ثلاثة أيام.
مشى نورد خلالها وحده، بين تلال وغابات ومروج صغيرة. لم يكن في عجلة من أمره، لكنه كان يعرف أن كل خطوة تبعده عن أفير، وكل خطوة تقربه من المجهول. كان يقتل الوحوش الصغيرة هنا وهناك، ليس لأنها تشكل خطراً عليه، بل ليمارس قوته الجديدة، ليشعر بعضلاته وهي تعمل بكامل طاقتها دون أن يخفيها.
الذئاب الرمادية كانت تسقط بضربة واحدة. الغوفار الصغار كانوا يهربون بمجرد أن يروا وجهه. حتى الدببة الجبلية الكبيرة كانت تتفادى مواجهته بعد أن أرسل أحدها طائراً بلكمة في خاصرته.
كان يشعر بالقوة. كان يشعر بالثقة. لكنه كان يشعر أيضاً بالوحدة.
في الليالي الباردة، كان يشعل ناراً صغيرة ويجلس بجانبها، يتأمل النجوم، يتحدث مع الشريحة، يخطط للغد. كان يفتقد فيرس، ويشتاق إلى ضحكات تومان، ويتذكر عناق لوان الأخير. لكنه كان يعرف أن هذه التضحية ضرورية. أفاران كان يتربص. وإذا اكتشف مدى سرعة تقدمه، فسيحاول السيطرة عليه. لا يريد نورد أن يكون أداة في يد أحد.
ولذلك كان عليه أن يختفي. أن يغير اسمه. أن يصبح شخصاً آخر.
وهدفه الآن هو مغادرة إقليم جورجان بالكامل. لأن البقاء في الإقليم يعني البقاء ضمن نفوذ أفاران. الإقليم التالي كان دونير، شمال جورجان. إقليم شاسع، حجمه يقارب حجم جورجان ست مرات. كان يضم وحده ثلاثة ملايين نسمة، وعاصمته ميلكونيا، مدينة كبيرة يبلغ عدد سكانها ثلاثمئة وخمسين ألف نسمة. هناك، في الزحام والضجيج، سيختفي نورد كقطرة ماء في البحر.
أخرج خريطة من جيبه. كانت هدية من جين، والد لوان. خريطة للأقاليم الشمالية للمملكة، مرسومة بدقة على جلد غزال، ومكتوب عليها بأحرف صغيرة أسماء المدن والقرى والتضاريس.
"إقليم دونير،" همس نورد، وهو يمرر أصابعه على الخريطة. "عاصمته ميلكونيا. خمسة أيام مشياً من الحدود. أو ثلاثة أيام بقافلة سريعة."
كان قد خرج للتو من آخر نقطة حدودية لإقليم جورجان. كان واقفاً على تل صغير، ينظر إلى الأراضي الممتدة أمامه. كانت مختلفة. أكثر خضرة، أكثر اتساعاً، أقل غابات وأكثر مروجاً. كان الهواء أنقى، والسماء أوسع.
دخل رسمياً إقليم دونير.
بدأ يتجول، يقفز تارة ويسير تارة. كان يشعر بالحرية. لا أحد يراقبه هنا. لا أحد يعرف من هو. كان مجرد مسافر عادي في بلاد لا يعرفه أحد.
في ظهر اليوم الثالث، بعد أن قطع مسافة جيدة داخل حدود دونير، رأى شيئاً على الطريق أمامه.
قافلة.
عشر عربات خشبية كبيرة، تجرها خيول قوية، محملة بأقمشة ملونة تغطيها خيام صغيرة لحماية البضائع من الشمس والغبار. حراس القافلة كانوا حوالي خمسة عشر رجلاً، يركبون خيولاً أصغر، وبعضهم كان يسير على الأقدام إلى جانب العربات. كانوا يرتدون أردية خفيفة، وأسلحتهم كانت متنوعة: سيوف، رماح، أقواس.
كانت قافلة تجارية. وهذا يعني فرصة.
رفع نورد يده كتحية.
توقفت القافلة على بعد مئتي متر. نزل منها رجل، وحيداً، وتقدم نحو نورد. كان يبدو في الأربعين من عمره، جسده عضلي وممتلئ، ووجهه مدبب وعيناه زرقاوان حادتان. كان يرتدي درعاً جلدياً سميكاً، وسيفين على ظهره، وخنجراً عند خصره.
وقف الرجل أمام نورد، وعيناه تفحصانه من رأسه إلى أخمص قدميه. كان نظره ثقيلاً، كمن يقيم ثمناً.
"مرحباً،" قال الرجل بصوت جهير، لم يرفعه لكنه وصل إلى أذني نورد كالرعد البعيد. "من أنت؟ نحن قافلة تابعة لعائلة لونيا. لن يكون خيراً لقاطع طريق أن يعترضنا."
ابتسم نورد. رفع يده اليمنى، وأطلق هالته.
لم يطلقها بالكامل. فقط بقدر ما يظهر بمستوى نجمة متقدمة في القتال. كان كافياً لإثبات أنه ليس شخصاً عادياً، لكنه لم يكن كافياً ليثير الريبة.
"أنا لست قاطع طريق،" قال نورد. "أنا مسافر. اسمي تومان."
تومان. اسم صديقه. كان قد قرر تغيير اسمه في هذه الرحلة، ليبقى بعيداً عن أعين أفاران. لو بحث عنه أفاران، فسيبحث عن "نورد كاسيان". أما "تومان"، فلم يسمع به أحد. كان اسماً بسيطاً، عادياً، لا يثير الشكوك.
رفع الرجل حاجبيه. "تومان؟ هل هذا اسمك الكامل؟"
"تومان فقط. أنا من الجنوب. أتجه شمالاً."
"إلى أين بالضبط؟"
"إلى ميلكونيا. أبحث عن عمل."
نظر الرجل إلى نورد طويلاً. كان يقيم صدقه، يقيم قوته، يقيم احتمال أن يكون جاسوساً أو لصاً أو قاتلاً مأجوراً.
"نجمة متقدمة في القتال في عمرك؟" قال الرجل. "هذا نادر. من دربك؟"
"تدربت بمفردي. في الغابة. ضد الوحوش."
ضحك الرجل ضحكة قصيرة. "تدرب بمفرده ووصل إلى نجمة متقدمة؟ إما أنك تكذب، أو أنك موهوب استثنائي."
"الأخير،" قال نورد مبتسماً. "جربني إن شئت."
هز الرجل رأسه. "لا حاجة. هالتك صادقة، وعيناك صادقتان." نظر نحو القافلة خلفه، ثم عاد إلى نورد. "لماذا تريد الانضمام إلينا؟"
"القافلة أسرع من المشي. وأكثر أمناً. وأنا بحاجة إلى مال."
"نحن لا ندفع كثيراً. فقط طعام ومكان للنوم وحماية متبادلة."
"هذا يكفيني."
صمت الرجل للحظة. ثم أشار بيده نحو القافلة. "تعال. سأتحدث مع التاجر. قراره هو الفصل."
مشى الاثنان نحو القافلة. عندما اقتربا، نزل من إحدى العربات رجل سمين، قصير القامة، وجهه مستدير ولحيته كثيفة. كان يرتدي ثياباً حريرية ملونة، وعلى أصابعه خواتم ذهبية كثيرة. كان يبتسم ابتسامة عريضة، وعيناه كانتا تلمعان بالدهاء.
هذا كان مارفين لونيا. تاجر الأقمشة والمنسوجات، وتابع لعائلة لونيا التجارية الشهيرة في ميلكونيا.
"الفونس،" قال مارفين بصوت عالٍ. "من هذا الشاب؟"
"مسافر. اسمه تومان. يريد الانضمام إلينا إلى ميلكونيا."
نظر مارفين إلى نورد بعينين فاحصتين. رأى شاباً في السادسة عشرة، يرتدي ملابس بسيطة، يحمل سيفاً على ظهره. رأى عينين خضراوين حادتين، ووقفة واثقة. رأى شيئاً يقول له "هذا ليس شخصاً عادياً".
"نجمة متقدمة؟" سأل مارفين الفونس.
"نجمة متقدمة في القتال. واضح."
صفر مارفين بصوت منخفض. "في عمره؟ نادر." نظر إلى نورد مجدداً. "لماذا تريد الانضمام إلينا؟"
"لأصل إلى ميلكونيا بسرعة. ولأكسب بعض المال. ولأتعلم."
"نتعلم ماذا؟"
"كيف تسير الأمور في الشمال. كيف يعمل التجار. كيف يعيش الناس."
ابتسم مارفين. كان يحب الفضوليين. كان يحب الشباب الذين يريدون التعلم. "حسناً. ستنضم إلينا. ستأكل معنا، وتنام مع الحراس، وتساعد في حماية القافلة. عندما نصل إلى ميلكونيا، سأعطيك خمس قطع ذهبية. صفقة؟"
"صفقة،" قال نورد.
مد مارفين يده السمينة، وصافح نورد بقوة. كانت كفه دافئة ورطبة قليلاً، لكن قبضته كانت حازمة.
الفونس لم يعلق. فقط أشار بيده نحو أحد الحراس. "أعطِ تومان حصاناً ومكاناً في المؤخرة. وأجلب له طعاماً وماء."
تحرك نورد نحو مؤخرة القافلة. كان الحراس ينظرون إليه بنظرات مختلفة: بعضهم فضولي، بعضهم حذر، وبعضهم غير مبال. كان أصغرهم سناً، وأقلهم خبرة على الأرجح، لكنه كان أيضاً أقواهم بعد الفونس. هذا كان واضحاً.
جلس نورد على حصانه، وأخذ قطعة خبز جاف وقارورة ماء، وبدأ يأكل وهو ينظر إلى الطريق الممتدة أمامه.
كان الطريق طويلاً. وميلكونيا كانت لا تزال بعيدة.
لكنه كان في طريقه أخيراً.
تحليل الهدف: الفونس، قائد حراس القافلة. مستوى: نجمة ذروة في القتال. يقدر أن خبرته القتالية تمتد لعقدين على الأقل. أسلوبه مرجح أن يكون قائماً على القوة الغاشمة والسيطرة على المسافات المتوسطة.
تقدير قدرات المستخدم في مواجهته: في حالة إطلاق كامل الإمكانات مع منح الشريحة التحكم العصبي الكامل، تبلغ نسبة فرصة فوز المستخدم 72% مع 14% خطر إصابات متوسطة، و14% خطر إصابات خطيرة أو هزيمة. الفارق في المستوى ليس كبيراً، والخبرة القتالية للفونس هي العائق الأكبر.
ابتسم نورد في داخله. لم يكن بحاجة إلى قتال الفونس. كان بحاجة إلى السفر معه فقط.
---
بعد ساعة من السير، اقترب منه أحد الحراس. كان شاباً في العشرين من عمره، شعره أشقر طويل، وعيناه زرقاوان باهتتان، ووجهه مغطى بالنمش. كان يبتسم.
"تومان، صحيح؟" قال الشاب.
"نعم."
"اسمي إريك. أنا حارس في القافلة منذ ثلاث سنوات."
"تشرفت بمعرفتك."
نظر إريك إلى نورد بفضول. "كم عمرك حقاً؟ لا يمكن أن تكون في السادسة عشرة وتكون في مستوى نجمة متقدمة. هذا غير معقول."
"السابعة عشرة قريباً،" قال نورد. "والموهبة لا تعترف بالعمر."
ضحك إريك. "هذا ما يقوله كل الموهوبين. لكنني رأيت الكثير من الموهوبين الذين ماتوا صغاراً. الحذر أهم من الموهبة."
"أنت لست في مستوى نجمة متقدمة،" قال نورد. "كيف وصلت إلى هذه الحكمة؟"
"الحكمة لا تأتي من القوة،" قال إريك. "تأتي من الألم. ورأيت الكثير من الألم في حياتي."
صمت نورد للحظة. كان هذا الشاب أعمق مما يبدو عليه.
"كم تبقى إلى ميلكونيا؟" سأل نورد.
"ثلاثة أيام. أربعة إذا واجهنا مشاكل."
"مشاكل مثل ماذا؟"
"قطاع طرق. وحوش. عواصف رملية. أي شيء."
أشار إريك نحو الأفق البعيد. "هناك، في الشمال الشرقي، كانت هناك عش لوحوش الصخور قبل عام. يقولون إنها عادت مؤخراً. لا نعرف. لم نرَ شيئاً حتى الآن."
نظر نورد نحو الاتجاه الذي أشار إليه. لم يرَ شيئاً سوى التلال البعيدة والسماء الزرقاء.
"سنكون حذرين،" قال نورد.
"سنكون،" قال إريك.
عاد الشاب إلى مكانه في مقدمة القافلة، وترك نورد وحيداً في المؤخرة.
كانت الشمس تغرب ببطء، والسماء بدأت تتلون بالبرتقالي والأحمر. الظلال كانت تطول، والرياح أصبحت أكثر برودة. كانت القافلة تسير ببطء، والعربات كانت تصدر صريراً خفيفاً مع كل حصاة تمر تحتها.
نورد كان يفكر. في ميلكونيا. في إقليم دونير. في حياته الجديدة التي كانت تبدأ.
كان قد ترك وراءه أفير، ووالده، وأصدقاءه. كان قد ترك وراءه اسمه الحقيقي. كان قد ترك وراءه كل شيء كان يعرفه.
لكنه كان يتجه نحو شيء جديد. شيء لم يره من قبل. شيء كان ينتظره منذ أن دخلت الشريحة إلى جسده.
الطريق كان طويلاً.
لكنه كان واثقاً من أنه سيسلكه حتى النهاية.