توقفت الجثث المحترقة والمشوهة عن إصدار أصوات الصراخ المرعبة من حناجرها. لم يكن إحصاء عدد الأرواح التي أزهقت في هذه اللحظة سهلا أو حتى بالأمر الممكن. ليس لعددها الهائل الذي لا يمكن عدّه، بل لأنها تقع تحت مسمى المجهول.

لن يعرف الناظر - إن وجد - أكانوا عشرات أم مئات أم ألوف..

غطت الدماء القرمزية الأرضية الحجرية الواسعة، فحجبت عن أعين الناظر لون الصخر الكارتيلي المميز.

ترامت الأطراف المبتورة بدقة جرّاح على طول السهل الشاسع لتكوّن منظرًا مهيبًا لا يمكن تجاهله.

الجثث المتفحمة، العيون الفارغة، وتلك السيوف التي زُرعت هنا وهناك في صدور ونحور الملقيين على الأرض، كانت كفيلة أن تزرع رعب الموت في قلب من يشاهد المنظر المروع.

لكن لم يكن هنالك أحد ليشاهد، ربما واحدٌ فقط... لكن... هل كان يشاهد حتى؟... هل كان موجودًا أصلًا في هذا العالم؟... يصعب الجزم بذلك... فعيناه الداكنتان لم تكونا موجهتين لأي من الجثث التي زينت الأرضية السوداء الملطخة بالدماء. كان ينظر هناك، بعيدًا جدًا أو ربما اقرب مما قد يعتقد هو نفسه.

فوق آلاف الجثث المتفحمة وقف كيان واحد شاهق وضخم، بدا من ارتفاعه وكأنه يمتد ليعانق السماء، كان البرج الأسود القاتم مصنوعًا من نفس الحجارة الكارتيلية التي غطت السهل الشاسع. كانت قمته المدببة لا تزال شامخة على ارتفاع فاق المائتي متر. بدا البرج الكارتيلي بأكمله غير مبالٍ أو متأثرٍ بأي شكلٍ من الأشكال لأيًّا كان ما قد حدث هنا.

آلافٌ من السنين التي مرّت عليه لم تكن كافية لتترك خدشًا واحدًا على سطحه المتين...

بدا البرج الكارتيلي فخمًا مهيبًا ومرعبًا لكنه بدا أيضًا جميلًا وجذابا في نفس الوقت. جميلًا لدرجة لا تقاوم، جميلًا لدرجة أن ينسي الناظر اليه مشهد الجثث التي خضعت أسفله، الجثث التي بدت وكأن أرواحها سُلمت بمحض ارادتها لهذا الكيان الغامض، لولا حقيقة أن المشهد لم يناسبه استخدام مصطلح من مثل: "بمحض إرادتها"..

بدا مما لا شك فيه ان الأجساد الهامدة قدمت أو (حاولت تقديم) نوعٍ من المقاومة لما واجهوه لكن يبدو أن كل ما بذلوه لم يكن كافيا لردع أيًّا كان ذلك الشيء.

لم يزح الواقف عينيه عن البرج الكارتيلي لجزء من الثانية. ظلت عيناه السوداء المتسعة ملتصقة بقمة البرج المهيب لوقت خضع هو أيضا للمجهول.

كان كيانه الصغير باهتًا جدًّا مقارنة بالكيان العملاق للبرج الأسود، فلم يكن سوى طفل. طفلٌ واحد وقف حيًّا بين العدد المجهول من الجثث المشوهة من حوله، وفوقه كان هنالك كيان أعظم واضخم بكثير لفت انتباهه عن مشهد المجزرة المروعة التي احاطت به.

لم ينخفض نظره للحظة واحدة ليلحظ الجثث التي لا تحصى من حوله.

الجثث التي بدأت ظلالها تتحرك وتتموج بشكل غريب محطمة لحالة الجمود الطبيعي التي يجب أن تكون عليها.

التفتت جميعها وانطلقت باتجاه واحد في الوقت نفسه تاركة الأجساد التي كان يجب أن تلازمها طوال الوقت. بدا هذا بعيدا عن المنطق... لكن من قد يهتم للمنطق في الأساس؟...

بدأت الظلال تلتف حول الطفل لتعانقه وتأخذه في حضن أبدي، واحدة تلو الأخرى حتى غطي جسده الشاحب واستحال داكنا كالظلال ذاتها. لتصبح في ما بدا جزءًا من كيانه...

اختفى التوسع في عيني الطفل لتعود حدقتيه لشكلهما المعتاد، ليبدو للحظة واحدة وكأنه تحرر من سيطرة الكيان العملاق وهيمنته. حرك عينيه اخيرا وأزاحهما عن البرج الكارتيلي لينظر لما أحاط به. لم يظهر الطفل أي علامة على الانفعال أو الصدمة جراء رؤيته للجثث التي احاطت به، بل بقي صامتًا بلا أي صوت...

دار الطفل دورة كاملة حول نفسه... ثم أخرى... ثم أخرى... ثم أخرى... حتى مضى من الوقت المجهولُ، لينتهي به الأمر بالسقوط أرضا بعد عدد مجهول من الدورات. شعر الطفل بالدوار والغثيان، وحينها فقط بدأت أصوات همسات غامضة تداهم عقله...

'قتل... قتل... قتل'

فتح الطفل فمه وحاول الصراخ..

لم يهدأ الصوت..

'اقتل... اقتل... اقتل'

ضرب الطفل رأسه أرضًا لعدد مجهول من المرات..

ازداد الهمس ولم يهدأ..

'اقتله... اقتله... اقتله'

وقف الطفل على قدميه وترنح قليلا..

لا تزال الهمسات تتكرر..

'اقتله... اقتله... اقتله'

لم يكن الطفل يمسك بالخنجر الملتوي من قبل، بل ظهر فجأة من العدم واستقر في يده اليمنى..

أحكم الطفل كلتا يديه على المقبض البسيط للخنجر الحاد، ثم رفعه عاليًا بينما لا تزال الهمسات تتكرر في رأسه الصغير، ولم يقدم حتى لحظة واحدة من التردد قبل أن يزرعه في عنقه ليخترق النصل الحاد حنجرة الطفل الهزيل..

'مؤلم... مؤلم... مؤلم جدا... مؤلم'

سقط الطفل من الألم الحاد الذي لا يطاق وارتطم ظهره ببركة الدماء القرمزية التي سالت من الجثث المجهولة.

صر الطفل على أسنانه وهو يسحب الخنجر من عنقه ببطء، ثم زرعه مرّة أخرى بلا تردد... ثم مجدّدًا ومجدّدًا ومجددًا... لعدد مجهول من المرات.

'اللعنة... مؤلم جدًا... انه مؤلم جدًا'

لكن مهما فعل... ولسبب مجهول حتى لو طلب الموت... فقد رفض المجهول طلبه.

'أريد الخروج... الآن... اريد الخروج. لا اريد ان ابقى هنا... أخرجني الآن... اخرجني'

تحولت الجثث الى غبار ثم اختفت ببساطة، واختفى معها الطلاء القرمزي الذي زين الأرضية الشاسعة. عاد السهل الحجري للونه الأسود الطبيعي.

بدا فجأة وكأن العالم أصبح فارغًا... إلا من البرج الكارتيلي العملاق الذي رفض كيانه ان يزول... والطفل الهزيل الذي رُفضَ طلبهُ بأن يزال...

بدأت الأرض تهتز من أسفل الطفل لتكشف عن تشققاتٍ على طول السهل، والتي توسعت بسرعة لتبتلع الطفل في داخلها.

لمحت عيناه بينما يسقط في الهاوية ذلك البرج الأسود الذي لا يزال شامخًا في الأعلى ولم يتحرك قيد أنملة... شعر بالخوف... والغضب... والكره... موجّهًا نحو ذلك الشيء المجهول...

وفي لمح البصر، أُغلقت الهاوية على جسده الصغير لتتركه عالقًا أسفل كم مجهول من الأطنان من الحجر الخام... بلا ضوء... أو متنفس... لم يكن قادرًا حتى على تحريك اصبعه.

'عنقي... الخنجر لا يزال عالقًا... اريد ازالته.. انه مؤلم... لا أستطيع الحركة... اللعنة... مؤلم مؤلم مؤلم... جدا... كم سأقضي هنا؟... الألم يزداد... اللعنة!'

لم يكن الوقت المجهول الذي قضاه الطفل قابلا للعد، ولكن كيان الطفل كان قابلًا للمعاناة.

'اللعنة... الألم انه... لا يزول... الوقت لا ينتهي... اللعنة! اللعنة! اللعنة!'

'أخرجني...'

2026/03/10 · 2 مشاهدة · 903 كلمة
نادي الروايات - 2026