تتأمل،" قال نورد. "القتال وحده لا يكفي. العضلات وحدها لا تصنع بطلاً. عقلك يحتاج إلى التدريب أيضاً."
صمت كيران. كان يعرف أن نورد على حق. كان يهمل التأمل دائماً، بحجة أنه مضيعة للوقت.
مارتن هز رأسه بإعجاب. "أنت لست طبيعياً يا فتى. ربما أنت ابن السماء."
ضحك الجميع. كانوا يعرفون قصة "ابن السماء". في مملكة فوجا، كان القديس فوجا الأول هو "ابن السماء" الوحيد. وصل إلى ست نجوم في السحر وخمس نجوم ذروة في القتال، وكان مؤسس المملكة. لم يظهر أحد في تاريخ فوجا كله في المستوى السادس بعده. أسطورة حية، لكنها أسطورة قديمة.
"أنا لست ابن السماء،" قال نورد ضاحكاً. "أنا ابن فيرس، جامع التحف."
"نفس الشيء،" قال مارتن. "ابن فيرس، ابن السماء، لا فرق."
ضحك الجميع مجدداً. حتى فيرس، الذي كان يسمع من بعيد، ابتسم ابتسامة عريضة.
بينما كان الضجيج يهدأ، وقفت شابة من بين الحشد.
كانت طويلة، شعرها بني مصفف في ذيل حصان، وعيناها خضراوان حادتان. كانت ترتدي درعاً جلدياً خفيفاً، وسيفاً طويلاً على ظهرها، وخنجراً عند خصرها. كانت في مستوى نجمة متوسطة في السحر، ونجمة منخفضة في الذهن. اسمها لارا، وكانت مغامرة محترمة في أفير منذ خمس سنوات.
"نورد كاسيان،" قالت بصوتها الواضح.
توقف الجميع عن الكلام. عرفوا أن لارا لا تتحدث إلا عندما يكون لديها شيء مهم لتقوله.
"فرقي وفرقك تسع سنوات. عمري خمسة وعشرون، وعمرك ستة عشر." مشت بضع خطوات نحو نورد، وعيناها لا تفارقان وجهه. "ومع ذلك، أنت تقترب مني. بل قد تكون تفوقت عليَّ في الذهن."
توقفت أمامه، ووضعت يدها على خصرها، وأمالت رأسها قليلاً.
"هيهيهيهي."
لم تكن ضحكة ساخرة. كانت ضحكة خفيفة، ممزوجة بالدهشة والإعجاب والحسد الصحي.
"أريد أن أتنافس معك يا ابن فيرس."
صمت المكان. المنافسة بين مغامرين ليست أمراً نادراً، لكن منافسة شخص في عمر نورد مع شخص في عمر لارا كانت نادرة.
قبل أن يجيب نورد، شعر بيد ضخمة تهبط على ظهره.
كانت يد فريد.
ضربته على ظهره بقوة كادت تلقيه أرضاً. "هاهاهاها!" ضحك فريد بصوته الجهير. "انظر إلى ابننا الموهوب! بدأت أرى فيك مستقبل جنرال!"
"عمي فريد،" قال نورد وهو يحاول استعادة توازنه. "أبي لن يسمح لي أن أكون جنرالاً. أنا بالكاد سمح لي بأن أصبح مغامراً."
"فيرس؟" نظر فريد نحو فيرس الذي كان لا يزال بعيداً. "ذلك الرجل العجوز؟ لا تسمع كلامه. أنا عمك، اسمع كلامي."
"أنت لست عمي حقاً."
"نفس الشيء."
ضحك الجميع مجدداً. حتى لارا ابتسمت، وغمزت لنورد بعينها. "لن نتنافس اليوم. أنت منهك من اختراقك الجديد. لكن الأسبوع القادم... في ساحة التدريب. لا تتأخر."
"سأكون هناك،" قال نورد.
عادت لارا إلى مكانها، وبدأت تتحدث مع أصدقائها كأن شيئاً لم يحدث. لكن عينها كانت ترمق نورد بين الحين والآخر، كمن يدرس خصماً قبل المعركة.
تفرق الجميع بعد ساعة. كان المساء قد حل، والسماء بدأت تتلون بالبرتقالي والأحمر. بعضهم عاد إلى منازلهم، وبعضهم توجه إلى الحانة، والبعض الآخر جلس في الساحة يتحدث بهدوء.
نورد بقي وحيداً.
جلس على حافة النافورة مجدداً، وسيفه الخشبي إلى جانبه، وعيناه على السماء المتغيرة.
كان يفكر.
لم يكن يفكر في لارا، ولا في المنافسة، ولا في المستقبل. كان يفكر في الشريحة. في كل ما فعلته من أجله. في كل ما ستفعله بعد اليوم.
"شريحة،" همس بصوت خافت. "هل هذا الاختراق يفيدك؟"
توقف للحظة، ثم جاء الجواب:
تم تعزيز قدرات الحساب والمحاكاة والتحليل وحل المشكلات وكافة القدرات المعرفية بنسبة تتراوح بين 60% و76% حسب المجال. تم تعزيز قدرة المسح النظري بنسبة 28%.
الخلاصة: الشريحة أصبحت أكثر كفاءة في تحليل البيانات واستخلاص النتائج وتقديم التوصيات. قدرة المسح النظري تعني قدرة الشريحة على تحليل المواقف والبيئات دون الحاجة إلى بيانات مسبقة كثيرة، مما يقلل الاعتماد على التجربة والخطأ.
شكراً للمستخدم على التقدم. استمر.
ابتسم نورد.
لم تكن الشريحة قد شكرته من قبل. ربما كانت هذه أول مرة. أو رباحنا كان يتوهم.
نظر إلى السماء مجدداً. النجوم بدأت تظهر واحدة تلو الأخرى، كعيون تراقب العالم من فوق.
كان يعرف أن الطريق لا يزال طويلاً. نجمة واحدة فقط. كان يحتاج إلى ثمان نجمات أخرى ليصل إلى قمة أي مسار. ثمان نجمات. كل واحدة أصعب من التي قبلها.
لكنه كان في بداية الطريق فقط. وكانت البداية جيدة.
وقف من على حافة النافورة، وأخذ سيفه الخشبي، ومشى عائداً إلى المنزل.
كانت خطواته واثقة، وعيناه حادة، وقلبه مليء بالأمل.
كان يعرف أن الغد سيكون أفضل من اليوم. وبعد غد سيكون أفضل. وبعد عام، سيكون أقوى مما يتخيل.
وبعد عام... سيواجه مصيره.
لكن الآن، كان الوقت للاحتفال. بالطريقة الهادئة التي يحبها.
بالجلوس وحيداً على سطح المنزل، والنظر إلى النجوم، والتحدث مع شريحة لا يراها أحد.
كان هذا احتفاله. وكان كافياً.