بقي ثلاثة أيام على موعد اختبارات أكاديمية السيف المتقد. كان نورد جالساً على سريره في نزل المسافر الهادي، عيناه مغمضتان، يتنفس ببطء وعمق. كانت غرفته الصغيرة هادئة، والضوء الخافت من مصباح الزيت كان يرسم ظلالاً متحركة على الجدران الخشبية.
منذ أيام، كان يشعر بالقشعريرة. تلك القشعريرة التي تسبق العاصفة، التي تسبق الولادة، التي تسبق التغيير.
ثم جاء.
لم يكن كالسابق، حيث كان الاختراق مفاجئاً كالسيل الجارف في مسار القتال. كان هادئاً، كالنهر الصغير الذي يفيض بهدوء على ضفافه. شعر بشيء يتحرك في عمق وعيه، كباب يفتح ببطء، كنافذة تطل على أفق جديد.
فتح عينيه.
تأكيد: المستخدم عبر عتبة نجمة واحدة متقدمة في مسار الذهن.
التغيرات الذهنية:
· قدرات التقدير الرياضي: زيادة بنسبة 32%.
· سرعة معالجة المعلومات: زيادة بنسبة 35%.
· القدرة على تعدد المهام الذهنية: تحسن بنسبة 40%. يمكن للمستخدم الآن التفكير في ثلاثة مسائل منفصلة في نفس الوقت دون تداخل.
· الذاكرة قصيرة المدى: زيادة بنسبة 28%.
· القدرة على التوقع وتحليل الأنماط: تحسن بنسبة 30%.
تحليل: المستخدم أصبح يستطيع معالجة المعلومات بشكل أسرع وأكثر دقة. تعدد المهام الذهنية يسمح له بالتخطيط والتحليل والتنفيذ في وقت واحد. التقدير الرياضي المحسن سيساعده في حساب المسافات والزوايا وقوة الضربات بدقة أكبر.
تأثير الاختراق على الشريحة:
· سرعة تحليل البيانات: زيادة بنسبة 25%.
· دقة التوصيات في المواقف المعقدة: زيادة بنسبة 20%.
· كفاءة تخزين المعلومات واسترجاعها: زيادة بنسبة 30%.
جلس نورد على حافة السرير، يستوعب. لم يشعر بقفزة هائلة كالتي شعر بها في القتال، بل شعر بتحسن معقول، تراكمي، كمن يضيف أدوات جديدة إلى صندوق أدواته القديم.
أغمض عينيه مجدداً، وحاول أن يفكر في ثلاثة أشياء في نفس الوقت.
مسار القتال: كيف يحسن ضربته القاضية.
الرون: كيف يبدأ بتعلم رسم رون توصيل بسيط.
مهمة الغد: ماذا يجب يختار او يفعل.
كانت الأفكار تتشكل في رأسه كثلاثة خيوط منفصلة، لا تتداخل، لا تختلط، لا تعيق بعضها. شعر وكأنه أصبح شخصين أو ثلاثة في آن واحد.
هذا كان شعوراً غريباً. لم يكن يعرف أن العقل البشري يستطيع هذا.
فتح عينيه. ابتسم ابتسامة صغيرة.
"شريحة،" همس. "كيف يشعر أصحاب الثلاث نجوم في الذهن؟ والأسياد الكبار في هذا المسار؟"
البيانات غير كافية للإجابة بدقة. لكن التقدير: الاختلاف بين مستوى المستخدم الحالي وثلاث نجوم يشبه اختلاف بين مصباح زيت ومصباح روني يضيء مدينة بأكملها. والأسياد الكبار (أربع نجوم) في الذهن... لا يمكن للعقل البشري العادي تخيل قدرتهم.
صمت نورد. كان يحاول تخيل ما لا يمكن تخيله.
.
---
نهض من سريره، وارتدى ملابسه، وربط سيفه على ظهره. كان لديه مهمة صغيرة اليوم، بسيطة، لا تستغرق وقتاً طويلاً. يريدها أن تكون تمريناً لقدراته الذهنية الجديدة، واختباراً لحدود الشريحة بعد الاختراق.
توجه إلى النقابة، ودخل القاعة الرئيسية. إلينا كانت تجلس خلف طاولتها، تنظر في أوراقها. عندما رأته، ابتسمت.
"تومان، مبكراً اليوم."
"أحتاج إلى مهمة،" قال نورد. "صغيرة. لا تستغرق أكثر من يوم."
قلبت إلينا صفحات ملفها. "هناك مهمة في إقليم هونار. البحث عن بذرة يوفا. ساحر في ميلكونيا يحتاجها لتعزيز تقاربه مع عنصر النار. المكافأة 120 قطعة ذهبية."
"سأقبلها."
دوّنت إلينا اسمه، وأعطته تفاصيل المهمة. إقليم هونار كان منطقة صغيرة في جنوب دونير، معروفة بغاباتها الكثيفة وتضاريسها الوعرة. بذرة اليوفا تنمو في أعماق تلك الغابات، تحت أشجار معينة، في تربة غنية بالمعادن.
خرج نورد من النقابة، واتجه جنوباً.
---
وصل إلى إقليم هونار بعد ظهر اليوم التالي. الغابة كانت كثيفة، مظلمة، ورطبة. الأشجار كانت أطول مما توقع، وجذوعها أعرض مما تصور. الطحلب كان يغطي كل شيء، والرطوبة كانت تلتصق بالجلد كغطاء ثقيل.
لكن الشريحة كانت معه.
تم تخزين معلومات عن بذرة اليوفا: تنمو تحت أشجار البلوط الأسود، على عمق 10-15 سنتيمتراً في التربة، في المناطق التي تتعرض لضوء الشمس لمدة 3-4 ساعات يومياً. التربة المثالية: غنية بالحديد، درجة حموضة 6.5-7.2. فترة النضج: حالياً.
تم تحليل بيئة الغابة: تحديد 8 مواقع محتملة لنمو البذرة بناءً على نوع الأشجار واتجاه الضوء ورطوبة التربة. المسار الأمثل: يتجه شمالاً غرباً 2.3 كيلومتر، ثم شرقاً 1.7 كيلومتر.
نورد لم يحتج إلى البحث كثيراً. اتبع تعليمات الشريحة، وتنقل بين الأشجار، وحفر هنا وهناك. بعد ساعة ونصف، وجد ثلاث بذور يوفا ناضجة، وضعها في كيس قماشي، وعاد إلى ميلكونيا.
كانت المهمة سهلة، سريعة، نظيفة. الشريحة اختصرت عليه وقت البحث والتجربة والخطأ. ما كان يحتاج إلى أيام من المسح والملاحظة، أنجزته في ساعات.
سلم البذور إلى النقابة، وتسلّم مكافأته، وخرج.
كان المساء قد حل، والسماء كانت تتلون بالبرتقالي والأحمر. النجوم بدأت تظهر، والهواء أصبح بارداً.
سار نورد في شارع مظلل بين مبنيين مرتفعين، يتجه نحو نزله. كان يفكر في العشاء، في النوم، في الغد.
ثم شعر بها.
قشعريرة.
لم تكن قشعريرة عادية. كانت قشعريرة تهز العمود الفقري من أسفل إلى أعلى، تجعل الشعر على الرقبة يقف، وتجعل القلب يتوقف للحظة.
شيء كان يقترب بسرعة كبيرة.
تحذير! طلقة رونية قادمة! السرعة: 340 متراً في الثانية! الاتجاه: من الخلف، الزاوية 28 درجة! الهدف الرقبة!
لم يكن لدى نورد وقت للتفكير. لم يكن لديه وقت للتحرك. الطلقة كانت أسرع من أي شيء واجهه. أسرع من طلقات يونار، أسرع من كرات النار، أسرع من أي هجوم تعرض له.
تم منح التحكم العصبي تلقائياً لتفادي الموت المحقق.
تحرك جسد نورد.
لم يتحرك إلى الأمام ولا إلى الخلف ولا إلى الجانب. تحرك إلى الأعلى وانحنى في نفس الوقت. التوت فقرات رقبته إلى اليسار بزاوية لم يعتقد نورد أن جسده البشري يستطيع تحقيقها. كانت الحركة سريعة جداً، غريبة جداً، غير منطقية جداً.
الطلقة مرت على بعد شعرة من أذنه اليمنى، محدثة صوت صفير حاداً. اخترقت جداراً حجرياً خلفه، وتركت حفرة صغيرة متفحمة.
عادت الرقبة إلى وضعها الطبيعي. وقف جسد نورد منتصباً، وعيناه تتجهان نحو مصدر الطلقة.
على سطح مبنى منخفض، على بعد ثمانين متراً، كانت تقف فتاة.
كانت صغيرة الحجم، وجهها شبه مكشوف، وشعرها أسود قصير. كانت ترتدي ثياباً سوداء، وعلى صدرها كانت تلمع شارة: نصف قمر بنفسجي.
نظرت الفتاة إلى جسد نورد بعيون باردة. لاحظت أنه تفادى رصاصتها. لاحظت أن الحركة كانت غير بشرية. لاحظت أن هناك شيئاً مختلفاً في هذا الفتى.
نظرت الشريحة إلى الفتاة من خلال عيون نورد. لم تبتسم. لم تعبس. فقط نظرت. حللت. سجلت.
تحليل الهدف: أنثى، من المحتمل أن تكون في سن 19-22. مستوى: نجمتين منخفض أو متوسط في القتال. تحمل بندقية رون بعيدة المدى. أسلوبها: قنص من مسافة بعيدة، ثم هروب سريع. لا ترغب في قتال مباشر. إذا حاولت الشريحة ملاحقتها، ستختفي في الظلال.
قفزت الفتاة من على السطح بسرعة عالية، واختفت بين الأزقة. لم تترك أثراً، لم تترك صوتاً، لم تترك شيئاً.
انتهى التحكم العصبي. المستخدم آمن حالياً. المهدد اختفت. يوصى بالانتقال إلى مكان آمن.
عاد نورد إلى جسده كمن يستيقظ من كابوس. كان يلهث، وجسده يرتجف، وقلبه يدق كالطبول.
"من... من كانت هذه؟" همس.
شارة القمر البنفسجي. نفس المنظمة التي هاجمت المستخدم في حانة المسافر. هذه المرة، أرسلوا قناصة. يبدو أنهم قرروا تصفية المستخدم بدلاً من تخويفه.
"لكن لماذا؟ لم أعد أبحث عن إيما. لم أتدخل في شؤونهم."
السبب غير معروف. لكن التقدير: المستخدم أصبح يشكل تهديداً لهم، وهو كشف قليلا أسرارهم. ربما يريدون قتله ليخيفو غيره هذا كافٍ ليكون سبباً للقتل.
نظر نورد حوله. الشارع كان فارغاً. لا أحد رآه. لا أحد سمع الطلقة. كان وحيداً.
ذهب للمنزل بسرعة واخذ حاجياته وحقيبه.
ثم عادت قدماه إلى النقابة.
---
القاعة كانت شبه فارغة في هذا الوقت المتأخر. السكرتيرات الست لم يبق منهن سوى اثنتين. إلينا كانت لا تزال جالسة، تنظر في أوراقها.
عندما رأت نورد، توقفت عن العمل. لاحظت شحوب وجهه، وتوتر عينيه، وارتعاش يديه الخفيف.
"تومان؟" قالت إلينا بقلق. "ما بك؟ وجهك شاحب."
جلس نورد على كرسي مقابل طاولتها، وتنفس بعمق.
"حاولوا اغتيالي،" قال نورد بصوت هادئ لكنه حازم. "قناصة. من القمر البنفسجي. أطلقت عليّ النار في الشارع."
اتسعت عينا إلينا. "ماذا؟ هل أنت بخير؟ أصبت؟"
"أنا بخير عملياً. تفاديت الرصاصة في اللحظة الأخيرة."
"تفاديت رصاصة قنص؟"
"كانت قريبة."
صمتت إلينا للحظة. كانت تعرف أن تومان لا يكذب كثيرا في مثل هذه الأمور. كانت تعرف أنه كان في خطر حقيقي.
"ماذا ستفعل الآن؟" سألت.
"لا أريد العودة إلى النزل. ليس آمناً. هل هناك غرفة في النقابة؟ او فندق قريب من النقابه؟"
فكرت إلينا. "الدور الثالث. الغرفة الثالثة عشرة. فارغة. كانت تستخدم للتخزين، لكنها نظيفة. يمكنك استخدامها."
"شكراً لك."
"لا تشكرني. هذه أقل ما يمكننا فعله لمغامر يتعرض للاغتيال في شوارعنا."
نهض نورد، وصعد الدرج إلى الطابق الثالث.
---
كان الممر هادئاً، مظلماً، تلمعه مصابيح رونية زرقاء خافتة. الغرف كانت متجاورة، بعضها مغلق، وبعضها مفتوح.
الغرفة الثالثة عشرة كانت في نهاية الممر. فتح الباب.
كانت صغيرة، متواضعة. سرير واحد، منضدة خشبية، خزانة ملابس صغيرة، ونافذة تطل على شارع خلفي. الجدران كانت مطلية باللون الأبيض، والأرضية من الخشب المصقول. لم تكن فاخرة، لكنها كانت آمنة. داخل النقابة، محاطة بمغامرين أقوياء، بعيدة عن رصاصات القناصة.
ألقى نورد نفسه على السرير، وأغمض عينيه.
كان متعباً. ليس جسدياً فقط، بل نفسياً أيضاً. محاولة اغتيال ثانية. نفس المنظمة. نفس العلامة. نفس الرغبة في قتله.
لم يفعل شيئاً لهم. لم يعد يبحث عن إيما. لم يهددهم. لم يخطط للإيقاع بهم. كان فقط يريد العيش، والعمل، والتدريب، والتحسن.
لكنهم كانوا يريدون قتله.
لماذا؟
البيانات غير كافية للإجابة. لكن التقدير: المستخدم يعرف الكثير. رؤيته لشارة القمر البنفسجي، وعلمه بأساليبهم، وكشفه لاحد قواعدهم الحانه... كل هذا يجعله خطراً عليهم. وهم يقضون على الخطر قبل أن يكبر او كتحذير للغير من جبروتهم.
فتح نورد عينيه، ونظر إلى السقف الأبيض.
"إذا كانوا يريدون قتلي لأنني أصبحت خطراً عليهم،" همس. "فسأصبح خطراً أكبر. أكبر بكثير."
ابتسم نورد ابتسامة صغيرة، حزينة، حادة.
نام تلك الليلة في غرفته الجديدة. كانت أصغر من غرفته في النزل، وأقل راحة، وأكثر برودة. لكنها كانت آمنة. هذا كان كافياً.