خرج نورد وفيرس من قصر العمدة بعد مراسم التكريم. السماء كانت قد بدأت تميل نحو البرتقالي، والشمس كانت تغرب خلف التلال البعيدة كعملة ذهبية تختفي في جيب الليل. كان نورد لا يزال يحمل الكيس الذهبي في يده اليسرى، وعقد ملكية الأرض في اليمنى. كان يشعر بثقلهما، ليس ثقل المعدن والورق، بل ثقل المسؤولية.

"أبي،" قال نورد وهم يسيران في الشارع الرئيسي. "أريد أن أرى الأرض."

فيرس نظر إليه. كانت عيون ابنه متعبة لكنها كانت ثابتة. كان يعرف أن نورد ليس بحاجة إلى النوم، بل بحاجة إلى أن يلمس حلمه بيديه.

"الآن؟" سأل فيرس. "الشمس على وشك أن تغرب."

"الآن. أريد أن أرى أرضي قبل أن يحل الظلام."

تنهد فيرس. كان يعرف أن الجدال مع نورد في هذه الحالة كان مضيعة للوقت. "حسناً. سأذهب معك."

خرجا من البلدة، وسارا على الطريق الترابي المتجه شرقاً نحو تخوم الغابة. كان الطريق وعراً، مليئاً بالحجارة الصغيرة والجذور الممتدة تحت الأرض. نورد لم يشعر بالتعب. كان يشعر فقط بالفضول والحنين إلى مكان لم يره بعد.

بعد نصف ساعة من المشي، وصلوا إلى قطعة الأرض.

كانت واسعة، تمتد من حافة الغابة إلى تل صغير في الشرق. كانت مغطاة بالعشب البري والزهور البرية، وبعض الأشجار المتفرقة كانت تقف كحراس صامتين. في الزاوية الشمالية، كان هناك جدول صغير يمر، مياهه كانت صافية تعكس السماء البرتقالية. وفي الزاوية الجنوبية، كانت هناك بقعة مرتفعة قليلاً، تطل على الحقول الممتدة حتى أفق بعيد.

نورد وقف في منتصف الأرض، يدور حول نفسه ببطء. كانت رائحة التراب والزهور تملأ أنفه، وكان صوت الماء البعيد يهدئ قلبه.

"هنا،" قال بصوت خافت. "هنا سأبني بيتي الصغير. غرفتين فقط. واحدة للنوم، وواحدة لدراستي. ومطبخ صغير. وحوش صغير."

نظر إليه فيرس. "ولمن ستبني حوشاً للضيوف؟ هل تفكر في الزواج يا بني؟"

التفت نورد إلى والده. "لا يا أبي. سأبنيه لأعود إليه عندما تنتهي مغامراتي. هذا البيت سيكون ملاذي عندما أقرر أن أستقر. عندما أعود إلى أفير بعد رحلاتي الطويلة، سيكون هناك مكان ينتظرني."

صمت فيرس للحظة. ثم ابتسم. "تفكير مستقبلي. أحب ذلك."

"لن أعيش فيه الآن،" تابع نورد. "سأبنيه وأجهزه، ثم سأغلقه. وعندما أعود من مغامراتي في مملكة فوجا، سأفتحه وأعيش فيه."

"مملكة فوجا؟" رفع فيرس حاجبه. "ألم تكن تريد استكشاف أفير فقط؟"

"أفير صغيرة يا أبي. العالم كبير. وأنا لا أريد أن أموت قبل أن أراه."

نظر فيرس إلى ابنه طويلاً. كان يعرف أن هذه اللحظة ستأتي يوماً ما. كان يعرف أن نورد سيغادر. لكنه لم يكن يعرف أنها ستأتي بهذه السرعة.

"حسناً يا بني،" قال فيرس بصوت أصبح أكثر هدوءاً. "سأساعدك في بناء بيت أحلامك. وعندما تعود إليه، ستجدني أنتظرك."

ابتسم نورد، ووضع يده على كتف والده. لم يقل شيئاً. لم يكن بحاجة إلى كلمات.

---

عندما عادا إلى البلدة، كانت السماء قد أظلمت بالكامل. القمر كان قد صعد عالياً، والنجوم كانت تلمع كعيون فضولية تراقب العالم من فوق. كان البيت الذي عادا إليه مختلفاً. لم يكن فارغاً كما تركاه.

كانت الأضواء مشتعلة في كل غرفة، وأصوات الضحك تخرج من النوافذ المفتوحة.

وقف نورد أمام الباب، يسمع الأصوات من الداخل: فريد يضحك بصوته الجهير، يونار تتحدث بصوتها الخشن، تومان يصيح كالعادة، أركو يرد بهدوء، يورس صامت كما هو دائماً. وهناك أصوات أخرى: جين يتحدث عن الكتب، لوان ترد عليه بذكاء، وبعض أصدقاء البلدة الذين يعرفهم نورد من الطفولة.

"ماذا يحدث هنا؟" سأل نورد فيرس.

ابتسم فيرس. "إنها مفاجأة. ادخل."

دفع نورد الباب.

"مفاجأة!!" صرخ الجميع بصوت واحد.

نورد تراجع خطوة إلى الوراء، مصدوماً. كان يعرف أن أصدقاء والده سيحتفلون، لكنه لم يتوقع كل هذا. كانت الطاولة الكبيرة في وسط المطبخ ممتلئة بالطعام: خبز طازج، جبن، زيتون، لحم مشوي، سلطة خضراء، وأطباق حلويات لم يرها من قبل. وفي الزاوية، كانت هناك براميل صغيرة من البيرة والنبيذ.

"ماذا... ماذا كل هذا؟" سأل نورد.

تقدم فريد ووضع يده الضخمة على كتف نورد. "هذا هو احتفال انتصارك يا فتى! أنت بطل أفير! أنت نجم المسابقة! وأنت... أنت ابن صديقي!" نظر إلى فيرس وابتسم. "هذا يستحق الاحتفال."

"لكنني لم أنتصر. لقد تعادلت."

"التعادل مع تلك الفتاة الغامضة هو انتصار بحد ذاته!" صاحت يونار من خلفه. "هل رأيت كيف كانت تقاتل؟ أنت كنت رائعاً!"

"وأيضاً،" قال تومان، "أنت الوحيد الذي حصل على الجائزة. إذاً أنت الفائز فعلياً."

نظر نورد إلى تومان، ثم إلى الجميع. كانوا جميعاً يبتسمون. حتى يورس كان يبتسم ابتسامته الصغيرة النادرة.

"حسناً،" قال نورد مستسلماً. "دعنا نحتفل."

صفق الجميع.

جلس نورد على رأس الطاولة (رغم احتجاجه أن هذا المكان لفيرس، لكن فيرس أصر على أنه مكانه اليوم). إلى يمينه، جلست لوان. إلى يساره، تومان. البقية توزعوا حول الطاولة: فريد إلى جانب يونار، يورس إلى جانب أركو، جين إلى جانب فيرس، وبعض الأصدقاء في نهاية الطاولة.

كان الطعام لذيذاً، والشراب وفيراً، والضحك لا يتوقف.

فتحت يونار أول برميل بيرة، وملأت كأس فريد أولاً، ثم فيرس، ثم يورس، ثم تومان. عندما وصلت إلى نورد، توقفت.

"نورد، هل تشرب البيرة؟"

"أنا في السادسة عشرة،" قال نورد.

"وهذا ليس جواباً على سؤالي."

نظر نورد إلى والده. فيرس هز كتفيه. "أنت بطل اليوم. قررك."

"حسناً. قليلاً فقط."

سكبت يونار نصف كأس، وناولته إياه. شرب رشفة صغيرة. كانت مرة، لكنها لم تكن سيئة.

"يا إلهي،" قال فريد بعد أن شرب كأسه بالكامل في جرعة واحدة. "هذا أفضل شيء شربته منذ سنوات."

"لأنه مجاني،" قالت يونار. "المجاني دائماً ألذ."

ضحك الجميع.

فجأة، وقف فريد. كان وجهه أحمر من البيرة، وعيناه تلمعان بحماس. "أيها الأصدقاء! أيها الأحباء! أيها البشر وغير البشر!" نظر إلى يورس. "يورس، أنت غير بشر؟"

"بشر،" قال يورس بهدوء.

"حسناً. أيها البشر! أريد أن أقترح نخباً!"

رفع الجميع أكوابهم.

"نخب نورد كاسيان! ابن أفير! بطل المسابقة! صاحب الأرض الجديدة! و... وابن صديقي!"

"نخب!" صاح الجميع.

شربوا. حتى نورد شرب رشفة أكبر من الأولى.

ثم وقف تومان. كان أيضاً أحمر الوجه، لكن ليس من البيرة فقط، بل من الحماس. "أنا أيضاً! أريد أن أقترح نخباً!"

"تومان،" قالت يونار، "أنت لم تشرب كأسك الأول بعد."

"لا يهم! أنا بحاجة إلى نخب!"

ضحك الجميع.

"نخب نورد! صديقي! الذي علمني أن القوة ليست كل شيء! وأن العقل أهم! وأن..."

"تومان،" قاطعته يونار. "أنت تسكر من الهواء."

"أنا لا أسكر! أنا متحمس!"

جلس تومان وهو يضحك، والجميع يضحكون معه.

وقفت لوان. كانت قد شربت قليلاً من النبيذ الحلو، وكان وجهها وردياً قليلاً. نظرت إلى نورد، وعيناها تلمعان.

"أنا أيضاً أريد أن أقول شيئاً،" قالت بصوت أصبح أكثر جرأة من المعتاد.

"لوان،" قال والدها جين من الطرف الآخر من الطاولة. "لا تشربي كثيراً."

"أبي، أنا لم أشرب إلا القليل. فقط أريد أن أقول شيئاً."

نظر جين إلى ابنته، ثم إلى نورد، ثم هز كتفيه. "قولي."

التفت لوان إلى نورد. "أنت لست فقط موهوباً. أنت أيضاً... لطيف. وذكي. وشجاع. وأنا..."

"لوان،" قاطعها نورد، وهو يشعر بالحرج يعلو وجهه. "أعتقد أنك شربت أكثر من اللازم."

"أنا لم أقل شيئاً سيئاً. أنا فقط..."

"لوان!" قال جين مجدداً، وهذه المرة بصوت أكثر حدة. "اجلسي."

جلست لوان، وهي تتمعّر. لكنها كانت تبتسم. كان الجميع يبتسمون.

فريد وقف مجدداً. "نخب آخر! نخب الأرض الجديدة! أتمنى أن تبني فيها بيتاً صغيراً، وعندما تعود من مغامراتك في مملكة فوجا، تجد فيه الدفء والأمان!"

"فريد،" قال نورد. "هذا أجمل نخب سمعته الليلة."

"أنا دائمًا أقول الأجمل."

"لا، أنت دائمًا تشرب الأكثر."

ضحك الجميع.

جين، الذي كان هادئاً معظم الوقت، رفع كأسه فجأة. "أريد أن أشرب نخباً."

الجميع صمت. جين لم يكن من النوع الذي يشرب نخباً.

"نخب نورد،" قال جين، ونظر إلى ابنته ثم إلى نورد. "الفتى الذي وعدني بحماية لوان إذا لزم الأمر. هذا وعد لا أنساه. وأنا أثق أنه سيفي به."

نورد شعر بالحرج مجدداً. نظر إلى لوان، التي كانت تنظر إلى الأرض. نظر إلى جين، الذي كان ينظر إليه بعينين جادتين.

"سأفي بوعدي،" قال نورد بصوت هادئ.

"أعرف،" قال جين، وشرب كأسه.

كان الجو دافئاً، مليئاً بالضحك والنكات والحكايات القديمة. فريد حكى قصة عن أول مغامرة له مع فيرس، وكيف كاد فيرس أن يموت لأنه لم ينظر إلى الأرض قبل أن يخطو. يونار حكت كيف التقت بفيرس لأول مرة، وكيف ظنته لصاً وكادت تطلق عليه النار. تومان حكى كيف انضم إلى الفرقة، وكيف بكى في أول ليلة له في الغابة لأنه اشتاق إلى أمه.

نورد كان يستمع، يضحك أحياناً، ويتأمل أحياناً. كان يشعر بالامتنان. لهؤلاء الناس الذين احتضنوه كأحدهم. لوالده الذي لم يتركه يوماً. لأصدقائه الذين آمنوا به.

في نهاية الليل، عندما كانت البراميل قد فرغت تقريباً، والوجوه كانت حمراء من البيرة والنبيذ، وقف فيرس.

"أريد أن أقول شيئاً،" قال بصوت أصبح أكثر جدية.

الجميع صمتوا.

"نورد،" قال فيرس، ونظر إلى ابنه. "أنا فخور بك. ليس لأنك فزت في المسابقة، وليس لأنك حصلت على الأرض، وليس لأنك أصبحت مشهوراً. أنا فخور بك لأنك ظللت كما أنت. لم تتغير. لم تتكبر. لم تنس من هم أصدقاؤك."

صمت للحظة.

"والدي كان يقول لي دائماً: 'القوة الحقيقية ليست في عضلاتك، بل في قلبك.' لم أفهم هذه الكلمة عندما كنت صغيراً. لكنني بدأت أفهمها عندما كبرت. والآن، عندما أراك، أفهمها أكثر."

رفع كأسه.

"نخب ابني. نورد كاسيان. الباحث عن الآثار."

"نخب!" صاح الجميع بصوت واحد.

نورد نظر إلى والده، ثم إلى أصدقائه، ثم إلى الكأس في يده.

رفعه.

"نخب الجميع،" قال. "نخب العائلة. نخب الأصدقاء. نخب المغامرات القادمة."

شرب.

كان طعم البيرة هذه المرة مختلفاً. لم تكن مرة. كانت حلوة قليلاً. ربما لأنه شربها مع من يحب.

في تلك الليلة، نام نورد متأخراً. كان يتقلب في سريره، وعيناه مفتوحتان على السقف. لم يكن يفكر في المسابقة، ولا في جيني، ولا في الأرض الجديدة. كان يفكر في شيء آخر.

في الفصل الأول من حياته.

الذي كان قد انتهى للتو.

وكان على وشك البدء في الفصل التالي.

---

نهاية المجلد الأول

"نورد والشريحة"

يتبع في المجلد الثاني

"مملكة فوجا"

2026/05/19 · 10 مشاهدة · 1508 كلمة
نادي الروايات - 2026