)

كانت الساعة تقترب من منتصف الليل عندما وصل نورد إلى مبنى نقابة المغامرين. الشوارع كانت فارغة، والمصابيح الرونية كانت تلمع بضوء أزرق خافت، ورجل عجوز كان يكنس الرصيف أمام مدخل مبنى مجاور ينظر إليه بنظرة فضولية.

نورد كان يبدو كمن خرج من حرب مصغرة. قميصه كان محروقاً من الجهة اليسرى، وممزقاً من الكتف والظهر، وملطخاً بالغبار والأوساخ. كمه الأيسر كان قد اختفى تماماً تقريباً، تاركاً ذراعه مكشوفة وعليها احمرار من كرة النار التي كادت تصيبه. سرواله كان متسخاً بالطين الجاف، وحذاؤه كان يصرخ مع كل خطوة كأنه يئن من التعب. شعره الأسود كان فوضويًا، منتفشًا في بعض الأماكن وملتصقاً بوجهه في أماكن أخرى من العرق والغبار.

دفع الباب الزجاجي الثقيل، ودخل.

القاعة الرئيسية كانت شبه فارغة في هذا الوقت المتأخر. المصابيح الرونية في السقف كانت مخفتة، تعطي ضوءاً يكفي لرؤية الطريق وليس أكثر. السكرتيرات الست اللواتي كن يعملن في النهار لم يبق منهن سوى اثنتين. إحداهن كانت تنظر في أوراقها بنعاس، والأخرى كانت تنظف أظافرها بمبرد صغير.

رفعت السكرتيرة الثانية رأسها عندما سمعت صوت الباب. كانت هي نفسها التي سجلته قبل أيام. شعرها البني المصفف في كعكة عالية كان قد تدلى قليلاً، ونظارتها كانت قد انزلقت على أنفها. عندما رأت نورد، اتسعت عيناها ووقفت من كرسيها بسرعة.

"تومان؟" قالت بصوت ممزوج بالدهشة والقلق. "ماذا بك؟ ماذا حدث لك؟"

اقترب نورد من طاولتها، وجلس على كرسي كان مخصصاً للزوار. شعر بقدميه تئنان، وجسده كله كان يطلب الراحة.

"قصة طويلة،" قال نورد وهو يمسح الغبار عن وجهه بكم قميصه الممزق. "المهمة التي قلت لي إنها درجة ثانية... هي أعلى من درجة ثانية بكثير."

جلس نورد وبدأ يحكي.

لم يذكر الشريحة طبعاً. قال إن لديه قدرة على رؤية الآثار الخفية، وتتبع التفاصيل الصغيرة التي لا يراها الآخرون. تحدث عن الأثر الثقيل في الأرض، وعن الحذاء الغريب، وعن الزقاق الضيق، وعن الحانة القذرة، وعن المرأة القبيحة التي كادت تذبحه، وعن المطاردة الطويلة بين الأزقة والأسواق المهجورة.

"وخمسة رجال في الحانة أخرجوا أسلحتهم وحاولوا قتلي،" قال نورد. "قفزت من النافذة، وهربت. ركضت عبر الأحياء الفقيرة، وتسلقت الأسطح، واستخدمت كل ما أعرفه لأبتعد عنهم."

"وكم كان عددهم؟" سألت السكرتيرة وعيناها تتسعان.

"خمسة في الحانة، ثم قناص على سطح، ثم ساحر أطلق كرات نار، ثم..." توقف نورد للحظة. "ثم رجل. يرتدي ملابس سوداء. قناع يغطي نصف وجهه. عيناه حمراوان. في مستوى نجمتين منخفض في القتال."

صمتت السكرتيرة. كانت تنظر إليه كأنه يروي قصة خيالية.

"وأنت هربت منه؟"

"ركضت أكثر مما قاتلت. استخدمت الحيل. ألقيت الخيام عليه. رميت الحجارة. تفاديت. ركضت. وصلت إلى هنا قبل أن يمسكني."

"هل أطلق عليك النار؟"

نظر نورد إلى الأرض. كان يعرف أن قول الحقيقة الكاملة قد يكون غير منطقي. ثماني عشرة رصاصة. تفاديها جميعاً. هذا قد يبدو كخيال حتى في عالم القوة والسحر.

"لا،" قال نورد. "كان يفضل القتال بالسيف. قال إن المسدسات ليست للأشراف."

لم تكن كذبة كاملة. الرجل قال شيئاً قريباً من هذا.

"وكيف هربت منه؟"

"ركضت بشكل أسرع. واستخدمت الزقاقات. والتضاريس."

نظرت السكرتيرة إلى نورد طويلاً. كانت تعرف أن هناك شيئاً لا يقوله، لكنها لم تسأل. كان التعب بادياً على وجهه، ودمه كان على قميصه، وكان حياً. هذا كان كافياً.

"هل كان هناك أي علامة مميزة على ذلك الرجل؟" سألت السكرتيرة. "أي شيء يمكن أن نتعرف به عليه؟"

فكر نورد. حاول أن يسترجع مشهد الرجل في ذهنه. الملابس السوداء، القناع الأسود، العيون الحمراء، الحذاء الصغير، السيف الطويل المستقيم.

ثم تذكر.

"نعم،" قال نورد. "كان هناك نصف قمر. بنفسجي. على ردائه، في جهة صدره اليمنى."

السكرتيرة شحب وجهها. يداها توقفتا عن الحركة، وعيناها تجمدتا في مكانهما.

"القمر البنفسجي،" همست بصوت بالكاد مسموع. "ماذا يريدون هذه المرة؟"

نظر نورد إليها. كان قد سمع الاسم من قبل. في أفير، في الكتب القديمة، كذكرى عابرة عن منظمة غامضة تعمل في الظل. لكنه لم يتخيل أنها حقيقية.

"ما هو القمر البنفسجي؟" سأل نورد.

تنهدت السكرتيرة، وأزالت نظارتها وبدأت تمسحها بقطعة قماش صغيرة. كانت تطيل الوقت، كمن يفكر في كيفية الرد.

"منظمة،" قالت أخيراً. "عابرة للحدود. تعمل في الاغتيال، القتل المأجور، المهام الخطيرة، الخطف، النهب. ليسوا هم من يفعلون هذه الأشياء بالضرورة. لديهم وكلاء يدفعون لهم، وهم ينفذون. أو يستأجرون من ينفذ. شبكة واسعة، تمتد عبر ممالك عدة."

"هل يخطفون الأطفال؟"

نظرت إليه السكرتيرة بعيون حزينة. "أحياناً. يخطفون أطفالاً موهوبين ليربوهم كمغتالين جدد. أطفال لا يتذكرون ماضيهم، لا يعرفون عائلاتهم، لا يعرفون إلا القتل والطاعة. ربما إيما... ربما كانت إحدى هؤلاء."

صمت نورد. كان يفكر في الطفلة الصغيرة، شعرها الأشقر، عيناها الزرقاوان، وقلادتها الفضية. كان يفكر في والدها المسكين الذي ضحى بربع ثروته ليجدها.

"إذا كنت سأقاتل منظمة كالقمر البنفسجي،" قال نورد بصوت أصبح أكثر جدية، "فسأحتاج إلى معلومات أكثر. إلى دعم. إلى..."

قاطعته السكرتيرة. "لن تقاتلهم. لن تفعل."

"لماذا؟"

"لأنهم أقوى مما تتخيل." وضعت نظارتها على وجهها، ونظرت إليه بعيون أصبحت أكثر جدية. "لديهم خبراء. في مستوى أربع نجوم. سادة كبار. يستطيع أحدهم مسح أي بلدة صغيرة من الخريطة في دقائق."

صمت نورد. كان يعرف ما يعنيه مستوى أربع نجوم. ألكسندرا كانت في هذا المستوى تقريباً. كانت تستطيع فعل ما تشاء في ميلكونيا لو أرادت.

"هذه المهمة،" قالت السكرتيرة، "ملغاة. فوراً. سأرفع تقريراً إلى الإدارة العليا. سيتولى هم الموضوع. أنت... أنت انتهيت."

فتحت درجها، وأخرجت كيساً صغيراً من الجلد. كان يصدر صوت حبات معدنية وهي تتصادم. وضعته على الطاولة ودفعته نحو نورد.

"مئتان وخمسون قطعة ذهبية. مستحقاتك."

نظر نورد إلى الكيس، ثم إلى السكرتيرة. لم يمد يده.

"لكنني لم أعثر على الطفلة،" قال نورد. "المهمة ملغاة. كيف آخذ المال؟"

نظرت إليه السكرتيرة طويلاً. كان هناك تقدير في عينيها، واحترام، وربما قليل من الشفقة.

"لقد وجدت ما هو أهم من طفلة،" قالت. "لقد وجدت خيطاً للقمر البنفسجي. هذا أغلى من أي طفلة. الإدارة العليا ستدفع ثمناً باهظاً لمثل هذه المعلومة."

"لكن..."

"لو ذهبت بنفسك الآن،" قاطعته السكرتيرة، "لو حاولت استكمال البحث، ماذا تعتقد أنهم سيفعلون؟ سيرسلون ربما خبيراً في مستوى ثلاث نجوم. ليس نجمتين، بل ثلاث. وأخبرني يا تومان، كيف ستنجو من خبير ثلاث نجوم؟"

صمت نورد. كان يعرف الإجابة. خبير ثلاث نجوم يحتاج إلى ضربة واحدة فقط. ضربة واحدة كافية لبعثر وجوده بالكامل. كان سارجيس في مستوى ثلاث نجوم منخفض، وهو كاد أن يهزم الجد الفضي. وهناك أشخاص أقوى من سارجيس في هذه المنظمة.

"لا أستطيع،" قال نورد أخيراً. "لا أستطيع النجاة من ثلاث نجوم."

"إذاً دع الإدارة العليا تتعامل مع الأمر. سيرسلون محققين متخصصين. ربما سيرسلون أحد السادة الكبار. هذا ليس من مستواك يا تومان."

نظر نورد إلى الكيس مجدداً. كان ثقيلاً. كان يزن أكثر من مئتي قطعة ذهبية.

"خذه،" قالت السكرتيرة. "استحققتها. ليس لأنك حللت القضية، بل لأنك خاطرت بحياتك واكتشفت أمراً أكبر."

مد نورد يده بتردد، وأخذ الكيس.

"سؤال أخير،" قال نورد قبل أن يغادر. "ماذا سيحدث لإيما؟"

نظرت إليه السكرتيرة. كانت عيناها حزينتين، لكنها كانت صادقة.

"لا أعرف،" قالت. "ربما سيجدها المحققون. ربما لن يجدها أحد. ربما... ربما سنسمع عنها بعد سنوات كمغتالة جديدة في القمر البنفسجي. هذا هو مصير الكثيرين."

صمت نورد. كان يفكر في الطفلة، في والدها، في القلادة الفضية التي لا تزال في جيبه.

أخرجها، ووضعها على الطاولة.

"هذه لها،" قال. "إذا عادت، أعطوها إياها. وإذا لم تعد... احتفظوا بها كدليل."

نظرت السكرتيرة إلى القلادة، ثم إلى نورد. كان هناك شيء في عينيها لم يستطع نورد تفسيره.

"تصبح على خير يا تومان،" قالت.

"تصبحين على خير."

خرج نورد من النقابة. الهواء البارد لامس وجهه، والنجوم كانت لا تزال تلمع في السماء. سار نحو نزله بخطى ثقيلة، وحقيبة الذهب تزن في يده أكثر مما تزن في جيبه.

لم يكن سعيداً. لم يكن فخوراً. كان فقط متعباً.

وكان يعرف أن هذه القضية لن تغادر رأسه بسرعة. الطفلة، القمر البنفسجي، المرأة القبيحة، الرجل ذو العيون الحمراء. كلهم كانوا هناك، في ظلام ذاكرته، ينتظرون.

دخل نزله، وصعد الدرج إلى غرفته، وألقى بنفسه على السرير دون أن يخلع ملابسه.

نام تلك الليلة نوماً ثقيلاً بلا أحلام. كان جسده مرهقاً، وعقله مرهقاً، وحاجته إلى النسيان كانت أكبر من حاجته إلى أي شيء آخر.

لكن النسيان لم يأتِ بسهولة.

2026/05/21 · 9 مشاهدة · 1246 كلمة
نادي الروايات - 2026