عندما دخل نورد نقابة المغامرين في صباح اليوم التالي، توقف عند البابه للحظة. كانت القاعة مختلفة تماماً عما رآه أمس. أمس كان المساء، والقاعة شبه فارغة، والسكرتيرات يملن على كراسيهن من الملل. أما اليوم، فكانت القاعة تعج بالبشر.

لم يكن هناك مبالغة في العدد. كان هناك عشرات المغامرين، ربما أكثر من مئة. كانوا واقفين في مجموعات هنا وهناك، بعضهم يتكئ على الجدران، وبعضهم جالس على مقاعد خشبية طويلة، وبعضهم واقف في طوابير أمام الطاولات الطويلة. كان الضجيج عالياً، ممزوجاً بالضحكات العالية، والشتائم الخفيفة، وصوت العملات المعدنية وهي تتساقط على الطاولات.

على الجانب الآخر من القاعة، كانت ست سكرتيرات يجلسن خلف طاولات طويلة، أكوام من الأوراق أمام كل واحدة منهن. بعضهن كن يكتبن بسرعة، وبعضهن كن يتحدثن مع مغامرين، وبعضهن كن يفرزن المهام حسب درجتها. بالكاد كن يستطعن مواكبة هذا الزحام.

نظر نورد حوله بفضول. كان يحلل كل مجموعة يراها بعيون الشريحة.

تحليل مجموعات المغامرين: أغلب المجموعات مكونة من 3-5 أشخاص. القادة في مستوى نجمتين متقدمة إلى ذروة. الأفراد بين نجمة واحدة متقدمة ونجمتين منخفضة. لا توجد مجموعات تقل عن نجمة واحدة متوسطة. هذا المستوى يعتبر منخفضاً جداً في ميلكونيا.

كان نورد يتجول بين المجموعات، ينظر إلى لوحات الإعلانات المعلقة على الجدران. المهام كانت متنوعة: حراسة قوافل، صيد وحوش في الجبال الشرقية، مرافقة تجار إلى المدن المجاورة، بحث عن أعشاب نادرة في الغابات الشمالية. الأجر كان أعلى مما في أفير بثلاثة أضعاف على الأقل.

بينما كان يتأمل لوحة المهام، اصطدم بشخص.

لم ينتبه له. كان مركزاً في القراءة، والآخر كان يمشي بسرعة. ارتطم كتفه بكتف رجل ضخم، وتراجع خطوة إلى الوراء.

التفت نورد ليعتذر. كان الرجل أطول منه برأسين، وأضخم بثلاث مرات. عضلاته كانت تبرز تحت قميصه الجلدي الممزق، ووجهه كان مغطى بندوب قديمة. كان في مستوى نجمة ذروة في القتال.

"آسف،" قال نورد.

نظر الرجل إليه بازدراء. عيناه كانتا صغيرتين، داكنتين، تلمعان بالغضب السريع.

"ابتعد أيها المراهق البائس،" قال الرجل بصوت أجش، ثم أدار ظهره وأكمل طريقه.

ضحك بعض المغامرين الذين كانوا واقفين قريباً. كانت النظرات تتجه نحو نورد، كأنهم يقولون: "انظر إلى هذا الضعيف الذي لا يعرف مكانه."

نورد لم يبتسم.

لم يكن يريد القتال. لم يكن يريد المشاكل. لكنه كان يكره الإهانة. خاصة إذا كانت من شخص يبدو أضعف منه حقيقة، أو في نفس مستواه تقريباً.

تقدم خطوة، ودفع بكتفه نحو كتف الرجل. لم يكن دفعاً قوياً، لكنه كان كافياً لجعله يتوقف.

"ابتعد أيها الثلاثيني المزعج،" قال نورد بصوت هادئ، لكنه كان واضحاً في الضجيج.

صمت المكان حولهما. المغامرون الذين كانوا يضحكون توقفوا. حتى السكرتيرات رفعن رؤوسهن من خلف طاولاتهن.

التفت الرجل ببطء. عيناه كانتا تحترقان.

"هاه؟" قال بصوت أصبح أكثر عمقاً. "هل تريد الموت؟ ألا تعلم من أنا؟ اسمي جاكور. نجمة ذروة في القتال. لقد قتلت أناساً أكثر من عدد أصابعك."

نظر إليه نورد. كانت الشريحة تحلل هالته.

تحليل الهدف: جاكور. مستوى: نجمة ذروة في القتال. اخترق هذا المستوى منذ شهر أو أقل. طاقته غير مستقرة، وخبرته القتالية محدودة مقارنة بمن هم في نفس مستواه. أضعف بكثير من الأخ السابع والثامن اللذين قتلهما المستخدم سابقاً. تقدير فرصة فوز المستخدم في قتال مباشر مع إطلاق كامل الإمكانات: 94%. حتى دون تحكم الشريكة، النسبة 78%.

ابتسم نورد.

"ثلاثيني،" قال نورد. "أو ربما أربعيني. ولا تزال عالقاً في نجمة ذروة؟ هل أنت عديم الفائدة حقاً؟ لو كنت في عمرك، لصرت سيداً كبيراً."

ضحك المغامرون من حولهم. بعضهم كان يعرف جاكور، وكان يكره غطرسته. كانوا يضحكون بحماس، ويصفّرون، ويشجعون نورد بصوت عالٍ.

"أحرقه يا صغيري!"

"جاكور، لا تدع هذا المراهق يهينك!"

"هذا الشاب لديه كبد أسد!"

احمر وجه جاكور غضباً. قبضتاه كانتا مشدودتان، وعروق رقبته كانت منتفخة.

"أيها الضفدع اللعين،" همس جاكور بصوت أصبح بارداً. "هل تريد الموت؟"

"الموت من ثلاثيني ضعيف مثلك؟" قال نورد، وابتسامته لم تفارق وجهه. "هذا آخر ما أعتقد أنني سأموت بسببه."

لم يستطع جاكور التحمل أكثر. تقدم خطوة نحو نورد، وكاد أن يمسك بقميصه. لكنه توقف. كان يعرف أن القتال داخل النقابة ممنوع. كان يعرف أن العقوبة شديدة.

"تعال إلى ساحة القتال،" قال جاكور، وصوته كان يرتجف من الغضب. "وارني قوتك. سأريكم كيف يموت الضفادع الصغيرة."

ابتسم نورد. "لا بأس. لا أعتقد أنني سأخسر أمام بائس مثلك. لكن سأمنحك فرصة لتتعلم درساً في التواضع."

صفق المغامرون حولهم. كانوا يدفعون بعضهم ليفسحوا طريقاً نحو ساحة القتال. حتى السكرتيرات توقفن عن العمل وأصغين. القتال في النقابة كان ممنوعاً، لكن ساحة القتال كانت مخصصة لهذا الغرض، وكانت الحماسة تملأ القاعة.

تدخل رجل من بين الحشود. كان طويل القامة، نحيل الجسم، وشعره أشعل طويل مربوط خلف رأسه. كان يرتدي درعاً جلدياً أسود، وسيفين على ظهره. هالته كانت في مستوى نجمتين في القتال.

"هل تريدان قتالاً في الساحة؟" قال الرجل بصوت هادئ لكنه وصل إلى كل من في القاعة.

"نعم،" قال جاكور.

"نعم،" قال نورد.

"إذاً اتبعاني."

تبع نورد وجاكور الرجل، وخلفهما حشد من المغامرين. كانوا يتدافعون، يضحكون، يراهنون على من سيفوز. معظم الرهانات كانت على جاكور. كانوا يعرفونه، وكانوا يعرفون أنه نجمة ذروة. أما نورد، فكان وجهاً جديداً، شاباً، غريباً.

ساحة القتال كانت في الطابق السفلي من النقابة. كانت غرفة واسعة، مستديرة، أرضها من الرمل الناعم. حولها، كانت هناك مدرجات خشبية صغيرة تتسع لحوالي مئتي شخص. كان السقف مرتفعاً، والنوافذ كانت مغلقة بقضبان حديدية.

وقف نورد في جهة من الساحة، وجاكور في الجهة المقابلة. الرجل ذو النجمتين، الذي عرفوا اسمه يورفو، وقف في المنتصف.

"قواعد القتال: استسلام أو خروج من الحلبة أو عجز عن المواصلة. لا تقتل. لا تجرح بقصد الإعاقة الدائمة. الحكم هو الفيصل النهائي."

نظر يورفو إلى نورد، ثم إلى جاكور.

"استعدوا."

جاكور لم ينتظر. اندفع نحو نورد كالثور، قبضته اليمنى كانت متجهة نحو وجه نورد. كانت ضربة قوية، سريعة، لكنها كانت مستقيمة، متوقعة.

نورد تفادى.

حركة بسيطة، خطوة إلى اليسار، ميلان بالرأس. قبضة جاكور مرت في الهواء أمام وجهه بالسنتيمترات.

"بطيء،" قال نورد.

زأر جاكور، واندفع مجدداً. هذه المرة، لم يضرب بقبضته فقط. ركلة سريعة نحو بطن نورد، تابعها بلكمة نحو كتفه. نورد تفادى الركلة بقفزة خفيفة، وتفادى اللكمة بانحناءة.

كان أسرع. كان أذكى. كان يقرأ حركات جاكور قبل أن ينفذها.

لكنه لم يهاجم بعد. كان يريد أن يطيل القتال. كان يريد أن يري الجميع كم هو متفوق، وكم هو جاكور ضعيف رغم مستواه.

"هل هذه كل قوتك؟" قال نورد وهو يلهث قليلاً. "توقعت أكثر من نجمة ذروة."

غضب جاكور. هاجم بجنون هذه المرة. ضربات متتالية، بلا توقف، بلا تفكير. كان كمن يضرب كيس رمل، لا كمن يقاتل خصماً حقيقياً.

نورد كان يتحرك كالظل. يتفادى هنا، يصد هناك، يتراجع أحياناً، يتقدم أحياناً أخرى. كان سيفه لا يزال في غمده. كان يقاتل بيديه فقط.

"أخرج سيفك!" صرخ جاكور، وهو يلهث.

"لا أحتاج إليه،" قال نورد.

هذه كانت إهانة أكبر. جاكور في مستوى نجمة ذروة، يستخدم قبضتيه، وخصمه في مستوى نجمة متقدمة، لا يزال يتهرب منه دون عناء.

زأر جاكور بأعلى صوته. ضرب الأرض بقبضته بقوة. الغبار تطاير، والرمل تناثر في كل اتجاه. نورد رفع يده ليتفادى الغبار، لكن جاكور استغل هذه الفرصة.

قفز نحو نورد، وضربه في كتفه.

لم تكن ضربة قوية. جاكور كان متعباً، وضرباته فقدت كثيراً من قوتها. لكنها كانت مؤلمة. شعر نورد بألم حاد، وتراجع خطوة إلى الخلف.

ابتسم جاكور. "هل رأيت؟ هذا الفرق بين المستويين."

مسح نورد كتفه، وابتسم.

"حسناً. انتهى وقت اللعب."

أخرج سيفه.

لم يهاجم بسرعة. مشى نحو جاكور ببطء، كمن يتجول في حديقة. جاكور هاجم، ضربته كانت بطيئة، متعبة. نورد تفاداها بسهولة، وضرب جاكور على مرفقه بمقبض سيفه.

صرخ جاكور. سقط سيفه من يده قبل أن يدرك أنه سقط.

نورد لم ينتظر. ركلة في بطنه. جاكور طوى على نفسه، وتقيأ هواء. ثم ضربة بمقبض السيف في ظهره. سقط جاكور على ركبتيه.

"استسلم،" قال نورد، وسيفه على رقبة جاكور.

نظر جاكور إلى السيف، ثم إلى نورد. عيناه كانتا ممتلئتين بالكراهية والخوف والعار.

"أستسلم،" همس.

رفع نورد سيفه، وأعاده إلى غمده. نظر إلى الجمهور.

صمت المكان للحظة.

ثم انفجر التصفيق.

لم يكن تصفيقاً عادياً. كان تصفيقاً مدوياً، ممزوجاً بالصفير والهتاف. المغامرون كانوا يقفزون من مقاعدهم، يصفقون بأيديهم حتى احمرت، يصفّرون بأصابعهم حتى بح صوتهم.

"ما هذا الشاب؟!"

"هزم نجمة ذروة بسهولة!"

"من أين أتى هذا الوحش الصغير؟"

يورفو، الرجل ذو النجمتين، وقف في منتصف الساحة ورفع يده. هدأ الجمهور تدريجياً.

نظر يورفو إلى نورد، وابتسم ابتسامة عريضة. كانت عيناه زرقاوان صافيتان، تلمعان بالاحترام.

"صديقي الشاب،" قال يورفو بصوته الهادئ. "أنت مرحب بك في مجموعة السيف الثقيل. مجموعتي. أتشرف بانضمامك في أي وقت."

مد يده إلى نورد. نظر نورد إلى اليد، ثم إلى وجه يورفو.

تحليل: يورفو. مستوى نجمتين في القتال. لغة جسده وتعبيرات وجهه تشير إلى أنه كان مستعداً لإنقاذ المستخدم لو كاد أن يصاب بإصابة خطيرة. ليس شخصاً سيئاً. يمكن الوثوق به بشكل مبدئي.

صافح نورد يورفو.

"سأفكر في الأمر،" قال نورد. "شكراً لك."

ترك يورفو يده، ونظر إلى جاكور الذي كان لا يزال جالساً على ركبتيه، لم ينهض. كان وجهه مغطى بالغبار والعار.

"وجاكور،" قال يورفو. "تعلم درساً اليوم. القوة ليست كل شيء. التواضع أيضاً."

لم يرد جاكور. نهض بصعوبة، ومشى خارج الساحة دون أن ينظر إلى الوراء.

عاد نورد إلى القاعة الرئيسية. الناس كانوا ينظرون إليه بنظرات مختلفة. بعضهم كان بإعجاب، وبعضهم كان بحسد، وبعضهم كان بفضول. لم يعد الوجه الجديد الغريب. أصبح تومان، مغامر هزم نجمة ذروة في قتال شرف.

وقف أمام لوحة الإعلانات مجدداً، وبدأ يبحث عن مهمة.

لكنه كان يعرف أن هذا اليوم لن ينسى. وأن اسمه، ولو كان مزيفاً، قد بدأ ينتشر في النقابه

2026/05/20 · 6 مشاهدة · 1468 كلمة
نادي الروايات - 2026