دخلوا ميلكونيا من البوابة الشمالية، ولم تكن هناك بوابة في الحقيقة. لا سور، لا حصن، لا جنود يفحصون البضائع. فقط طريق مرصوف بالحجارة الملساء، وعلى جانبيه أعمدة حجرية مرتفعة، تحمل مصابيح رونية تلمع بضوء أزرق خافت رغم أن الشمس كانت لا تزال عالية.
نورد نظر حوله بعيون لا ترمش. الشوارع كانت عريضة، تكفي لست عربات جنباً إلى جنب. كانت مرصوفة بحجارة رمادية فاتحة، مقطوعة بدقة، لا تشبه طرق أفير الترابية أبداً. على جانبيها، كانت تمتد الأرصفة المرتفعة قليلاً، حيث كان الناس يمشون بأمان بعيداً عن العربات والخيول.
المباني كانت طويلة. ليس طابقاً أو اثنين، بل خمسة وستة وسبعة وثمانية وحتى عشرة طوابق. كانت مصنوعة من الحجر الرمادي الفاتح، ونوافذها كانت كبيرة مزينة بأطر حديدية مشغولة بدقة. بعضها كان يعلوه أبراج صغيرة، وبعضها كان مزيناً بالتماثيل الحجرية لحيوانات أسطورية. في الطوابق السفلى، كانت المتاجر تفتح أبوابها على الشارع، تعرض بضائع لا حصر لها: أقمشة حريرية ملونة، أواني نحاسية لامعة، مجوهرات فضية وذهبية، كتباً قديمة وخرائط ضخمة، وأسلحة غريبة لم يرَ نورد مثلها من قبل.
الناس كانوا مختلفين أيضاً. لم يكونوا يرتدون ثياباً بسيطة كأهل أفير. كانوا يرتدون أردية طويلة، وقبعات عالية، وأحذية جلدية لامعة. بعض النساء كن يرتدين قفازات بيضاء ويحملن مظلات شمسية من الحرير. بعض الرجال كانوا يرتدون نظارات دائرية على أعينهم، ويمسكون بعصي خشبية منحوتة.
العربات التي تسير بدون خيول كانت تتحرك في شوارع مخصصة لها. كانت تسمى "عربات الرون"، وكانت تسير بهدوء وسلاسة، تصدر فقط همساً خفيفاً كالنحلة البعيدة. الناس كانوا يستخدمونها كوسيلة نقل عام، يركبونها وينزلون منها في محطات صغيرة على جانب الطريق.
نورد كان واقفاً في مكانه، يدير رأسه يميناً ويساراً، وفمه مفتوح قليلاً. لم يقل شيئاً. لم يستطع قول أي شيء.
ابتسم مارفين وهو يراقب دهشة الشاب. "جميلة، أليس كذلك؟"
"جميلة؟" همس نورد. "هذه... هذه ليست مدينة. هذه عالم آخر."
"ميلكونيا عاصمة إقليم دونير. وأكبر مدينة في شمال فوجا." أشار مارفين بيده السمينة نحو المباني العالية. "تأتي إليها البضائع من كل مكان. هنا يلتقي الجنوب بالشمال، والشرق بالغرب. كل ما يمكن تخيله، يمكنك شراؤه من أسواق ميلكونيا."
بدأوا يسيرون ببطء، والعربات والحراس خلفهم. كانت القافلة تجذب انتباه الناس قليلاً، لكن لا أحد توقف. القوافل كانت مشهداً عادياً في هذه المدينة.
نظر نورد إلى مارفين. "أخبرني عن هذه المدينة. من يحكمها؟"
ضحك مارفين. "سؤال جيد. السلطة في ميلكونيا ليست لشخص واحد. هناك ثلاثة أطراف رئيسية، وكل منهم له مجاله."
رفع أصابعه الثلاثة وبدأ يعد.
"الأول: الحاكم العسكري، اللورد باتريك. في مستوى أربع نجوم منخفض في القتال. سيد كبير. هو المسؤول عن حماية المدينة والمنطقة. جيشه هو الأقوى في الشمال. إذا حدث تهديد، باتريك هو من يتعامل معه."
اتسعت عينا نورد. أربع نجوم. هذا أعلى مما كان يتوقع. هذا أعلى من أفاران نفسه.
"الثاني: لورد المنطقة، فاراك. أيضاً في مستوى أربع نجوم منخفض، لكن في السحر. هو حاكم إقليم دونير بكامله، وليس مدينة ميلكونيا فقط. مسؤول عن الضرائب والقوانين والتعيينات. إذا أردت أرضاً أو ترخيصاً، عليك أن تقنعه."
أربع نجوم آخر. اثنان من السادة الكبار في مدينة واحدة.
"الثالث: نقابة المغامرين. قائدها... لا يتحدث الناس عن اسمه كثيراً، لكنه في مستوى أربع نجوم منخفض في الذهن، وثلاث نجوم ذروة في القتال. ويقال إنه يقترب من اختراق أربع نجوم في القتال أيضاً."
"أربع نجوم في الذهن؟" سأل نورد، وصوته كان مبحوحاً. "إذاً هو أعظم معلم رون وتعاويذ في المنطقة؟"
"بل في شمال فوجا كله." أومأ مارفين. "طلابه يأتون من كل إقليم ليتعلموا على يديه. بعضهم أصبحوا أساتذة في مدنهم."
نورد كان يحاول استيعاب كل هذه المعلومات. في أفير، كان سارجيس في مستوى ثلاث نجوم يبدو كالجبل. هنا، ثلاثة من السادة الكبار في مدينة واحدة.
"هذا ليس كل شيء،" تابع مارفين وكأنه يقرأ أفكار نورد. "هناك أيضاً ثلاث مدارس للمقاتلين والسحرة والذهنيين. قادة هذه المدارس كلهم في مستوى ثلاث نجوم ذروة."
"ثلاث مدارس؟"
"مدرسة السيف المتقد، للقتال. يديرها السيد جارول، رجل في الخمسين، جسده أقسى من الحجر. يقولون إنه لم يهزم في مباراة في ميلكونيا منذ عشرين عاماً."
أشار مارفين نحو الشرق.
"ثم مدرسة الحكمة المتعالية، للذهن. يديرها السيدة إليانور. امرأة في الأربعين، لكن عيونها ترى ما لا يراه الآخرون. يقولون إنها تستطيع قراءة أفكارك بمجرد النظر إليك، وهذا خوف الكثيرين منها."
ثم أشار نحو الغرب.
"ومدرسة اللهب الأبدي، للسحر. يديرها السيد إجناس. شاب في الثلاثين، لكنه وصل إلى ثلاث نجوم ذروة في سن الخامسة والعشرين. يعتبر عبقرياً حتى بمعايير ميلكونيا."
نورد هز رأسه. "هذه المدينة... إنها أقوى من أفير بمئات المرات."
ضحك مارفين. "أفير بلدة صغيرة على تخوم الغابة. ميلكونيا عاصمة إقليم. لا تقارن بينهما."
"لكن لماذا كل هذه القوة في مدينة اقتصادية؟"
ابتسم مارفين ابتسامة غامضة. "الاقتصاد يجلب القوة يا صديقي الصغير. وعندما تكون ثرياً، تحتاج إلى من يحمي ثروتك. وعندما يكون لديك من يحمي ثروتك، تصبح أكثر ثراءً. هذه دورة لا تنتهي."
نظر نورد إلى المباني العالية من حوله. كان يفكر في أفير التي تركها، وفي والده الذي بقي هناك، وفي الأصدقاء الذين ودعهم. كان يعرف الآن أنه دخل عالماً مختلفاً تماماً.
"وعائلة لونيا؟" سأل نورد. "أين موقعكم في هذه الهرمية؟"
ابتسم مارفين ابتسامة تواضع مصطنع. "شيخ عائلتنا، جاسبر لونيا، في مستوى ثلاث نجوم منخفض في السحر. ليس قوياً مقارنة بالسادة الكبار، لكنه شخصية محترمة. وعائلة لونيا تعتبر قوة درجة ثالثة في المدينة."
"درجة ثالثة فقط؟"
"فقط؟" ضحك مارفين. "هناك الآلاف من العائلات والتجار والمغامرين في ميلكونيا. أن تكون في درجة ثالثة يعني أنك من أعلى خمسين عائلة تأثيراً. هذا ليس بالقليل."
نظر نورد حوله مجدداً. كان يحاول تخيل حجم هذه المدينة، وتعداد سكانها، وقوة أسيادها. كان يشعر بالصغر. كان يشعر بالضعف. لكنه كان يشعر أيضاً بالحماس.
هذا هو المكان الذي يحتاج إليه. مكان يصبح فيه أقوى. مكان يختفي فيه عن أعين أفاران. مكان يبدأ فيه حياته الجديدة.
"إلى أين نتجه الآن؟" سأل نورد.
"مستودعات عائلة لونيا،" قال مارفين. "ثم منزلي. ثم سأريكم المدينة. لديكم يوم راحة قبل أن نبدأ بتفريغ البضائع."
نظر نورد إلى السماء. كانت زرقاء صافية، كسماء أفير تماماً.
لكن كل شيء آخر كان مختلفاً.
وكان سعيداً بهذا الاختلاف.