كان الصباح بارداً عندما استيقظ نورد. السماء كانت صافية، والشمس كانت قد بدأت تطل من خلف التلال البعيدة، تعد بيوم طويل. لم يأكل كثيراً. فقط قطعة خبز مع قليل من العسل، وكوب من الحليب الدافئ. أركو قال له مرة إن الأكل الثقيل قبل القتال يبطئ الحركة ويجعل المعدة ثقيلة. وكانت الشريحة تؤكد ذلك.
توصيات قبل القتال: الحفاظ على طاقة الجسم دون إثقال المعدة. معدل الأكل الحالي مناسب. يوصى بشرب الماء قبل ساعة من القتال، وليس قبله مباشرة.
ارتدى نورد ملابسه البسيطة: قميص كتاني متين، سروال جلدي، حذاء طويل يصل إلى منتصف الساق. سيفه الحقيقي كان معلقاً على ظهره. كان يلمع قليلاً تحت ضوء الشمس، وهو ما جعله يبدو أكثر فخامة مما هو عليه في الحقيقة. درعه الجلدي كان قد أعاد ترميمه فريد قبل أيام، وكان يبدو كالجديد تقريباً.
نظر إلى نفسه في المرآة الصغيرة المعلقة على جدار غرفته. كان يبدو أكبر من ستة عشر عاماً. كان يبدو كمقاتل حقيقي.
"اليوم يبدأ كل شيء،" همس لنفسه. ثم خرج من الغرفة.
فيرس كان جالساً في المطبخ، يشرب قهوته الصباحية بهدوء. عندما رأى نورد، وقف واقترب منه. لم يقل شيئاً. فقط وضع يده على كتف ابنه، وضغط برفق. كانت تلك طريقتهم في قول "أنا فخور بك" دون كلمات.
"لن تأتي؟" سأل نورد.
"سأأتي لاحقاً. لدي بعض الأمور لإنهائها مع أركو." ابتسم فيرس. "لكنني سأشاهد مبارياتك. لا تقلق."
خرج نورد من المنزل، وسار نحو ساحة القتال خلف قصر العمدة.
الساحة كانت قد تحولت بالكامل منذ آخر مرة رآها. المدرجات الخشبية كانت قد نُصبت حولها من ثلاث جهات، تتسع لحوالي ألف شخص. كانت ممتلئة تقريباً. الناس كانوا يأتون من كل أفير، ومن القرى المجاورة، ومن بعض المدن الصغيرة القريبة. كانوا يجلسون على المقاعد الخشبية، أو يقفون في الممرات، أو يتكئون على الأسوار الحجرية القديمة.
أما الساحة نفسها، فكانت مربعة الشكل، أرضها من التراب المدكوك، محاطة بحبال سميكة لتمنع الجمهور من الاقتراب أكثر من اللازم. في وسطها، كانت ترتفع منصة صغيرة للحكم.
كان الجو ضاجاً بالأصوات. أطفال يركضون بين المدرجات، باعة يتجولون يبيعون الفشار والمشروبات الباردة، شباب يصفّرون ويهتفون، وعجائز يتحدثون بصوت عالٍ عن "أيامهم" عندما كانوا هم الشباب.
بعض الناس كانوا يتشاجرون على المقاعد. رجل سمين كان يحتل مقعدين، وامرأة عجوز كانت تصرخ في وجهه لتفسح مكاناً لها. شابان كانا يدفعان بعضهما البعض، كل منهما يريد أن يجلس بالقرب من الساحة. في الزاوية البعيدة، كانت عائلة كاملة قد أحضرت كراسيها الخاصة، ونصبتها في ممر كان مخصصاً للوقوف فقط.
نورد وقف في زاوية الساحة، ينتظر دوره. كان يشعر بالتوتر، لكن ليس كثيراً. كان يشعر بالحماس، لكن ليس كثيراً. كان يشعر بشيء بينهما، شيء غريب، كأن جسده كان يعرف أنه مستعد، لكن عقله كان لا يزال يحتاج إلى إثبات.
تحليل الحالة النفسية: التوتر بنسبة 34%، الحماس بنسبة 51%. هذا المستوى مثالي للأداء القتالي. الإفراط في أي منهما قد يضر بالنتيجة.
نظر نورد حوله. رأى وجوهاً يعرفها. رأى لوان جالسة في المدرجات إلى جانب لينا، وكانت تلوح له من بعيد. رأى تومان جالساً بين مجموعة من الشباب، وكان يصفّر له. رأى فريد ويونار وأركو ويورس واقفين في زاوية المدرج الشرقي، وكانوا ينظرون إليه بابتسامات مشجعة.
ورأى مينار. كان جالساً في المقدمة، وحراسه الشخصيون واقفون خلفه كالظلال. كان ينظر إلى نورد بعيون باردة، وفمه كان يبتسم ابتسامة مصطنعة لا تصل إلى عينيه.
رفع نورد يده للتحية، ثم أدار وجهه نحو الساحة.
في تمام الساعة التاسعة، خرج اللورد فالتر إلى المنصة.
كان يرتدي ثيابه الرسمية: سترة سوداء مطرزة بالفضة، وسروال رمادي، وحذاء أسود لامع. كان شعره الأبيض مصففاً بعناية، ولحيته القصيرة مشذبة بدقة. بدا أكبر من عمره، لكنه بدا أيضاً أكثر هيبة.
وقف على المنصة، ونظر إلى الحشد. رفع يده اليمنى. هدأ الجميع تدريجياً.
"أهلاً بكم جميعاً في مسابقة الجيل الشاب لبلدة أفير."
صوته كان واضحاً، رغم كبر سنه. كان يدوي في الساحة كالجرس.
"هذه المسابقة تقام كل ثلاث سنوات، لنكتشف من هم شبابنا الواعدون، ومن سيحمل راية أفير في المستقبل."
نظر إلى الحشد، وعيناه تلمعان بالفخر.
"المشاركون اليوم هم اثنان وثلاثون شاباً وشابة، كلهم تحت سن العشرين، وكلهم في المستوى المتوسط وتحت. سيتقاتلون وفق نظام خروج المغلوب. الفائز يحصل على جائزة مالية قيمتها خمسون قطعة ذهبية، وقطعة أرض على تخوم الغابة الشرقية."
صمت الحشد للحظة، ثم انفجر بالتصفيق والصفير. خمسون قطعة ذهبية كانت ثروة. كانت تكفي لشراء منزلين في البلدة. وقطعة أرض على تخوم الغابة كانت حلم أي مغامر.
"والآن،" تابع فالتر، "أتمنى للجميع حظاً سعيداً، وأذكركم: القتال إلى الاستسلام أو الخروج من الحلبة أو العجز عن المواصلة. القتل ممنوع. الإصابات الخطيرة ممنوعة. الحكم هو الفيصل النهائي."
نزل من المنصة، وجلس في مقعد مخصص له في المقدمة، إلى جانب حكام آخرين: سيد فريديك (مدير نقابة المغامرين، والد يوهان)، وأيملي (نائبة المدير)، وسارجيس نفسه، الذي كان لا يزال في البلدة بعد أحداث الجد الفضي.
بدأت المباريات.
---
دور الـ32
المباراة الأولى كانت بين شابين في المستوى المنخفض. رين ضد كورت. كانا في التاسعة عشرة من عمرهما، متدربان معاً في نفس النادي لسنوات. المباراة كانت حذرة وبطيئة. ست عشرة دقيقة من الترقب والمراوغة، قبل أن يستغل رين خطأ صغيراً من كورت ويضع سيفه على رقبته. "الفائز: رين!" الجمهور صفق دون حماس.
المباراة الثانية: نورد ضد دارين.
وقف نورد في منتصف الساحة، سيفه في يده. خصمه كان شاباً في التاسعة عشرة، أطول منه برأس وأضخم بمرتين. دارين كان مبتسماً واثقاً.
"سمعت عنك،" قال دارين. "الموهوب الصغير."
"أنا فقط نورد."
"قد تكون موهوباً، لكنني أكثر خبرة. عمري تسعة عشر عاماً. تدربت منذ كان عمري اثنتا عشرة."
"حسناً يا صديقي،" قال نورد مبتسماً. "أرني خبراتك."
اندفع دارين بسيفه مرسوماً، ضربة قوية نحو الكتف الأيمن. نورد تفادى بخطوة صغيرة إلى اليسار. قبل أن يستعيد دارين توازنه، أدار نورد جسده ووجه ركلة جانبية نحو خاصرته. دارين انحرف وبالكاد تجنبها.
لكن نورد كان أسرع. تشقلب في الهواء قفزة بهلوانية قصيرة، ووجه ركلة نحو قدم دارين الخلفية. ضربت الركلة كاحله، ففقد توازنه وسقط على ركبتيه. سيفه سقط من يده. قبل أن يحاول النهوض، كان نورد قد وضع سيفه على رقبته.
"أستسلم،" قال دارين بصوت مبحوح.
صفق الحشد بتصفيق مدوٍ. هزم خصمه بحركتين في أقل من عشر ثوانٍ.
"الفائز: نورد كاسيان!"
المباراة الثالثة: التوأمان مارك ومارتا. مباراة عائلية غريبة بدون عداوة. بعد خمس دقائق، استسلمت مارتا لأخها. تصفيق باهت.
المباراة الرابعة: لوك الساحر ضد ألان. لوك كانت يداه ترتجفان من صدمة السحلية قبل أسابيع، فخسر بعد ثلاث دقائق. "الفائز: ألان!"
المباراة الخامسة: يوهان ضد شاب منخفض المستوى. خمس عشرة ثانية فقط. ضربة واحدة على سيف الخصم فطار، ثم سيف على الرقبة. انتهت. الجمهور صفق بحماس، لكن يوهان لم يبتسم.
المباراة السادسة: مينار ضد شاب منخفض. قاتل مينار بشراسة وغضب، ضرباته عشوائية لكنها قوية. خصمه استسلم بعد خمس دقائق. "الفائز: مينار!" رفع سيفه في الهواء متباهياً، وبحثت عيناه عن لينا. كانت تنظر إلى نورد.
المباراة السابعة: ليلى الغامضة ضد شاب في المستوى المتوسط. لم تستخدم سيفاً، فقط تراقصت بين ضرباته كورقة في مهب الريح. ثم ضربته براحة يدها على صدره فطارت خارج الحلبة. الجمهور صمت مندهشاً. "الفائز: ليلى!"
المباراة الثامنة: شابان في المستوى المتوسط، برين وآخر. مباراة قوية استمرت عشر دقائق، انتهت بفوز برين.
تتابعت المباريات. بعضها كان سريعاً وحاسماً، وبعضها كان طويلاً ومتعباً. صعد إلى دور الـ16: رين، نورد، مارك، ألان، يوهان، مينار، ليلى، برين، وثمانية آخرون.
---
دور الـ16
نورد واجه شاباً في المستوى المنخفض اسمه فينس. انتهت المباراة في أقل من دقيقة. فينس حاول الهجوم، لكن نورد كان أسرع وأذكى. سيفه وصل إلى رقبة فينس قبل أن يلمسه سيف فينس. "الفائز: نورد!"
يوهان واجه شاباً في المستوى المتوسط. استمرت المباراة دقيقة ونصف، أظهر فيها يوهان مهارات قتالية متفوقة. ضرباته كانت دقيقة، وتفاديه كان سريعاً. في النهاية، وضع سيفه على صدر خصمه. "الفائز: يوهان!"
مينار واجه شاباً في المستوى المتوسط. كانت هذه المباراة أصعب عليه. خصمه كان أقوى منه وأسرع، وكاد يهزمه مراراً. لكن مينار استخدم أسلحة قذرة: ركلة في القدم عندما كان الحكم ينظر بعيداً، وضربة في الظهر عندما كان خصمه يستدير. في النهاية، فاز بفارق ضئيل، لكن الجمهور صفر استهجاناً.
ليلى واجهت شاباً في المستوى المتوسط أيضاً. انتهت المباراة بسرعة أكبر من سابقتها. ليلى لم تلمسه تقريباً، فقط رقصت حوله حتى تعب، ثم أخرجته من الحلبة بركلة خفيفة. "الفائز: ليلى!"
برين، رين، مارك، ألان، وثمانية آخرون تأهلوا أيضاً.
---
ربع النهائي: نورد ضد إيلا
كانت خصمته فتاة لطيفة في الثامنة عشرة، شعرها أشقر مصفف في ضفيرتين، وعيناها زرقاوان كبيرتان. اسمها إيلا، في مستوى نجمة واحدة منخفضة في السحر.
وقفت على بعد عشرة أمتار منه، وبدأت بإطلاق كرات نار صغيرة، كرة تلو الأخرى. كانت تحاول إبعاده ومنعه من الاقتراب. لكن نورد كان أسرع. تفادى الكرة الأولى بانحناءة، والثانية بقفزة، والثالثة بإدارة جسده كالراقص. اقترب منها خطوة فخطوة.
إيلا بدأت تفقد تركيزها. كراتها أصبحت أبطأ وأقل دقة. قفز نورد فجأة قفزة عالية، دوران في الهواء، ورجله اليمنى كانت متجهة نحو رقبتها. أوقفها على بعد سنتيمترين فقط. شعرت إيلا بحرارة الهواء على بشرتها. شعرت بالخوف.
"أستسلم،" همست.
صفق الحشد مجدداً. هذه المرة الثالثة التي يفوز فيها نورد بسرعة وبأسلوب نظيف.
الحكام على المنصة كانوا يهمسون. سيد فريديك كان يدون ملاحظات. أيملي كانت تبتسم ابتسامتها الغامضة. سارجيس كان بلا تعبير، لكن عينيه كانتا مثبتتين على نورد.
لوان قفزت من مقعدها وصفقت حتى احمرت يداها. تومان كان يصرخ "هذا صديقي!" فريد ابتسم ويونار هزت رأسها.
مينار كان جالساً في مقعده، وجهه متجمداً. كان يعرف الآن أن نورد ليس مجرد جامع تحف. كان يعرف أنه خصم حقيقي.
نظر نورد نحو المدرجات، ورفع يده للتحية.
كان قد اجتاز ربع النهائي.
نصف النهائي كان ينتظره. والنهائي أيضاً.
لكن الطريق كان لا يزال طويلاً. والأقوياء كانوا لا يزالون هناك. يوهان. ليلى. مينار. وآخرون.
ابتسم نورد في داخله.
كان مستعداً لأي شيء.