عاد نورد إلى قرية كوكان بعد منتصف الليل. القمر كان لا يزال عالياً، والنجوم كانت تلمع كعيون فضولية، لكن القرية كانت نائمة. لا نوافذ مضيئة، لا أصوات، لا حركة. حتى الكلاب كانت صامتة كأنها تعرف أن الغريب عاد.
لم ينتظره أحد.
كان يعرف لماذا. كانوا يتوقعون فشله. مغامر في مستوى نجمة متقدمة يقضي على ثلاثين غوفاراً بينهم أربعة في مستوى نجمة ذروة؟ هذا يبدو مستحيلاً حتى في قصص المغامرين المبالغ فيها. كانوا يظنون أنه سيهرب، أو يموت، أو يعود خائباً يطلب مساعدة. لم يتوقعوا أن يعود.
دخل غرفته الصغيرة في منزل شيخ القرية، وألقى بنفسه على السرير. كيس آذان الغوفار كان لا يزال يقطر دماً، وضعه تحت السرير كي لا تلوث رائحته الغرفة أكثر مما يجب. لم يخلع ملابسه. فقط أغمض عينيه، وتنفس بعمق، ونام.
استيقظ قبل الفجر بساعة. كانت عادته. جلس على حافة السرير، وتأمل لخمس عشرة دقيقة. النقطة السوداء كانت واضحة، وذهنه كان صافياً، وجسده كان قد تعافى من تعب الأمس.
نهض، وخرج إلى فناء المنزل الصغير. كان الهواء بارداً، والندى ما يزال معلقاً على العشب كحبات اللؤلؤ. بدأ تمارينه الصباحية: حركات السيف الأساسية، قطعة أولى، قطعة ثانية، عودة إلى الأولى، التفاف، قطعة ثالثة. لم تكن حركاته سريعة، لكنها كانت سلسة، متقنة، كمن يكررها منذ سنوات.
عندما بدأت السماء تتلون بالبرتقالي والذهبي، سمع صوت باب يفتح. التفت. كان إلدريد، شيخ القرية، يخرج من منزله. عيناه العجوزان كانتا لا تزالان نصف مغمضتين، ولحيته البيضاء كانت فوضوية من النوم.
عندما رأى نورد، توقف.
"تومان؟" قال العجوز بصوت خشن. "أنت هنا؟ ظننت أنك... ظننت أنك غادرت."
"كنت في الغرفة منذ منتصف الليل،" قال نورد. "عدت وأنا نائم."
اتسعت عينا إلدريد. "عدت؟ إذاً... إذاً الحمد لله أنك حي." تنفس الصعداء، وربت على صدره بيده المرتجفة. "لم نرَك، فظننا أنك هربت أو... أو ما لا يقوله المرء."
ابتسم نورد. لم يغضب. كان يفهم خوفهم. "لم أهرب. أكملت المهمة."
صمت العجوز. نظر إلى نورد كأنه لم يفهم ما قاله.
"ماذا قلت؟"
"أكملت المهمة. الغوفار كلهم ماتوا. جلبت دليلاً."
دخل نورد غرفته، وأخرج كيس القماش المليء بآذان الغوفار. كان ثقيلاً، يقطر دماً، ورائحته كريهة لدرجة أن إلدريد تراجع خطوة عندما اقترب منه.
فتح نورد الكيس، وأفرغ محتوياته على الأرض.
تساقطت الآذان كالمطر. كانت بأحجام مختلفة، بعضها صغير، وبعضها كبير، وبعضها كان لا يزال دافئاً. أربع آذان كبيرة جداً، مميزة، تنتمي لغوفار مستوى نجمة ذروة. حولها، حوالي عشرين أذناً أصغر، لغوفار المستويات الأدنى.
إلدريد جثا على ركبتيه، وعيناه لا تصدقان ما تراه. يداه كانتا ترتجفان وهو يلمس الآذان، كأنه يتحسس حقيقة لا يستوعبها عقله.
"هذا... هذا كلهم؟" همس.
"كل من كان في الكهف،" قال نورد. "قد يكون هناك بعض الهاربين، لكنهم قلة. لن يعودوا."
رفع العجوز رأسه إلى السماء، وفتح فمه، لكن لم يخرج صوت. كان يحاول أن يشكر إلهاً لا يعرف اسمه، أو يشكر القدر، أو يشكر نورد، لكن الكلمات لم تأتِ.
ثم بكى.
لم يبكِ بصوت عالٍ، فقط سالت دموعه على خديه المتجعدين كالنهر البطيء بعد سد انهار. نهض بصعوبة، وتقدم نحو نورد، وأمسك بيديه.
"لولاك،" قال العجوز بصوته المرتجف. "لولاك يا بني، لخسرنا زراعة هذا الموسم كلها. الحقول كانت مصدر رزقنا الوحيد. بدونها، كنا سنموت جوعاً في الشتاء."
"أنا فقط فعلت ما يجب فعله،" قال نورد محاولاً تحرير يديه.
"لا تقل هكذا. ليس كل من يستطيع أن يفعل ما يجب فعله يفعله." صمت العجوز للحظة، ثم أخرج من جيبه كيساً صغيراً من الجلد. "هذه مئتا قطعة ذهبية. هدية مني ومن أهل القرية. ليست مكافأة النقابة، بل هدية صغيرة تعبر عن امتناننا."
نظر نورد إلى الكيس، ثم إلى العجوز. "لا أستطيع قبول هذا. النقابة ستدفع لي المكافأة المتفق عليها."
"لن أتركك ترفض،" قال إلدريد، ودفع الكيس بقوة إلى يد نورد. "نحن فقراء، لكننا نعرف كيف نكرم من ينقذنا. خذها. أرجوك."
نظر نورد إلى العجوز. كانت عيناه ممتلئتين بالدموع والامتنان والإصرار. كان يعرف أنه لن يأخذ رداً.
"شكراً،" قال نورد، وأخذ الكيس. "أتمنى أن تعود حقولكم آمنة هذا الموسم."
"ببركتك يا بني. ببركتك."
ودع نورد العجوز، وغادر القرية. كان يحمل في حقيبته مئتي قطعة ذهبية من هدية القرية.
---
وصل إلى ميلكونيا قبل الظهر. دخل النقابة، والقاعة كانت مزدحمة كالمعتاد. السكرتيرات الست كن يعملن بسرعة، والمغامرون كانوا يتزاحمون على لوحات الإعلانات، وروائح العرق والجلد والحديد كانت تملأ المكان.
توجه نورد إلى طاولة إلينا. كانت مشغولة بكتابة أوراق، ورفعت رأسها عندما رأته.
"تومان! عدت بسرعة."
ابتسم نورد، ووضع كيس آذان الغوفار على الطاولة. كان ثقيلاً، وترك بقعة دم حمراء على الأوراق البيضاء.
نظرت إلينا إلى الكيس، ثم إلى نورد، ثم فتحته بحذر. عندما رأت المحتويات، اتسعت عيناها.
"تومان... هل أكملت المهمة حقاً؟"
"نعم. ألا تعجبك هذه الآذان؟"
ضحكت إلينا ضحكة صغيرة، ويداها كانتا لا تزالان ترتجفان قليلاً من الصدمة. "لا، لا. أنا أمزح فقط. أنا فقط... مبهورة منك. أنت موهوب حقاً يا صديقي الصغير."
"شكراً لك أيتها الجميلة."
احمرّ وجه إلينا قليلاً، لكنها ابتسمت وأكملت إجراءات الاستلام. عدت الآذان، وسجلت عددها، وأكدت أن الأربعة الكبار هم بالفعل في مستوى نجمة ذروة.
"مئتا قطعة ذهبية،" قالت، وأخرجت كيساً آخر من درجها. "حقك كاملاً."
أخذ نورد الكيس، ووضعه في حقيبته. كان الآن يملك أربعمئة قطعة ذهبية من هذه المهمة وحدها، مضافاً إليها المئتان وخمسون من مهمة إيما. أصبح لديه ستمئة وخمسون قطعة ذهبية. ثروة. كان يمكنه شراء منزل في ميلكونيا، أو سيف جيد بدل سيفه اللعين الذي بدأت حوافه تنتهي وتتحت.
سيفه الحالي كان قديماً، استعمله كثيراً، ولم يعد حاداً كما كان. كان الوقت قد حان لاستبداله.
خرج نورد من النقابة، واتجه نحو سوق الحدادين حيث ورشة جوريم القزم.
---
كان الطريق إلى سوق الحدادين مزدحماً في هذا الوقت من النهار. الباعة كانوا ينادون على بضائعهم، والأطفال كانوا يركضون بين الأرجل، والنساء كن يتفاوضن على أسعار الخضار والفواكه. نورد كان يسير ببطء، يستمتع بأجواء المدينة التي بدأ يألفها.
ثم سمع ضحكات.
ليس ضحكات عادية. كانت ضحكات أطفال ممزوجة بسخرية واستهزاء. توقف نورد، ونظر نحو مصدر الصوت.
كان مجموعة من الأطفال، خمسة أو ستة، تتراوح أعمارهم بين ثماني واثنتي عشرة سنة. كانوا يلبسون ملابس نظيفة، ويبدو أنهم من عائلات ميسورة. كانوا يسحبون رجلاً عجوزاً من ملابسه.
العجوز كان يرتدي ثياباً بالية ممزقة، شعره أبيض طويل أشعث، ولحيته كثيفة غير مهذبة. كان جالساً على الأرض في زاوية الشارع، يحاول حماية نفسه بذراعيه، لكنه لم يضرب الأطفال. فقط كان يحاول إبعادهم بلطف، كمن يطرد ذباباً مزعجاً.
"انظروا إلى هذا المتسول القذر!" قال أحد الأطفال، وهو يسحب كم العجوز بقوة.
"أين عائلتك يا عجوز؟ أين أبناؤك؟" ضحك آخر، وهو يرمي قطعة حجر صغيرة تجاهه.
"ربما ليس لديه عائلة. ربما تركوه لأنه ثقيل عليهم!"
ضحك الأطفال، واستمروا في مضايقة العجوز. لم يقصدوا الشر حقيقة، كانوا فقط يمرحون، يلهون، يختبرون حدود سلطتهم على شخص أضعف منهم. لكن أسلوبهم كان مهيناً ومحزناً.
شعر نورد بالغضب يتصاعد في صدره. لم يصرخ، لم يتهور. فقط أطلق هالته.
كانت هالته في مستوى نجمة متقدمة. لم يرفعها أكثر، لم يخيفهم كثيراً. فقط جعلهم يشعرون بوجود شخص أقوى منهم بكثير، شخص يمكنه أن يؤذيهم لو أراد.
توقف الأطفال فجأة. نظروا إلى نورد بعيون خائفة. شعروا بالهالة الثقيلة، شعروا بالخطر، شعروا أن هذا الشاب ليس كأبائهم أو معلميهم.
"اركضوا،" قال نورد بصوت هادئ. "قبل أن أغير رأيي."
لم ينتظروا. ركض الأطفال في كل الاتجاهات، بعضهم تعثر وسقط، ثم نهض وأكمل الركض دون أن ينظر إلى الوراء.
جثا نورد بجانب العجوز. كان الرجل لا يزال جالساً على الأرض، ملابسه ممزقة وشعره فوضوي، لكن عينيه كانتا مختلفتين. كانتا زرقاوين صافيتين، تلمعان بذكاء لا يتناسب مع مظهره.
"عمي، هل أنت بخير؟" سأل نورد. "يجب ألا تتسامح مع أطفال قليلي الأدب هكذا."
ابتسم العجوز ابتسامة صغيرة. كانت ابتسامة حزينة، تعبة، كمن رأى الكثير في حياته.
"شكراً لك يا بني،" قال العجوز بصوت خشن، لكن كان فيه دفء غريب. "هم مجرد أطفال. لا يعرفون ما يفعلون."
"أين عائلتك يا عمي؟" سأل نورد. "ألا يجب أن تكون في المنزل في هذا الوقت؟"
لم يقصد نورد الإساءة. كان فقط يريد الاطمئنان على الرجل، يفكر في مكان آمن يعيده إليه. لكن كلماته فتحت جرحاً قديماً.
نظر العجوز إلى الأرض للحظة. ثم رفع رأسه، ونظر إلى نورد بعيون أصبحت أعمق.
"أنا مطرود يا بني."
صمت نورد. لم يتوقع هذه الإجابة.
"مطرود؟ من يطرد شخصاً مثلك يا عمي؟"
ابتسم العجوز ابتسامة غريبة، كمن يتذكر شيئاً من زمن بعيد. ثم قال بصوت أصبح أكثر وضوحاً، كأنه يقرأ من كتاب قديم:
"عندما يحضر الملك، تزول جميع الطبقات ويتساوى الجميع في الأسفل، والملك في الأعلى."
نظر نورد إلى العجوز باستغراب. لم يفهم ما يعنيه. الكلمات كانت غريبة، فلسفية، ثقيلة.
"عمي، لا أفهم ما تقول. لكن يبدو أنه شيء مهم."
"ليس مهماً يا بني. مجرد كلمات عجوز مثلي."
أدخل نورد يده في جيبه، وأخرج عشرين قطعة ذهبية. كانت كيساً صغيراً، وضعه في يد العجوز.
"عمي، هذه ستساعدك على السكن والطعام لثلاثة أو أربعة أشهر. استخدمها جيداً. حتى لو لم تمتلك عائلة، فالناس الجيدون يساعدون بعضهم."
نظر العجوز إلى الكيس، ثم إلى نورد. عيناه كانتا تتسعان قليلاً، كأنه لم يتوقع هذه الكرم من شاب غريب.
"لماذا تفعل هذا يا بني؟"
"لأنه الصواب."
ابتسم العجوز ابتسامة عريضة. كانت المرة الأولى التي يبتسم فيها هكذا منذ زمن طويل.
"همم،" قال العجوز بصوت أصبح مختلفاً. "غريب. هل لا يزال هناك أشخاص طيبون لهذه الدرجة؟"
لم يفهم نورد ما يعنيه، لكنه ابتسم.
"إذا احتجت شيئاً، أو أساء لك أحد، تعال إلى نزل المسافر الهادي في حي التجار الغربي. اسأل عن تومان. سأكون هناك."
"سأتذكر ذلك يا بني. شكراً لك."
وقف نورد، وابتعد.
بقي العجوز جالساً على الأرض، ينظر إلى الكيس الذهبي في يده. ثم وقف فجأة. لم يقف كعجوز يتألم. وقف باستقامة، كجندي قديم، كرجل عرف كيف يقف في وجه العواصف.
نظر إلى السماء، ثم إلى الأرض، ثم إلى الكيس مجدداً.
"تباً لك يا إيانور،" همس العجوز بصوت أصبح بارداً. "تباً لك. جعلتني أترك كل شيء. دمرت عائلتي."
دمعة نزلت من عينه، سالت على خده المتجعد، وسقطت على الأرض الجافة. مسحها بكم قميصه البالي، ثم سار ببطء نحو وجهة لا يعرفها أحد.
كان ظهره منحنياً كالعجوز، لكن خطواته كانت ثقيلة، حزينة، كمن يحمل جبالاً على كتفيه.
نظر نورد إلى العجوز وهو يبتعد. شعر بشيء غريب. كأن هناك قصة خلف هذا الرجل، قصة لم يروها لأحد. لكنه لم يتابعه. كان لديه عمل آخر.
اتجه نحو ورشة جوريم القزم.
سيف جديد كان ينتظره.