دفع نورد الباب الخشبي الثقيل ففتح على مصراعيه. كان الصوت الذي أحدثه أشبه بصرخة طائر جريح في ليلة مظلمة.
دخل.
الرائحة كانت أول ما ضربه. ليست رائحة واحدة، بل مزيج من روائح كريهة: البيرة الحامضة التي فسدت منذ أيام، والتبغ الرخيص الذي يحرق الحلق قبل أن يدخله، والعرق المتراكم على أجساد لم تعرف الماء الساخن منذ أسابيع، والخشب المتعفن الذي يمتص كل هذه الروائح ويخزنها ككنز مرعب. كان المكان ضيقاً، منخفض السقف، وعوارضه الخشبية السوداء بالسنين كانت تتدلى كأصابع ميتة تهدد بالسقوط.
كان الظلام هو سيد المكان. مصابيح زيتية قليلة كانت معلقة على الجدران، تعطي ضوءاً خافتاً برتقالياً لا يكفي لرؤية وجوه الزبائن بوضوح، لكنه كان كافياً لرؤية ظلالهم تتحرك كأشباح في قاعة انتظار الموت.
الزبائن كانوا قلة. خمسة أو ستة رجال، موزعين على طاولات خشبية متسخة، كل واحد منهم يحاول أن يبدو وحيداً أكثر مما هو عليه. بعضهم كان يرتدي أردية ممزقة تخفي سيوفاً قصيرة، وبعضهم كانت وجوههم مغطاة بندوب قديمة، وآخر كان يجلس في الزاوية البعيدة، قبضته مشدودة على كأس بيرة نصف فارغة، وعيناه تتحركان بسرعة كأنه ينتظر هجوماً في أي لحظة.
تحليل المكان: حانة غير مسجلة رسمياً في خرائط النقابة. الزبائن من النوع الهامشي: قطاع طرق متخفون، لصوص صغار، باعة معلومات. ثلاثة منهم يحملون أسلحة خفية. واحد في مستوى نجمة واحدة منخفض في القتال، والباقي دون مستوى نجمي. لا يوجد مقاتل قوي ظاهرياً، لكن هذا لا يعني أن المكان آمن.
نورد لم يرفع هالته. تركها في مستوى نجمة منخفضة، كما كان يفعل دائماً. لا يريد أن يلفت الانتباه أكثر مما يجب.
توجه نحو الطاولة الخشبية التي تخدم كبار. خلفها، كانت تقف امرأة في الأربعين من عمرها، وجهها منتفخ قليلاً، وعيناها زرقاوان باردتان، ويديها متسختان ببقايا البيرة الجافة. كانت ترتدي فستاناً أسود بالياً، ومئزراً أبيض كانت بقع البيرة قد حولته إلى لوحة فنية تجريدية.
"ماذا تريد؟" سألت المرأة بصوت خشن، كمن يدخن ثلاثين سيجارة في اليوم.
"بيرة،" قال نورد، وألقى قطعة فضية على الطاولة.
نظرت المرأة إلى القطعة، ثم إلى نورد. كان الغرباء في هذه الحانة لا يدفعون بقطع فضية. كانوا يدفعون بالنحاس، أو بوعود لا يوفون بها.
أخذت القطعة، ووضعت كأساً زجاجياً متسخاً أمام نورد، وملأته بسائل أصفر باهت من برميل خشبي قريب. الرائحة كانت كافية لإخبار أي شخص عاقل أن هذا ليس بيرة، بل شيء آخر.
نظر نورد إلى الكأس، ثم إلى المرأة. لم يقل شيئاً. أخذ الكأس، ومشى نحو زاوية فارغة في آخر القاعة، حيث لا أحد يراه من جميع الجهات. جلس على كرسي خشبي يتأرجح قليلاً، ووضع الكأس على الطاولة دون أن يشرب منه.
تحليل المكان: الزبائن في حالة مراقبة متبادلة. لغة جسدهم تدل على أنهم ليسوا هنا للشرب، بل لانتظار شيء أو شخص ما. ثلاثة أشخاص يحدقون في المستخدم منذ دخوله. يوصى بتجنب التواصل البصري المباشر.
نورد أطاع. جلس بهدوء، وعيناه كانتا تتحركان ببطء، تمسحان المكان، تحللان كل شخص، كل حركة، كل همسة.
الرجل الذي في الزاوية البعيدة كان يمسك كأسه بيده اليسرى، بينما يده اليمنى كانت تحت الطاولة. ربما يمسك سلاحاً. الرجل الذي على الطاولة المجاورة كان ينظر إلى نورد بين الحين والآخر، ثم ينظر إلى الباب، ثم يعود. كان يبدو كمن ينتظر شخصاً لم يأتِ بعد.
المرأة التي خلف الطاولة كانت تنظف كأساً زجاجياً بنفس القماشة المتسخة منذ خمس دقائق. لم تكن تنظف، كانت تراقب. تراقب نورد.
جلس نورد هكذا لربع ساعة. لم يشرب، لم يأكل، لم يتكلم. فقط كان يراقب، والشريحة تحلل.
ثم قرر أن الوقت قد حان للسؤال.
وقف، وتوجه نحو الطاولة. المرأة كانت لا تزال تنظف نفس الكأس.
"أبحث عن شخص،" قال نورد بصوت منخفض. "رجل ضخم. حذاؤه ثقيل جداً. مر من هنا قبل أيام."
المرأة توقفت عن تنظيف الكأس. نظرت إلى نورد بعينيها الزرقاوين الباردتين. لم تبتسم، لم تعبس. فقط نظرت.
"لا أعرف أحداً كهذا،" قالت، وعادت إلى تنظيف كأسها.
أخرج نورد قطعتين فضيتين من جيبه، ووضعهما على الطاولة. "ربما تتذكرين الآن."
نظرت المرأة إلى القطعتين، ثم إلى نورد، ثم إلى القطعتين مجدداً.
"جلس في الزاوية البعيدة،" قالت بصوت أصبح أقل خشونة قليلاً. "ظهر قبل خمسة أيام. كان ضخماً، كما قلت. حذاؤه كان يصدر صوتاً في كل خطوة. طلب مشروباً، ودفع بقطعة ذهبية."
صفر نورد بصوت منخفض. قطعة ذهبية في حانة حقيرة كهذه. هذا ليس شراباً، هذا إعلان.
"ماذا كان يشرب؟"
"نفس ما عندنا. لم يهتم. شرب كأسه في جرعة واحدة، ثم طلب غرفة في الطابق العلوي."
"هل نزل بعدها؟"
هزت المرأة رأسها. "لم نره منذ ذلك الحين. لكن الغرفة لا تزال مؤجرة. يدفع كل صباح."
"من يدفع؟"
"خادم صغير يأتي كل صباح، يضع الذهب على الطاولة، ويذهب. لا نتحدث. لا نسأل."
دوّن نورد هذه المعلومات في ذهنه. خادم صغير. هذا يعني أن الرجل لا يزال هنا، أو أن لديه من يخدمه من الخارج.
"هل يمكنني رؤية الغرفة؟"
المرأة نظرت إليه طويلاً. كانت عيناها تقرآن شيئاً لا تقوله.
"الطابق العلوي. آخر باب على اليمين. المفتاح معي." مدت يدها، وأخرجت مفتاحاً حديدياً صدئاً. "لكنني لم أرَ شيئاً. لم أسمع شيئاً. ولا أعرف أحداً."
أخذ نورد المفتاح، ووضع قطعة فضية إضافية على الطاولة.
"بالتأكيد."
---
صعد الدرج.
كان خشبياً، ضيقاً، يصدر صريراً مع كل خطوة. الجدران كانت مغطاة بورق جدران متقشر، عليه رسومات باهتة لزهور ماتت منذ زمن طويل. رائحة العفن كانت أقوى هنا، ممزوجة برائحة بول الفئران وغبار السنين.
الممر في الطابق العلوي كان مظلماً، لا نوافذ تطل على الخارج، لا مصابيح على الجدران. فقط ظلام كثيف، يتحرك كأنه كائن حي يتربص بالداخل.
أضاء نورد مصباحه الزيتي الصغير. الضوء الخافت كشف عن بابين خشبيين على كل جانب. أربعة أبواب. الأبواب كانت قديمة، مطلية بطلاء أسود متقشر، وعلى كل منها رقم محفور بشكل بدائي: 1، 2، 3، 4.
آخر باب على اليمين. رقم 4.
وقف نورد أمامه. كان الباب موصداً، لا صوت يخرج من خلفه. المفتاح كان يطاوع يده بصعوبة، لكنه فتح القفل في النهاية.
دفع الباب.
فتح.
كانت الغرفة فارغة.
لا سرير، لا طاولة، لا كرسي. فقط أرضية خشبية مغبرة، وجدران عارية، ونافذة صغيرة مغلقة بألواح خشبية. كان الضوء يتسلل من شقوق الألواح، مرسوماً خطوطاً ذهبية على الأرض كقضبان سجن.
لكن الغرفة لم تكن خالية تماماً.
في الزاوية، كانت هناك بقايا قماش. قطعة قماش بنية كبيرة، ممزقة من المنتصف، عليها بقع داكنة. جثا نورد بجانبها، ورفعها بحذر. القماش كان ثقيلاً، خشن الملمس، من النوع الذي يستخدم لتغليف البضائع، أو لف شيء كبير.
تحليل القماش: نوعية القماش ليست محلية. يبدو مستورداً من المناطق الجنوبية الغربية. البقع الداكنة هي دماء قديمة، جفت منذ 5-7 أيام. توجد شعيرات صغيرة عالقة في النسيج، تطابق وصف شعر إيما (أشقر، ناعم).
شدّ نورد عضلاته. هذا كان دليلاً. ليس قاطعاً، لكنه دليل.
نظر حوله مجدداً. على الأرض، كانت هناك آثار أقدام. نفس الحذاء الثقيل. أكثر وضوحاً هذه المرة، لأن الغرفة كانت مغلقة، والغبار لم يمسّه أحد. آثار حذاء ضخم تتحرك من الباب إلى النافذة، ثم تعود.
شخص كان يمشي هنا. ذهاباً وإياباً. ينتظر شيئاً. أو يستعد لشيء.
ثم رأى شيئاً يلمع في الزاوية البعيدة، قرب الجدار الخلفي.
كان قلادة فضية صغيرة. على شكل قلب.
اقترب نورد، والتقطها. كانت خفيفة، صغيرة، تناسب طفلة. على ظهرها، كانت محفورة أحرف صغيرة: "إيما، حب أبي وأمي".
تحليل القلادة: فضة عيار 925. نقوش دقيقة. ليس من إنتاج ميلكونيا، يبدو مستورداً من العاصمة. القلادة نظيفة، لا يوجد عليها غبار، مما يشير إلى أنها سقطت هنا منذ وقت قريب جداً. ربما أثناء الصراع أو النقل.
هذه كانت إيما. أو ما تبقى منها في هذا المكان.
وقف نورد، وقلبه كان ينبض بسرعة. كان على حق. الطفلة كانت هنا. شخص ما اختطفها، أو أقنعها بالمجيء، ثم أبقاها هنا، أو نقلها إلى مكان آخر.
كان يهم بوضع القلادة في جيبه عندما شعر بشيء بارد على رقبته.
خنجر.
لم يره أحد يقترب. لم يسمع خطوات. كانت المرأة هناك فجأة، كأنها خرجت من الجدار نفسه.
كانت في منتصف العمر، وجهها مغطى بندوب صغيرة، وأسنانها سوداء قليلاً من تسوس وتجاهل. عيناها كانتا صغيرتين، داكنتين، تلمعان بذكاء خبيث. كانت ترتدي ثياباً سوداء بسيطة، وخنجرها كان مثبتاً على رقبة نورد، والسكين لا يبعد عن شريانه بسنتيمترات.
"المغامر الصغير،" قالت بصوت هامس، ممزوج بالخشونة والسخرية. "لا أنصحك بالبحث في قضية كهذه. بعض الأسرار تكلف الحياة."
لم يتحرك نورد. كان يعرف أن أي حركة خاطئة تعني نهاية حياته.
لكنه كان يعرف أيضاً أنه ليس وحده.
تحذير: مهاجمة. مستوى نجمة واحدة متوسطة في القتال. خنجرها مسموم بالكراكن، سم بطيء يسبب شللاً عضلياً خلال 5-7 دقائق. لا يمكن للمستخدم التفادي بنفسه دون إصابات خطيرة.
التوصية: منح التحكم العصبي فوراً.
نورد لم يفكر كثيراً. كان الخنجر على رقبته، والمرأة كانت غريبة الأطوار، وكان الكلام لا يجدي.
"أمنحك التحكم،" همس داخلياً.
تم منح التحكم العصبي. مدة التحكم المقدرة: 30 ثانية.
لم يحدث شيء للحظة. كانت المرأة لا تزال تبتسم ابتسامتها القبيحة، وكان خنجرها لا يزال على رقبة نورد.
ثم تحرك جسد نورد.
لم يتراجع إلى الخلف كما تفعل الفريسة. انحنى إلى الأمام قليلاً، ثم إلى اليسار بسرعة خاطفة. الخنجر مر على أذنه محدثاً صوت صفير خفيفاً. قبل أن تدرك المرأة ما حدث، كان نورد قد أمسك بمعصمها بيده اليسرى، وضربها في بطنها بقبضته اليمنى.
لم تكن ضربة قوية. كانت دقيقة. ضربت نقطة معينة فوق المعدة، حيث الأعصاب حساسة، وحيث التنفس يصبح صعباً بعد الضربة.
تأوهت المرأة، وانحنت إلى الأمام قليلاً. استغل نورد هذا.
قرص معصمها عند نقطة التقاء العظمين. صرخت المرأة، وخنجرها سقط من يدها محدثاً صوتاً معدنياً على الأرض الخشبية.
تراجع جسد نورد خطوتين إلى الخلف. عاد نورد إلى قيادة جسده، وهو يلهث، وقلبه يدق كالطبول.
المرأة وقفت منتصبة مجدداً. كانت تمسك معصمها بيدها الأخرى، وعيناها تحترقان بالكراهية والدهشة.
"من أنت؟" همست.
لم يرد نورد. كان لا يزال يرتجف.
المرأة نظرت إليه طويلاً. ثم ابتسمت ابتسامة غامضة، وتراجعت خطوة نحو الباب.
"هذه ليست نهاية الأمر أيها الصغير،" قالت. "لا تتدخل فيما لا يعنيك."
ثم اختفت. كأنها ذابت في الظلام.
وقف نورد مكانه، يلهث. نظر إلى الخنجر على الأرض. كان لا يزال يلمع بالسم.
انتهى التحكم العصبي. المستخدم آمن حالياً. لكن الخطر لا يزال قائماً. يوصى بمغادرة المكان فوراً.
لم يحتج إلى توصية. التقط الخنجر بحذر، ووضعه في كيس من القماش، ثم أخرج القلادة من جيبه، ووضعها في كيس آخر.
نظر إلى الغرفة الفارغة للمرة الأخيرة. ثم خرج، وأغلق الباب خلفه.
نزل الدرج بسرعة. الحانة كانت لا تزال كما تركها. قليلة الزبائن، مظلمة، كئيبة. المرأة العجوز خلف الطاولة لم تنظر إليه. كأن شيئاً لم يحدث.
خرج نورد إلى الشارع.
كان الهواء البارد لطيفاً على وجهه بعد خانق الحانة. السماء كانت مظلمة، والنجوم كانت تلمع. كان قد مضى وقت طويل على دخوله.
"شريحة،" همس. "من كانت تلك المرأة؟"
لا توجد معلومات كافية. لكن أسلوبها في القتال، وسم الكراكن، وطريقة اختفائها، تشير إلى أنها ليست مجرد لصة عادية. ربما جاسوسة، أو قاتلة مأجورة، أو جزء من منظمة أكبر.
"ماذا تريد من إيما؟"
البيانات غير كافية للإجابة.
نظر نورد إلى السماء. كان يفكر في الطفلة الصغيرة، شعرها الأشقر، عيناها الزرقاوان، وقلادتها الفضية.
كان قد وجد دليلاً. لكن الطريق كان لا يزال طويلاً.
وكان هناك من لا يريد أن يجدها.