بعد قتاله مع جاكور، عاد نورد إلى القاعة الرئيسية للنقابة. كان المغامرون لا يزالون ينظرون إليه بين الحين والآخر، يهمسون لبعضهم، ويشيرون بأصابعهم. لكنه تجاهلهم وتوجه نحو طاولات السكرتيرات.
كانت الطوابير قد قصرت قليلاً. اختار أقصر طابور، ووقف ينتظر. أمامه، كان مغامر طويل القامة يبدو في الثلاثين من عمره، يحمل ترخيصاً لمهمة صيد وحوش. السكرتيرة أنهت معاملته بسرعة، ثم نظرت إلى نورد.
"تومان؟" قالت السكرتيرة، وكانت نفس الشابة التي سجلته أمس. كانت تبتسم ابتسامة صغيرة.
"نفسه،" قال نورد مبتسماً. "أريد أن أرى قائمة المهام."
أشارت نحو لوحة الإعلانات خلفها. "المهام معلقة هناك. يمكنك اختيار ما يناسب مستواك."
نظر نورد إلى اللوحة. كانت مكتظة بالأوراق، كل ورقة تصف مهمة: حراسة قافلة، صيد وحوش، مرافقة تاجر، حراسة بوابة، بحث عن أعشاب نادرة. كانت المهام متنوعة، والمكافآت تتراوح بين خمس عشرة قطعة فضية إلى ثلاثين قطعة ذهبية.
عيناه توقفتا عند ورقة صغيرة في زاوية اللوحة السفلية.
كانت مكتوبة بخط أسود عادي، ليس ذهبياً كالمهام الخطيرة. قرأها:
"مهمة درجة ثانية: البحث عن إيما لانفورد، طفلة في السابعة من عمرها، مفقودة منذ ثمانية أيام. آخر مرة رئيت في حي التجار الشرقي. المكافأة: ثلاثون قطعة ذهبية."
توقف نورد عند هذه المهمة. الباقي كله كان عن حراسة وصيد، عن مال وحماية. هذه كانت عن إنسان. عن طفلة.
توجه إلى طاولة السكرتيرة.
"أريد هذه المهمة،" قال مشيراً نحو الورقة.
نظرت السكرتيرة إلى الورقة، ثم إلى نورد. كانت عيناها تضيقان قليلاً.
"مهمة البحث عن إيما لانفورد؟"
"نعم."
تنهدت السكرتيرة. "قبل أن تقرر، يجب أن أعلمك بشيء. هذه المهمة حاول إنجازها ستة أشخاص قبلك. ثلاثة مغامرين منفردين، وفريق من ثلاثة. كلهم فشلوا في العثور عليها."
رفع نورد حاجبيه. "ستة أشخاص؟"
"نعم. بعضهم بحث ليوم، وبعضهم بحث لثلاثة أيام. كلهم عادوا خاليي اليدين. لهذا السبب، تم رفع المكافأة من ثلاثين قطعة ذهبية إلى مئتين وخمسين."
صفر نورد بصوت منخفض. مئتان وخمسون قطعة ذهبية. هذا مبلغ ضخم. كان يمكن أن يشتري بها منزلاً في ميلكونيا، أو سيفاً من حدادة جوريم، أو يعيش دون عمل لمدة عام كامل.
"لماذا هذا المبلغ الكبير؟" سأل نورد. "هل الطفلة مهمة جداً؟ ابنة تاجر كبير؟ قريبة حاكم؟"
هزت السكرتيرة رأسها. "لا. والدها تاجر صغير، يدير محلاً للبهارات في حي التجار الشرقي. ثروته كلها لا تتجاوز ألف قطعة ذهبية. لكنه ضحى بربع ثروته ليأمل في العثور على ابنته."
صمت نورد للحظة. ألف قطعة. ضحى بمئتين وخمسين منها. هذا ليس استثماراً، هذا أمل. أمل أب يائس.
"من هم الأشخاص الستة الذين حاولوا؟" سأل نورد.
السكرتيرة فتحت درجها، وأخرجت ملفاً سميكاً من الورق. كان على غلافه مكتوب: "إيما لانفورد - مفقودة". ناولته لنورد.
"جميع التقارير موجودة هنا. المشاهدات الأخيرة، أماكن البحث، إفادات الشهود. لا يوجد شيء واضح. هي اختفت كأن الأرض ابتلعتها."
فتح نورد الملف. كانت الصفحة الأولى تحوي صورة مرسومة لطفلة صغيرة، شعرها أشقر، عيناها زرقاوان، تبتسم ببراءة. في الأسفل، كانت مكتوبة تفاصيلها: العمر 7، الطول 110 سم، الوزن 18 كجم، آخر مرة رئيت في 15 من شهر الخريف.
قلب نورد الصفحات بسرعة. كانت مكتظة بتقارير المباحثين: "زار شارع الحرير، تحدث مع خمسة باعة، لم يجد شيئاً." ... "بحث في الأزقة الخلفية، عثر على حذاء قديم ليس لها." ... "استجوب جيران العائلة، قالوا إنها لعبت مع أطفال الحي في اليوم السابق لاختفائها."
لا شيء واضح. لا خيط. لا دليل. لا أمل.
ثم توقفت عينا نورد عند صفحة معينة. كانت تحتوي على جدول صغير، مكتوب بخط دقيق، يسرد الأماكن التي زارتها إيما في الأيام الثلاثة الأخيرة قبل اختفائها.
اليوم الثالث قبل الاختفاء: حديقة الحي الشرقي - صحبة والدتها.
اليوم الثاني قبل الاختفاء: سوق الحدادين - صحبة والدها.
اليوم الأول قبل الاختفاء: متجر البقالة - بمفردها (لأول مرة).
يوم الاختفاء: لعبت في الشارع أمام المنزل مع أطفال الحي - ثم اختفت.
رفع نورد رأسه إلى السكرتيرة. "هل يعقل أن طفلة في السابعة تذهب إلى متجر البقالة بمفردها لأول مرة، وفي اليوم التالي تختفي؟"
هزت السكرتيرة كتفيها. "هذا ما قاله والدها. كان فخوراً بأنها أصبحت كبيرة بما يكفي للذهاب وحدها. ربما هذا ما جذب انتباه الخاطف."
"أو ربما هذا هو الدليل."
أغلق نورد الملف، ووضعه تحت ذراعه. "سأقبل المهمة."
ابتسمت السكرتيرة ابتسامة صغيرة. "حظاً سعيداً يا تومان. ستحتاج إليه."
---
خرج نورد من النقابة والملف تحت ذراعه. السماء كانت غائمة قليلاً، والرياح كانت باردة. مشى نحو الحي الشرقي حيث كانت تقع عائلة لانفورد. كان بعيداً عن نزله، لكنه لم يمانع المشي. كان بحاجة إلى وقت ليفكر.
تحليل الملف: المعلومات متناثرة وغير منسقة. هناك تناقضات في تواريخ المشاهدات حسب إفادات الشهود. يوصى بمعاينة المواقع بنفسه.
"أعرف،" همس نورد. "لهذا قبلت المهمة."
تعليق: الدافع عاطفي وليس مادياً. هذا غير معتاد في سلوك المستخدم.
"أنا لست آلة يا شريحة. أحياناً أفعل أشياء لأنها صحيحة، وليس لأنها مفيدة."
تم التسجيل.
---
وصل نورد إلى حي التجار الشرقي. كانت المباني أقل ارتفاعاً، والشوارع أقل نظافة، والناس أقل أناقة. رائحة البهارات والتوابل كانت تملأ المكان، ممزوجة برائحة الخبز القديم والجلد المدبوخ. كان الجو هنا مختلفاً عن وسط المدينة. لا عربات رون، لا أبنية شاهقة، لا أضواء زرقاء. هنا، كانت الحياة أبطأ، أفقر، وأكثر تواضعاً.
توقف نورد أمام دكان صغير. كانت واجهته خشبية متواضعة، مكتوب عليها بأحرف باهتة: "بهارات لانفورد - منذ 30 عاماً". الباب كان مفتوحاً، والداخل كان مظلماً قليلاً. رائحة الكمون والكزبرة والفلفل كانت تخرج من الداخل كأنها تختبئ في الزوايا.
دخل.
كان رجل في الأربعين من عمره يجلس خلف الطاولة، يديه متشابكتان على سطحها الخشبي، وعيناه منتفختان من البكاء والأرق. كان يرتدي مئزراً متسخاً بالبهارات، ولحيته غير مهذبة، وشعره أشعث كأنه لم يمس مشطاً منذ أيام. كانت الأكياس مليئة بالبهارات مكومة خلفه، والموازين النحاسية كانت مغبرة، وكأنه لم يعد يهتم بالعمل منذ اختفت ابنته.
قال نورد بلطف، ومد يده ليقدم نفسه. "أنا تومان. مغامر من النقابة. قبلت مهمة البحث عن ابنتك."
تغير تعبير آلان. لم يختبئ خلف السؤال بعد الآن. كانت عيناه تدمعان فجأة، ليس حزناً فقط، بل امتناناً وصدمة وأملاً مختلطاً ببعضهما.
"أنت... أنت تبحث عن إيما؟" همس، وكأنه لا يصدق.
"نعم."
ارتجفت شفتا آلان. لم يبكِ بصوت عالٍ، لكن دموعه انهمرت على خديه كالنهر البطيء بعد سد انهار. تقدم نحو نورد وكاد أن يمسك بيديه، لكنه توقف في آخر لحظة، محترماً مسافة الغريب.
"شكراً لك! شكراً لك!" قال بصوت متقطع. "ستة قبلك... ستة! قالوا إنهم سيبحثون... كلهم فشلوا... لكني لا أزال آمل. لا أستطيع التوقف عن الأمل."
نظر نورد إلى الرجل. كان هزيلاً، مرهقاً، منهكاً. كانت عيناه غائرتين، وهالات سوداء تحتهما كأنه لم ينم منذ أسبوع. كان يبدو كجثة تمشي.
"لا تشكرني قبل أن أجدها،" قال نورد. "لكن سأبذل قصارى جهدي."
مسح آلان دموعه بكم قميصه. "ماذا تريد مني؟ أي شيء. أي شيء!"
"هل يمكنني رؤية غرفتها؟"
"نعم، نعم. تعال."
صعدا الدرج الخشبي إلى الطابق الأول. كانت الدرجات تصدر صريراً تحت أقدامهما، والجدران كانت مطلية بلون أصفر باهت متقشر. كان المنزل صغيراً، بسيطاً، متواضعاً. غرفة إيما كانت في نهاية الممر، بابها مفتوح كأنه ينتظر عودتها.
دخلا.
الغرفة كانت صغيرة، لا تتسع إلا لسرير صغير وخزانة ملابس وطاولة خشبية. على السرير، كانت دمية قماشية بالية، وشاح أحمر صغير، وكتاب قصص ممزق الأطراف. على الحائط، كانت معلقة رسومات طفلة: شمس، زهور، بيت، عائلة مبتسمة.
نظر نورد إلى الرسومات. كانت بسيطة، طفولية، لكنها كانت جميلة. كانت تحمل أحلاماً لم تكتمل.
جثا على ركبتيه، ونظر تحت السرير. كان فارغاً. نظر في الخزانة. كانت مليئة بفساتين صغيرة ملونة، مرتبة بعناية. نظر تحت الوسادة. لم يكن هناك شيء.
وقف، وبدأ يتفقد الغرفة بعناية. عيناه كانتا تتحركان ببطء، تمسحان كل زاوية، كل شق، كل ظل.
تحليل الغرفة: لا توجد علامات عنف أو اقتحام. لا توجد أدلة على أن الطفلة غادرت ضد إرادتها. يبدو أنها غادرت طواعية، أو أنها عرفت من يخرج معه. الأغراض الشخصية مرتبة بعناية، مما يشير إلى أنها لم تغادر في حالة هلع أو خوف. الدمية على السرير موضوعة بشكل مقصود، كأن صاحبتها قالت "سأعود قريباً".
هذا جعل الأمور أكثر تعقيداً. لو كانت اختطفت، لكان هناك دليل. لكن لا شيء. كأنها مشت بقدميها، أو كأن أحداً أقنعها بالذهاب معه.
"شكراً لك،" قال نورد لآلان. "سأبدأ البحث من آخر مكان رئيت فيه."
"الشارع أمام المنزل،" قال آلان، وصوته كان لا يزال مرتجفاً. "كانت تلعب مع أطفال الحي. ثم اختفت."
"هل لاحظت أي شيء غريب في الأيام التي سبقت اختفاءها؟ أي شخص غريب؟ أي شيء غير عادي؟"
فكر آلان للحظة. "كانت سعيدة جداً. أكثر من المعتاد. قالت إن لديها صديقاً جديداً. لكنها لم تخبرني من هو. قالت إنه سر."
"صديق جديد؟"
"نعم. ضحكت عندما سألتها. قالت: 'لا تقلق يا أبي، إنه لطيف'. ظننت أنه خيال. الأطفال في عمرها يختلقون أصدقاء وهميين."
دوّن نورد هذه المعلومة في ملفه.
"آخر سؤال،" قال نورد. "هل كانت ترتدي شيئاً مميزاً في يوم اختفائها؟ أي شيء يمكن تمييزه؟"
"كانت ترتدي وشاحها الأحمر. تحبه كثيراً. لا تخلعه أبداً."
نظر نورد إلى السرير. الوشاح الأحمر كان هناك. موضوع بدقة على الدمية.
لم تكن ترتديه. تركته.
لماذا تترك وشاحها الأحمر الذي لا تخلعه أبداً في يوم تختفي فيه؟
تحليل: الوشاح الأحمر كان متعلقاً عاطفياً بالطفلة. تركه في المنزل قد يشير إلى أنها لم تخطط للغياب الطويل، أو أنها غادرت في عجلة، أو أن شخصاً أقنعها بتركه.
نزل نورد الدرج، وخرج من المنزل. آلان وقف عند الباب، ينظر إليه بعيون ممتلئة بالأمل والخوف.
"سأجدها،" قال نورد قبل أن يمشي. "وعد."
لم يلتفت إلى الوراء. سار نحو الشارع الذي لعبت فيه إيما في آخر يوم لها.
---
كان الشارع ضيقاً، مرصوفاً بالحجارة غير المنتظمة. على جانبيه، كانت تصطف بيوت متلاصقة، واجهاتها متواضعة، ونوافذها مغلقة بألواح خشبية قديمة. في نهاية الشارع، كان هناك فضاء مفتوح صغير، حيث كانت تجلس أمهات مع أطفالهن، وكلاب نائمة تحت أشجار الزيتون القزمية.
جثا نورد على الأرض، وبدأ يتفقد المكان بعناية. عيناه كانتا تمسحان الحجارة، التربة، الشقوق. كان يبحث عن أي شيء، أي أثر، أي إشارة. الأصابع كانت تلمس الأرض برفق، كأنها تقرأ كتاباً من التراب.
الأرض كانت جافة، والغبار كان يغطي كل شيء. مرت ثمانية أيام على اختفاء الطفلة، ومعظم الآثار كانت قد اختفت تحت أقدام المارة والرياح.
لكنه وجد شيئاً.
تحليل الأرض: توجد آثار أقدام عميقة غير معتادة. الحذاء الذي تركها ثقيل، غير عادي، يبدو أنه لحذاء رجل ضخم. مقاس الحذاء أكبر من المتوسط بكثير. الوزن موزع بشكل غير متساوٍ، مما يشير إلى أن صاحب الحذاء كان يحمل شيئاً ثقيلاً، أو أن جسده غير متوازن.
جثا نورد على ركبتيه، ودقق النظر. كانت الآثار باهتة، بالكاد مرئية، وكأن الرياح والأيام حاولت محوها عمداً. لم يكن هناك سوى أربعة أو خمسة آثار فقط، متباعدة بشكل غير منتظم، وكأن صاحبها كان يقفز أو يتحرك ببطء شديد.
لكنها كانت كافية.
تحليل إضافي: شكل الأثر فريد. الكعب عريض بشكل غير طبيعي، ومقدمة الحذاء مدببة قليلاً. هذا النمط نادر. يمكن استخدامه كبصمة للتعرف على صاحب الحذاء إذا تم العثور عليه لاحقاً. عمق الأثر يشير إلى وزن زائد، ربما معدني. بعض المقاتلين يلبسون أحذية مبطنة بألواح حديدية خفيفة لحماية القدمين. أو ربما كان الشخص يحمل شيئاً ثقيلاً جداً، كطفلة مقيدة.
هذا كان خيطاً.
نظر نورد حوله. أين تتجه الآثار؟ كانت تمتد من أمام المنزل إلى نهاية الشارع، ثم تتجه يساراً نحو زقاق ضيق. اتبعها.
الزقاق كان مظلماً، ضيقاً، لا نوافذ تطل عليه. الجدران مرتفعة ومغطاة بالطحلب، والأرض رطبة قليلاً من مياه المجاري القريبة. رائحة العفن والرطوبة كانت تملأ المكان، ممزوجة برائحة بول القطط والكلاب الضالة.
في منتصف الزقاق، توقفت الآثار.
لم تختفِ فجأة. تلاشت تدريجياً. لأن الحذاء كان ثقيلاً، لكنه لم يكن ثقيلاً بما يكفي لترك أثر عميق بعد ثمانية أيام. الرياح، المارة، والغبار طمسوا الباقي.
لكن الأربعة أو الخمسة آثار التي بقيت كانت كافية لتشكيل صورة واضحة في ذهن نورد. كان يعرف الآن شكل الحذاء، مقاسه التقريبي، ووزن صاحبه.
وكان يعرف الاتجاه الذي كان يسير فيه.
خرج من الزقاق إلى شارع آخر. أوسع قليلاً، وأقل ظلمة. هنا، كانت الآثار قد اختفت تماماً. لم يعد هناك أي أثر مرئي.
تحليل: الآثار انتهت عند مخرج الزقاق. لكن الشارع التالي يؤدي إلى مناطق مختلفة. أين تتجه؟ يوصى بالبحث عن أدلة أخرى غير الآثار.
واصل نورد السير في الشارع. كان يتجه نحو منطقة أكثر ازدحاماً، أكثر حيوية، حيث المتاجر والمقاهي والحانات كانت لا تزال مفتوحة رغم قرب المساء.
توقف عند كشك صغير يبيع المشروبات الساخنة. صاحبه كان رجلاً عجوزاً يجلس على كرسي خشبي، يدخن غليوناً طويلاً، وينظر إلى المارة بعيون خبيرة.
"صباح الخير،" قال نورد. "هل رأيت رجلاً طويل القامة، ضخم البنية، كان يمشي في هذا الشارع قبل ثمانية أيام؟ كان يرتدي حذاءً ثقيلاً."
نظر العجوز إلى نورد من فوق غليونه. "ثمانية أيام؟ كيف أتذكر من كان يمشي منذ ثمانية أيام؟"
"لأن حذاءه كان ثقيلاً جداً. ربما سمعت صوته."
فكر العجوز للحظة، ثم أخرج الغليون من فمه. "آه، ذاك الضخم. نعم، مر من هنا. كنت جالساً في المساء، وسمعت وقع أقدامه قبل أن أراه. كان يحمل شيئاً ثقيلاً. حزمة كبيرة ملفوفة بقطعة قماش."
وقف نورد منتبهاً. "حزمة؟ أي حجم؟"
"بحجم طفل صغير تقريباً. ظننت أنه يحمل بضاعة. لكنه كان يسير بسرعة، كأنه يهرب من شيء."
"هل رأيت أين ذهب؟"
أشار العجوز بغليونه نحو نهاية الشارع. "توجه نحو الحانة القديمة هناك. 'حانة المسافر'. بعدها، لم أره يخرج."
شكر نورد العجوز، وأسرع خطواته نحو نهاية الشارع.
---
في نهاية الشارع، كان هناك مبنى قديم. واجهته متسخة، ونوافذه مغلقة بألواح خشبية صدئة. الطلاء كان يتقشر من على الجدران، وكأن المكان لم يصله عامل صيانة منذ عقود. فوق الباب، كانت تعلق لافتة شبه متهالكة، مكتوب عليها بحروف باهتة: "حانة المسافر - دخول ممنوع لمن هم دون 18 سنة". الحروف كانت ممحوة جزئياً، وكأنها لم تعد تهم أحداً.
لم تكن هناك موسيقى، ولا ضحكات، ولا أصوات كؤوس. كان المكان صامتاً، كأنه مهجور. لكن الباب كان مفتوحاً بمقدار ضئيل، وشريط ضوء خافت كان يخرج من الشق.
نظر نورد إلى اللافتة، ثم إلى المبنى. كانت نوافذه مظلمة، ولا صوت يخرج من داخله. كان المكان موحياً، غامضاً، مريباً.
فتح الباب، ودخل.