ا
دخل نورد ورشة جوريم القزم، ورائحة الحديد المحروق والفحم المشتعل والزيت القديم كانت تملأ المكان كأنها تختبئ في كل زاوية. الجدران كانت مغطاة بالأسلحة كما في المرة السابقة، سيوف طويلة وقصيرة، فؤوس ثقيلة ذات رأسين، رماح مدببة، دروع دائرية مزينة بنقوش غريبة. بعضها كان معلقاً على حوامل خشبية، وبعضها كان موضوعاً على رفوف حديدية، وبعضها كان متناثراً على الأرض كأن صاحبها كان يفرزها ولم ينته بعد.
جوريم كان واقفاً أمام السندان، كما في كل مرة، مطرقته الثقيلة في يده، وقطعة حديد ملتهبة تحت ضرباته. الشرر كان يتطاير كالفراشات البرتقالية، وعرقه كان يقطر على المعدن الساخن محدثاً صوت أزيز كالثعابين الغاضبة. كان طوله لا يتجاوز مئة وثلاثين سنتيمتراً، لكن كتفاه كانتا أعرض من باب ورشته، وذراعاه كانتا أكثر سمكاً من فخذي نورد.
عندما رأى نورد، أوقف المطرقة، وابتسم ابتسامة عريضة تخفي وراءها سنتين بارزتين تشبهان أنياب الخنزير البري.
"تومان! ها أنت ذا مرة أخرى." ألقى المطرقة على الأرض، ومسح عرقه بقطعة قماش متسخة. "جئت تشتري أخيراً، أم جئت تتفرغ كالمرة السابقة؟"
"جئت لأشتري،" قال نورد، وعيناه كانتا تتجولان بين الأسلحة كطفل في متجر حلوى. "لكن ليس شيئاً غالياً جداً. أريد سيفاً جيداً، عملياً، لا يحتاج إلى رهن والدي."
ضحك جوريم ضحكة خشنة كاحتكاك الحجارة ببعضها. "والدك؟ ألم تقل إنك من الجنوب؟ والدك بعيد. من سيرهن؟"
ابتسم نورد. "لا أحد. سأدفع بنفسي."
بدأ جوريم بجولة في ورشته، يشرح له الأسلحة واحداً تلو الآخر. كان يرفع سيفاً، يشرح مميزاته، يضربه بمطرقة صغيرة ليظهر متانته، ثم يعيده إلى مكانه. نورد كان يتابع، يعجب أحياناً، ويتحفظ أحياناً أخرى.
سيف طويل، نصله من فولاذ مطروق، مقبضه مغطى بجلد ثعبان. جوريم قال إنه حاد كالحلاقة، وخفيف كالريشة. نورد أمسكه، أرجحه في الهواء، شعر بثقله، ثم أعاده.
"ثقيل،" قال نورد.
"ليس ثقيلاً. أنت ضعيف."
"أنا لست ضعيفاً. السيف ثقيل."
زمجر جوريم، لكنه ابتسم. "اختر آخر."
سيف آخر، أقصر، أعرض، يشبه السيوف التي يستخدمها الفرسان في السهول الجنوبية. نورد أعجب به شكلاً، لكن عندما أمسكه، شعر أن توزيع وزنه غير متوازن.
"هذا السيف يميل إلى الأمام،" قال نورد. "كأنه يريد أن يسقط من يدي."
"هذا السيف صنعته لصديق ضخم. كان وزنه مناسباً له. أنت صغير جداً عليه."
"أنا لست صغيراً."
"أنت صغير. وجهك طفولي، وعضلاتك لا تزال تنمو."
لم يرد نورد. كان يعرف أن جوريم يمزح، لكنه كان يعرف أيضاً أن القزم كان صريحاً حد الوقاحة. هذه طبيعتهم، وهذه إحدى صفاتهم التي تجعلهم صانعي أسلحة لا يضاهون.
جرب نورد خمسة سيوف أخرى. بعضها كان خفيفاً جداً، كأنه مصنوع من الخشب لا من الحديد. نورد أحس أنه لن يتحمل ضربة قوية. وبعضها كان ثقيلاً جداً، كأنه مصنوع من الرصاص. نورد أحس أنه سيتعب بعد ثلاث ضربات. وبعضها كان حاداً جداً لدرجة أن نورد خاف أن يجرح نفسه بمجرد لمسه.
"سيف جيد،" قال نورد عن أحدها، "لكن ليس سيفي."
"أنت صعب الإرضاء،" قال جوريم، وهو يضع السيف الأخير على الحائط. "لكن هذا يريحني. يعني أنك تعرف ما تريد."
"أعرف ما لا أريد. هذا أسهل."
ضحك جوريم مجدداً، ثم توقف فجأة. نظر إلى نورد طويلاً، كأنه يقيم شيئاً ما، أو يقرر شيئاً ما.
"انتظر،" قال جوريم، وذهب إلى الزاوية البعيدة من الورشة، حيث كان صندوق خشبي كبير مغطى بالغبار.
فتح الصندوق، وأخرج منه سيفاً.
لم يكن السيف كباقي السيوف. كان غمدُه من جلد أسود، مزيناً برسومات فضية على شكل أوراق شجر متشابكة. مقبضُه كان من خشب أسود منحوت بدقة، وملفوفاً بسلك فضي يلمع تحت الضوء. نصلُه كان طويلاً، مستقبلاً، يلمع ببريق أزرق خافت، كأن ضوء القمر كان محبوساً داخله.
"هذا،" قال جوريم، وصوته أصبح أقل صخباً وأكثر جدية، "هذا سيف خاص."
أمسكه نورد. كان وزنه مثالياً. لا ثقيل، ولا خفيف. توزيع وزنه كان متوازناً، كأن السيف كان جزءاً من ذراعه. شعر بالراحة فور لمسه، كأن السيف كان ينتظره.
"ما هذا السيف؟" سأل نورد، وعيناه لا تفارقان النصل.
"كان لمغامر قديم. اسمه كالدور. قتل في الغابة الشمالية قبل عام. ترك وراءه زوجة وأطفالاً صغاراً. قرروا بيع أسلحته ليعيشوا."
"إذاً هذا السيف مستعمل؟"
"مستعمل، لكنه أفضل السيوف في ورشتي." أشار جوريم إلى النصل. "انظر إلى الرون."
دقق نورد النظر. كان النصل محفوراً برسومات رونية دقيقة، بالكاد ترى بالعين المجردة. كانت تمتد من المقبض إلى نصف النصل تقريباً، كأنها عروق تمد المعدن بالحياة.
"هذا رون يزيد التحمل بنسبة أربعين بالمئة،" قال جوريم، وأشار إلى أول نقش. "وهذا رون يزيد السرعة بنسبة خمسة وثلاثين بالمئة،" وأشار إلى النقش الثاني. "وهذا رون يزيد الحدة بنسبة ثمانية عشر بالمئة،" وأشار إلى النقش الثالث.
صفر نورد بصوت منخفض. ثلاثة رون في سيف واحد. هذا نادر. هذا ثمين.
"كم ثمنه؟" سأل نورد.
نظر جوريم إلى السيف، ثم إلى نورد، ثم إلى السيف مجدداً. كان يفكر.
"خمسمئة قطعة ذهبية،" قال جوريم.
تراجع نورد خطوة إلى الوراء. خمسمئة. هذا كان معظم ما يملك. كان سيبقى معه مئة وخمسون قطعة فقط.
"هذا كثير،" قال نورد.
"هذا سعر عادل. خمسمئة قطعة ذهبية لسيف برون ثلاثي. لو كنت في مزاد في العاصمة، لكان سعره تجاوز الألف."
"لكنني لست في العاصمة. أنا في ورشتك، وأنت صديق مارفين."
رفع جوريم حاجبه. "تحاول أن تساومني؟"
"أحاول أن أشتري سيفاً. لا أن أستجدي."
صمت جوريم للحظة. ثم نظر إلى السيف مجدداً، وإلى نورد، ثم إلى السيف.
"أربعمئة وخمسون،" قال جوريم.
"مئتان وخمسون."
"أربعمئة."
"ثلاثمئة."
"ثلاثمئة وسبعون."
"ثلاثمئة وعشرون، ويد واحدة."
"يد واحدة؟" ضحك جوريم. "وماذا سأفعل بيد إنسان؟ لا تنفعني في الحدادة."
"تبيعها في السوق. تجني ربحاً."
ضحك جوريم ضحكة عالية، كادت ترج واجهة الورشة. "أنت بخيل يا فتى. لو لم تكن صديق مارفين، لاعطيتك لكمة في وجهك الغبي."
"لكنني صديق مارفين."
"لكنك صديق مارفين،" كرر جوريم، وهو يهز رأسه. "حسناً. ثلاثمئة وعشرون. لا تنقص أكثر. وإلا فسأحتفظ بالسيف لأشتريه بنفسي."
أخرج نورد كيس الذهب من حقيبته. كان ثقيلاً، يزن أكثر من ثلاثمئة قطعة. عدّها أمام جوريم، ووضعها على الطاولة الخشبية. القطع الذهبية كانت تتألق تحت ضوء المصابيح، وكأنها تبتسم فرحاً بصفقتها الجديدة.
أخذ جوريم الكيس، ووزنه في كفه، ثم ابتسم.
"السيف لك."
أخذ نورد السيف من يدي جوريم. كان أثقل مما توقع، لكنه كان متوازناً. رفعه إلى مستوى عينيه، ونظر إلى نصلِه اللامع، وإلى الرون الذي يلمع ببريق أزرق خافت.
"صديقي،" همس نورد للسيف، كأنه يتحدث إلى إنسان لا إلى قطعة معدنية. "لدينا مغامرة طويلة معاً."
رفع رأسه، ونظر إلى جوريم. "شكراً لك."
"لا تشكرني. أشكر مارفين. لولاه، لكنت دفعت خمسمئة كاملة." وضع جوريم يده على وركه، ونظر إلى نورد بعينين تضيقان. "والآن، اخرج من ورشتي. اللعنة على اسلافك. لا تعد إلى هنا إذا لم تمتلك عشرة آلاف قطعة ذهبية على الأقل."
ضحك نورد، وهو يربط السيف على ظهره. "حسناً. سأعود ومعي مئة ألف، بدل عشرة آلاف. شكراً لك أيها القزم الملتحي."
خرج نورد من الورشة وهو لا يزال يضحك. السماء كانت زرقاء صافية، والشمس كانت دافئة، والشارع كان مزدحماً كالمعتاد. لكنه كان يشعر بخفة لم يشعر بها منذ أيام. سيف جديد. قوة جديدة. حياة جديدة.
---
وصل إلى نقابة المغامرين، ودخل القاعة الرئيسية. لم يكن يريد قبول مهمة جديدة. كان يريد فقط الاستمتاع، شرب كأس شاي، وجلوس في مكان هادئ يتأمل سيفه الجديد.
توجه إلى المقصف الصغير في الطابق الأرضي، حيث كان المغامرون يتناولون طعامهم ويتبادلون الأحاديث. الجو كان أقل ازدحاماً من القاعة الرئيسية، وأكثر هدوءاً. رائحة القهوة والشاي كانت تملأ المكان، ممزوجة برائحة الخبز الطازج واللحم المشوي.
طلب كأس شاي، وجلس في الزاوية. أخرج سيفه من غمده، وبدأ يتأمله. النصل كان يلمع، والرون كان يلمع، والسيف كله كان كقطعة فنية لا سلاح.
"تومان!"
رفع رأسه. كان يورفو، قائد مجموعة السيف الثقيل، يقف أمامه مبتسماً. كان يرتدي درعه الجلدي الأسود كالمعتاد، وسيفاه على ظهره، وشعره الأشقر الطويل مربوط خلف رأسه.
"يورفو،" قال نورد مبتسماً. "اجلس."
جلس يورفو على الكرسي المقابل، وأشار إلى النادل ليأتيه بكأس شاي مثل نورد.
"سمعت أن مهمتك الأخيرة كانت... مثيرة،" قال يورفو، وعيناه تلمعان بفضول.
"مثيرة؟" ضحك نورد. "كانت مرعبة. تحولت من البحث عن طفلة إلى الركض والهروب من مغتال في مستوى نجمتين."
"هربت من مغتال نجمتين؟" رفع يورفو حاجبه. "وأنت في مستوى نجمة متقدمة؟"
"ركضت أكثر مما قاتلت. كنت محظوظاً."
"الحظ ليس تفسيراً. أنت موهوب، ولا تنكر ذلك."
ابتسم نورد، وشرب رشفة من شايِه. "ربما."
"ألم أقل لك أنت مرحب بك في مجموعتي؟" قال يورفو. "لا تزال الدعوة قائمة. في أي وقت."
"أتذكر،" قال نورد. "لكن كبداية، أريد أن أقوم بمهام بمفردي. حتى أعتاد على جو دونير عامة. حتى أعرف الناس، والأماكن، والطرق."
"هذا منطقي،" قال يورفو. "لكن لا تنس أن الوحوش لا تنتظر حتى تعتاد."
"سأتذكر."
بينما كانا يتحدثان، دخل رجل إلى المقصف.
كان عضلياً، ليس كفريد، بل كمن يدرب منذ سنوات ويعرف كل عضلة في جسده. كان يرتدي درعاً جلدياً بنياً، وسيفاً طويلاً على ظهره، ووجهه كان محفوراً بندوب قديمة تروي قصصاً لم يسمع بها أحد. كان في أواخر الثلاثين من عمره، أو ربما أوائل الأربعين. عيناه كانتا رماديتين باردتين، تتحركان بسرعة كمن اعتاد على مراقبة كل شيء حوله.
اقترب من الطاولة التي يجلس عليها نورد ويورفو، وتوقف.
نظر نورد إلى يورفو، وظن أنه صديق له. نظر يورفو إلى نورد، وظن أنه صديق له.
صمت الاثنان للحظة، والرجل الغريب كان واقفاً بلا حراك.
ثم كسر الرجل الغريب الصمت.
"سيد تومان،" قال الرجل بصوت عميق، هادئ، يحترم من يتحدث إليه. "أنا ثارن. جئت من السيد جارول."
اتسعت عينا نورد. جارول. قائد مدرسة السيف المتقد. أحد أقوى ثلاثة أشخاص في ميلكونيا في القتال الجسدي.
"لقد أرسلني لأسلمك هذه،" تابع ثارن، وأخرج من جيبه لفافة صغيرة من الرق، مختومة بشمع أحمر. "توصية للانضمام إلى الاختبارات الشهرية لأكاديميتنا. ستبدأ بعد شهر وعشرة أيام. أتمنى أن تنضم إلينا."
مد ثارن يده، وناول نورد اللفافة.
نظر نورد إلى اللفافة، ثم إلى ثارن، ثم إلى يورفو الذي كان ينظر إليه بعينين متسعتين.
"لا بأس إذا رفضت،" قال ثارن. "هذه مجرد رغبة من معلمي. لا إجبار فيها."
لم يرد نورد. كان لا يزال يحاول استيعاب ما حدث.
يورفو كان أول من تحدث.
"توصية من الأكاديمية؟" قال يورفو، وصوته كان ممزوجاً بالدهشة والحسد. "تومان، أنت محظوظ. لا تدري كم دفع والدي حينها ليلتحق بالأكاديمية. أنت تأتيك الدعوة مجاناً."
نظر نورد إلى يورفو، ثم إلى ثارن، ثم إلى اللفافة في يده.
لم يتوقع هذا. لم يكن يعرف أن أحداً يراقبه. لم يكن يعرف أن جارول، قائد مدرسة السيف المتقد، قد سمع به.
"سأفكر في الأمر،" قال نورد أخيراً. "شكراً لك سيد ثارن. وشكراً للسيد جارول."
أومأ ثارن، وانحنى برأسه قليلاً، ثم انصرف دون كلمة أخرى.
بقي نورد ويورفو صامتين للحظة.
"ماذا ستفعل؟" سأل يورفو.
نظر نورد إلى اللفافة في يده. كان يحس بثقلها، ليس ثقل الورق، بل ثقل القرار.
"لا أعرف بعد،" قال نورد. "لكن لدي شهر وعشرة أيام لأقرر."
أخذ رشفة أخرى من شايِه. كان الشاي قد برد، لكنه لم يهتم.
كان يفكر في الأكاديمية، في التدريب، في جارول، في قوته التي ستزداد، وفي أسراره التي قد تنكشف.
قرار صعب. لكن كان لديه وقت ليتخذَه.