في العاصمة الملكية فوجا، مدينة فيريديس الضخمة التي يتجاوز عدد سكانها المليون نسمة، كان القصر الملكي يبدو كقلعة حجرية صامتة. لم يكن فيه زخارف كثيرة، ولا أبراج ذهبية، ولا حدائق معلقة. كان بسيطاً، صلباً، رمادياً، كمن بني ليدوم وليس ليُعجب.
في قاعة الحرب، حيث كانت الخرائط تغطي الجدران وأضواء الرون الزرقاء تلمع كالنجوم في سقف مرتفع، كان الملك جالساً على كرسيه.
كان رجلاً في الستين من عمره، شعره أبيض بالكامل، ولحيته كثيفة، وعيناه رماديتان باردة كالشتاء. لم يكن يبدو قوياً، لكن من يعرفه كان يعرف أن جسده النحيل يخوي قوة هائلة. كان في مستوى خمس نجوم في القتال، ملك فوجا الحادي عشر.
أمامه، كان واقفاً رجل مختلف.
كان طويل القامة، أصلع الرأس، ووجهه مغطى بندوب قديمة تروي قصصاً لم يسمع بها أحد. كان يرتدي درعاً أسود بالكامل، وسيفه الطويل المستقيم كان موضوعاً على ظهره. كان صامتاً، لا يتحرك، لا يرمش، كتمثال حجري.
هذا كان ميديوث. دوق جنوب فوجا. الملك القتالي. في مستوى خمس نجوم في القتال أيضاً، وكان يعتبر أقوى المقاتلين في المملكة بعد الملك نفسه.
"ميديوث،" قال الملك بصوته الجهير. "هل علمت بما حدث في ياند؟"
"علمت،" قال ميديوث. صوته كان عميقاً، هادئاً، كالرعد البعيد.
"سيراس، الملك السحري لشمال لأنادير، دمر ثالث أكبر مدن جنوبنا. قتل آلاف المدنيين. حرق الحامية العسكرية. دمر نقابة المغامرين. كل ذلك لأنهم يريدون بحيرة الأسيج."
صمت الملك للحظة. ثم قال: "لن أسحب قواتي من هناك. بحيرة الأسيج ليست مجرد بحيرة. إنها مستقبل جيشنا. بدونها، لن نستطيع تصنيع الجرعات التي يحتاجها جنودنا للقتال في المستويات العليا."
"أعرف،" قال ميديوث.
"إذاً،" قال الملك، ونظر إلى دوقه بعيون أصبحت أكثر حدة. "ستتجه نحو سيرتانا."
رفع ميديوث حاجبه. "سيرتانا؟ ثاني أكبر مدن أنادير في الشمال؟"
"نفسها. هي قريبة من حدودنا. ويسهل الوصول إليها. ستدخلها، وتسقطها.حجر على حجر، كما فعل سيراس في ياند."
صمت ميديوث للحظة. كان يفكر في سيراس، في قوته، في سرعته، في كرة النار التي دمرت مدينة كاملة.
"سيراس موجود في شمال أنادير. قد يتدخل،" قال ميديوث.
"أعرف. لهذا سأرسلك أنت. أنت الوحيد القادر على مواجهته. لو تدخل، فقاتله. أما إذا بقي في عرينه، فاحتل مدينته."
"وماذا عن الجنود؟"
"خذ سبعين ألفاً. يكفون لاحتلال مدينة بحجم سيرتانا. استخدمهم في حرب استنزاف. لا تهاجم مباشرة. حاصرهم. اقطع طرق إمدادهم. جوعهم. ثم اقتحم."
أومأ ميديوث برأسه. لم يقل شيئاً. كان رجل أفعال لا كلمات.
"انطلق،" قال الملك. "ولا تعد إلا بعد أن تسقط سيرتانا."
انحنى ميديوث، ثم غادر القاعة.
---
بعد ساعات من الطيران، كان ميديوث قد وصل إلى جنوب فوجا.
كانت عاصمة الجنوب تدعى فيردونيا، مدينة كبيرة يبلغ تعداد سكانها حوالي ثلاثمائة ألف نسمة. لم تكن كياند، ولا كميلكونيا، لكنها كانت قوية، محصنة، ومليئة بالجنود والمغامرين والصيادلة وصانعي الأسلحة.
دخل ميديوث قصر الحاكم العسكري، وجلس على كرسي كان معتاداً عليه، وبدأ في التخطيط.
جمع جنرالاته في قاعة الاجتماعات. كانوا حوالي عشرة رجال ونساء، كلهم في مستوى أربع نجوم، بعضهم في القتال، وبعضهم في السحر، وبعضهم في الذهن.
"الهدف: سيرتانا،" قال ميديوث، وأشار إلى خريطة ضخمة معلقة على الحائط. "هي ثاني أكبر مدن أنادير في الشمال. تعداد سكانها حوالي أربعمئة ألف. جيشها يتكون من حوالي ثلاثين ألف مقاتل."
"وسيراس؟" سأل أحد الجنرالات.
"سيراس موجود في شمال أنادير. قد يتدخل. هذا احتمال قائم. إذا تدخل، سأقاتله أنا."
صمتت القاعة للحظة.
"خطتي: حرب استنزاف. لن نهاجم مباشرة. سنحاصر المدينة من ثلاث جهات، ونترك الجهة الرابعة مفتوحة. سيهرب المدنيون، وسينهار اقتصاد المدينة، وسيضطر الجيش للخروج لمواجهتنا في السهل المفتوح. هناك، سنذبحهم."
"وماذا لو أرسلوا تعزيزات من العاصمة؟" سأل جنرال آخر.
"سيراس لن يسمح بذلك. هو متعجرف. يريد أن ينتصر بنفسه. سيرى حصارنا كإهانة شخصية. سيخرج لمواجهتي، وسأقاتله."
لم يسأل أحد عن احتمال هزيمته. كان ميديوث أسطورة حية في فوجا. لم يهزم في معركة منذ عشرة اعوام.
---
بعد ثلاثة أيام، كانت الجيوش قد تحركت.
سبعون ألف مقاتل، معظمهم من المشاة، مع آلاف الفرسان ومئات السحرة وعشرات صانعي المصفوفات. تحركوا في طوابير طويلة، تحت سماء غائمة، في أرض قاحلة بين فوجا وأنادير.
وصلوا إلى تخوم سيرتانا عند الفجر.
المدينة كانت كبيرة، أسوارها عالية، وأبراجها مرتفعة، وأعلام أنادير الحمراء كانت ترفرف فوقها كالنيران البعيدة. خلف الأسوار، كان الجيش يتحرك، يستعد، يخطط.
لم يهاجم ميديوث.
أمر جنوده بالتوقف على بعد كيلومترين من المدينة، ونصب الخيام، وحفر الخنادق، ووضع المصفوفات الرونية للحماية. ثم بدأ الحصار.
قطع طرق الإمداد من الشمال والجنوب والشرق. ترك الجهة الغربية مفتوحة، كما خطط. بدأ المدنيون يهربون بأعداد كبيرة، ومعهم ذهبهم ومجوهراتهم وأطفالهم ونساؤهم. كانوا يعرفون أن الحرب قادمة، وكانوا يعرفون أن البقاء يعني الموت.
استمر الحصار لأسبوع.
كانت الاشتباكات صغيرة في البداية. فرسان من أنادير يخرجون لقطع طرق الإمداد فتصطدم بفرسان فوجا. سحرة من الجانبين يتبادلون كرات النار والسيوف الجليدية من مسافة بعيدة. قتلى هنا وجرحى هناك، لكن لا معركة حقيقية.
في اليوم الثالث، حاولت كتيبة من أنادير الخروج ليلاً لمهاجمة معسكر فوجا. كانت خمسمئة جندي، يقودهم فارس في مستوى ثلاث نجوم ذروة. تسللوا في الظلام، متجنبين دوريات الحراسة، ووصلوا إلى الخيام الخلفية.
لكن ميديوث كان قد توقع ذلك. نصب كميناً. أحاط بهم من كل جانب، وذبحهم جميعاً. لم ينجُ أحد.
في اليوم الخامس، هاجم سحرة أنادير معسكر فوجا بكرات نار من مسافة بعيدة. أحرقوا بعض الخيام، وقتلوا بعض الجنود، لكن ميديوث أمر سحرة فوجا بالرد. تبادلوا القصف لساعات، حتى نفدت طاقة السحرة من الجانبين.
في اليوم السابع، خرجت فرقة من نخبة أنادير، في مستوى ثلاث نجوم وأربع نجوم منخفض، لمهاجمة قادة فوجا. كانت فرقة انتحارية، تعلم أنها لن تعود. تمكنوا من قتل أحد جنرالات فوجا وأصابوا آخر قبل أن يذبحهم حراس ميديوث الشخصيون.
كانت معركة استنزاف. كل يوم، يموت جنود من الجانبين. كل يوم، تتعطل طرق الإمداد. كل يوم، يزداد الجوع والمرض في سيرتانا.
لكن لم يستطع أحد اقتحام المدينة. الأسوار كانت عالية، والمدافعون كانوا مستعدين للموت.
ثم، في اليوم الثامن، سئم سيراس.
---
في أنادير، في قلعته، كان سيراس جالساً على كرسيه. كان قد سمع بخبر الحصار. كان قد سمع عن هروب المدنيين، عن توقف الإمدادات، عن الجنود الذين يموتون جوعاً خلف الأسوار.
كان غاضباً.
لم يكن غاضباً لأنه يخسر معركة. كان غاضباً لأنه أهين. لأنه ظن أن فوجا ستخاف بعد تدمير ياند، وستسحب قواتها. لكنها لم تفعل.
قفز من كرسيه، وخرج من القلعة، وطار نحو الشمال. كان يريد أن يحرق جيش فوجا بأكمله. كان يريد أن يري ميديوث من هو الملك الحقيقي.
وصل إلى سيرتانا بعد ساعات. كان السماء قد أظلمت، والنجوم بدأت تظهر. كان جيش فوجا لا يزال محاصراً للمدينة، وكانت نيران المعارك لا تزال مشتعلة في بعض الأماكن.
وقف سيراس في السماء، عالياً، ويداه متشابكتان خلف ظهره. نظر إلى الأسفل، ورأى جيش فوجا ممتداً كالنمل، ورأى خيامهم وعرباتهم ومدافعهم الرونية، ورأى جنودهم يتجولون كأنهم في نزهة.
رفع يده اليمنى. بدأت كرة النار تتشكل. كانت أكبر من التي دمرت ياند، وأكثر إشراقاً، وأكثر حرارة. كانت كالشمس الصغيرة التي نزلت إلى الأرض لتحرق كل شيء.
"كرة الهلاك الجحيمي،" همس سيراس.
كان على وشك إطلاق الكرة عندما شعر بشيء. شيء سريع، قوي، مميت. كان متجهاً نحوه.
تراجع سيراس إلى الخلف بسرعة، متفادياً الهجوم. نظر إلى الأسفل. كان ميديوث واقفاً هناك، سيفه في يده، وعيناه مثبتتان عليه. كان قد أطلق ضربة طاقة من سيفه، ضربة قطع الهواء، ووصلت إلى سيراس في جزء من الثانية.
لو لم يتراجع، لكانت أصابته.
نزل ميديوث من على الأرض. لم يطر، بل قفز. قفزة هائلة، عالية، بعيدة. هبط على سور سيرتانا، على بعد أمتار من سيراس الذي كان لا يزال في الهواء.
"أيها الكلب اللعين،" قال ميديوث بصوته الجهير. "أتهاجم عندما لا أكون موجوداً؟ تعال وتحمل ضربة سيفي. أريد أن أرى هل سيف الملك الدموي أقوى، أم كرة نارك الصغيرة؟"
صمت سيراس للحظة. كان ينظر إلى ميديوث بعيون باردة. كان يعرف أنه لا يستطيع هزيمته بسهولة. كان يعرف أن المعركة بينهما ستكون طويلة، وستكلف الكثير.
لكنه كان متعجرفاً. وكان يكره الإهانات.
"سترى،" قال سيراس.
نزل من السماء، ووقف على السور مقابل ميديوث. كانا على بعد عشرة أمتار فقط. عيناهما تلامستا، والسيوف والكرات النارية كانت تنتظر في الخلف.
بدأت المعركة.
لم تكن معركة عادية. كانت معركة بين ملكين، بين أقوى اثنين في المنطقة. كل ضربة من ميديوث كانت تشق الهواء، وتترك أثراً في جدار السور، وتجعل الجنود يتراجعون خوفاً. كل كرة نارية من سيراس كانت تحرق الحجارة، وتذيب الحديد، وتجعل الهواء يشتعل.
استمر القتال لدقائق طويلة. كانا متكافئين تقريباً. ميديوث كان أقوى في القتال المباشر، وسيراس كان أقوى في المدى البعيد.
لكن لم يفز أحد. تراجع سيراس إلى داخل المدينة، وتراجع ميديوث إلى جيشه. عادا إلى موقعهما الأصلي، كأن شيئاً لم يحدث.
لكن الرسالة وصلت. سيراس لن يترك مدينته تسقط بسهولة. وميديوث لن يترك سيراس ينجح في حماية المدينه.
كانت الحرب الحقيقية قد بدأت للتو.