صعدت السكرتيرة الدرج الحلزوني الحديدي إلى الطابق الرابع. كان المبنى في هذا الوقت المتأخر هادئاً، وقع أقدامها فقط كان يتردد في الممرات الفارغة. كل طابق كانت تصعده كان أهدأ من الذي قبله، حتى وصلت إلى القمة حيث لا صوت يعلو فوق همس المصابيح الرونية الزرقاء.
اتجهت يساراً، إلى نهاية الممر الطويل. فوق الباب الخشبي السميك، كانت معلقة لوحة صغيرة من النحاس، مكتوب عليها بحروف بارزة: "مكتب قائد النقابة. ممنوع الدخول دون إذن."
قرعت الباب.
"تفضل،" قال صوت من الداخل، عميق، هادئ، يحمل نبرة سلطة لا تحتاج إلى رفع صوت.
فتحت الباب ودخلت.
الغرفة كانت واسعة، تتسع لاجتماع يضم عشرين شخصاً. أرضيتها من الخشب الداكن المصقول، وسقفها مرتفع مزين بثريات من النحاس والكريستال. في الزاوية البعيدة، كانت نافذة كبيرة تطل على ميلكونيا الليلية، أضواء المدينة تتلألأ أسفلهم كالبحر المضيء.
على كرسي خلف مكتب ضخم من خشب الجوز، كان يجلس مورغان.
كان رجلاً أسمر البشرة، أصلع الرأس يلمع تحت ضوء المصابيح كالمرآة المصقولة. على خده الأيسر، كانت تمتد ندبة قديمة غائرة، كأن سيفاً مر بهذا المكان منذ زمن بعيد وترك تذكاراً لا يمحى. شكل كان مخيفاً للوهلة الأولى: الحاجبان الكثيفان، الأنف المعقوف، الفك العريض. لكن عينيه كانتا مختلفتين. كانتا بنيتين دافئتين، تنظران إلى الدنيا بنوع من الفكاهة الخفية، كمن رأى كل شيء ولم يعد شيء يدهشه.
كان يدخن غليوناً طويلاً من خشب الكرز، ينفث حلقات دخان بيضاء تصعد إلى السقف ثم تذوب كأشباح هادئة.
على الجانب الآخر من المكتب، على كرسي من جلد أسود، كان يجلس جارول.
لم يكن جارول طويل القامة، لكن جسده كان مضغوطاً كالزنبرك، عضلاته محددة تحت قميصه الجلدي الأسود كأنها رسمت بفرشاة دقيقة. ذراعاه كانتا أكثر سمكاً من فخذي رجل عادي، ورقبته غليظة كجذع شجرة صغيرة. كان في الخمسين من عمره، لكنه بدا في الأربعين، ووجهه كان خالياً من التجاعيد باستثناء خطوط عميقة حول عينيه من كثرة التحديق في الأفق البعيد.
كان في مستوى ثلاث نجوم ذروة في القتال. قائد مدرسة السيف المتقد. أسطورة حية في ميلكونيا.
كانا يتحدثان بصوتين منخفضين، يتبادلان أوراقاً وخرائط، ويناقشان شيئاً لم تسمعه السكرتيرة. عندما دخلت، رفع مورغان عينيه وأشار إليها بغليونه أن تقترب.
"في هذا الوقت المتأخر؟" قال مورغان بصوته الهادئ. "لا بد أن الأمر مهم."
أومأت السكرتيرة، وبدأت تحكي.
لم تختصر شيئاً. أخبرتهما بكل ما قاله تومان: الأثر الخفي، الزقاق، الحانة، المرأة القبيحة، المطاردة، الرجل ذو القناع الأسود والعينين الحمراوين. وضعت القلادة الفضية على المكتب، وشرحت أنها تعود للطفلة المفقودة إيما لانفورد.
"وادعى أن الرجل الذي هاجمه في النهاية كان في مستوى نجمتين منخفض،" قالت السكرتيرة، "وأنه هرب منه رغم ذلك."
رفع جارول حاجبه. عيناه الزرقاوان الحادتان تثبتان على وجه السكرتيرة.
"انتي تقولين أن فتى في مستوى نجمة متقدمة خرج نصف سليم من شخص أعلى منه بمستويين ويفوقه بنجمة كاملة؟" سأل جارول، وصوته كان كالرعد البعيد. "ليس مستوى واحد، بل مستويين. هذا يعني أن خصمه كان أقوى منه بمستوى ذروة ونجمتين منخفض. الفارق هائل."
نظرت السكرتيرة إلى جارول. لم تتردد. "من مظهره وحالته عندما دخل النقابة، ومن كلامه، ومن طريقة سرده... أعتقد بنسبة كبيرة أن هذا حدث."
صمت جارول للحظة. ثم ابتسم ابتسامة صغيرة، نادرة على وجهه الجاد.
"همم،" تمتم مورغان وهو ينفث دخاناً من غليونه. "القمر البنفسجي يختطفون الأطفال مجدداً. إنهم متعبون حقاً."
وضع الغليون على حامل نحاسي على مكتبه، وأخرج من درج خريطة للمدينة. كانت مرسومة بدقة، وعليها علامات حمراء في عدة أماكن. نظر إليها طويلاً، وهو يفكر.
جارول كان صامتاً أيضاً، ينتظر.
"أرسل أربعة أشخاص في مستوى سيد،" قال مورغان أخيراً. "ثلاث نجوم. ليكملوا البحث من حيث انتهى تومان. نريد أن نعرف أين يختبئون، ومن قائدهم، ولماذا هم هنا."
"ومكافأة تومان؟" سألت السكرتيرة.
"أعطيه المستحقات كاملة. مئتان وخمسون قطعة ذهبية. وسجل له إنجازاً في ملفه."
أومأت السكرتيرة. "هل هناك أي شيء آخر يا سيدي؟"
"لا. يمكنك المغادرة. نم جيداً."
انحنت السكرتيرة، وخرجت من المكتب، وأغلقت الباب خلفها بهدوء.
بقي مورغان وجارول وحدهما.
تفرغ مورغان لتفقد غليونه، أعاد تعبئته بالتبغ من كيس صغير على مكتبه، وأشعله مجدداً. جارول كان لا يزال جالساً على كرسيه، ذراعاه متقاطعتان على صدره، وعيناه مثبتتان على صديقه القديم.
"من هو تومان؟" سأل جارول فجأة.
نظر مورغان إليه من فوق غليونه. "لا أعرف حقاً."
فتح مورغان درجاً جانبياً، وأخرج ملفاً رقيقاً من الورق الأصفر. كان مكتوباً على غلافه باسم "تومان - مغامر درجة ثالثة". فتحه، وبدأ يقرأ بصوت منخفض.
"تومان. عمره ثمانية عشر. مستوى نجمة متقدمة في القتال. مسجل منذ بضعة أيام. لا يوجد ملف سابق، لا تاريخ، لا عائلة معروفة. جاء من الجنوب."
قلب الصفحة.
"وهذا مثير للاهتمام. قبل يومين، اشتبك مع مغامر اسمه جاكور في ساحة القتال. جاكور في مستوى نجمة ذروة. وكان من المفترض أن يفوز بسهولة. لكن تومان هزمه. ليس فقط هزمه، بل هزمه بسهولة حسب شهود العيان."
ضحك جارول. كانت ضحكته قصيرة، خشنة، كاحتكاك حجرين ببعضهما.
"أريده تلميذاً في مدرستي يا مورغان."
رفع مورغان حاجبه. "جارول، صديقي القديم. تريد دائماً أخذ كل المواهب الشابة الجيدة. اترك لنا البعض."
"لماذا لا نتركه هو يقرر؟" قال جارول، وابتسامته لا تزال على وجهه. "غداً أو بعد غد، سأرسل له دعوة. سيأتي بنفسه إن أراد. وإن لم يأتِ، فلن أجبره."
"هذا عادل."
"مستواه جيد. أعتقد أنه لديه مستقبل ليصبح سيداً كبيراً. مثلك. أو مثل باتريك. أو مثل فاراك."
أخذ مورغان نفساً طويلاً من غليونه، ثم نفث الدخان في الهواء. كانت حلقاته تتشكل وتتصاعد، ثم تذوب في ضوء المصابيح الخافت.
"أتمنى ذلك،" قال مورغان، وصوته أصبح أكثر جدية. "لأن مستوى الأساتذة الكبار في مملكتنا بدأ في الانخفاض."
صمت جارول. كان يعرف ما يقصد.
"مع ضغط حرب أنادير في الجنوب،" تابع مورغان، "بدأ الأساتذة الكبار في الذهاب إلى الجيش تحت ضغط القصر الملكي. يستنزفون هناك، يموتون هناك، يتركون فراغاً من الصعب ملؤه."
أشار بغليونه نحو النافذة التي تطل على ميلكونيا.
"لو استثنينا الأقاليم الوسطى، لم يبقَ سوى شمال فوجا قوياً. بقية الأقاليم في حالة ضعف حالياً. دونير يقف وحده تقريباً."
"وهذا يعني؟" سأل جارول.
"هذا يعني أننا بحاجة إلى جيل جديد من الأساتذة الكبار. وإلا، عندما يأتي الخطر الحقيقي... لن يكون هناك من يدافع."
صمت الاثنان للحظة. دخان الغليون كان لا يزال يتصاعد، والنجوم كانت تلمع خارج النافذة، وأضواء ميلكونيا كانت تتلألأ كالبحر اللامتناهي.
"إذاً،" قال جارول أخيراً، "سأرسل الدعوة غداً. وسنرى ما إذا كان هذا الفتى يستحق الاهتمام."
"سنرى،" قال مورغان.
رفع جارول كأس الماء الذي كان أمامه، وشرب رشفة طويلة. ثم وقف، ومد يده إلى مورغان. صافحه بقوة، كما يفعل الرجال الذين عرفوا بعضهم لعقود.
"تصبح على خير يا صديقي."
"تصبح على خير يا جارول. وأحضر لي بعضاً من نبيذك السري في زيارتك القادمة. النبيذ هنا أصبح لا يطاق."
ضحك جارول، وخرج من المكتب.
بقي مورغان وحده. نفث دخاناً آخر من غليونه، ونظر إلى القلادة الفضية التي لا تزال على مكتبه. تأملها طويلاً، ثم وضعها في درجه، وأغلقه.
"تومان،" همس الاسم لنفسه. "من أنت حقاً؟"
لم يجبه أحد. فقط دخان الغليون كان يتصاعد، والليل كان يهدأ، وميلكونيا كانت تنام.
والغد كان سيأتي بأسئلة جديدة.