2 - الاستيقاظ في عالمي الحقيقي

تحركت جفنا شاب لتكشف عن عينين زجاجيتين قرمزيتين، قبل أن يستيقظ مذعوراً ومرتبكاً. كان شعره أسوداً سجّاً، كثيفاً وداكناً كالليل. غطى العرق البارد جلده الأبيض المرمري من رأسه حتى قدميه. بعدما نهض فزعاً من فراشه الناعم، أمسك الشاب رأسه بكلتا يديه ثم بدأ يصرخ بأعلى صوته بطريقة هستيرية.

كانت صرخته صرخة ألم ومعاناة كبتت لفترة طويلة فقط لتخرج الآن. لم يبدو وكأن الشاب قد كان في كامل وعيه في تلك اللحظة. بدأت أظافره تخدش جلد وجهه الشاحب حتى بدأ الدم يسيل منها.

"مؤلم مؤلم مؤلم"

حرك الشاب يديه المرتجفتين ليلامسا عنقه ويحيطاها وكأنما يريد خنق نفسه وسلب روحه، ليبدأ مباشرة بحك رقبته بجنون شخص يستبعد كونه عاقلاً. صر على أسنانه لثوانٍ قبل أن ترتفع صرخاته مرة أخرى. بدأ الدم يسيل من عنق الشاب كما سال من وجهه منذ لحظات...

توقفت يدا الشاب عن الحركة بشكل مفاجئ وكأن شيئاً ما قام بتقييدهما، وما لبث حتى شعر بصفعتين قويتين على خده الأيسر تلاه الأيمن. شعر الشاب وكأن رؤيته لما حوله أصبحت أوضح قليلاً، مبتعداً تدريجياً عن الرؤية الغائمة الضبابية، لكنه لم يصل لمرحلة الإدراك التي تؤهله لفهم شيء مما يجري أو حتى لفهم ما يفعله هو بذاته أو حتى فهم جزء يذكر عن نفسه وشخصه.

أحس الشاب بشيء يمسكه بإحكام من شعره القاتم ويسحب رأسه للأسفل بسرعة خاطفة، قبل أن يصطدم وجهه بما كان أشبه بمطرقة حديدية... شعر أنفه بألم جحيمي... هل كُسِر؟... لا شكّ أنه قد كسر. حتى مع كون الشاب ذو البشرة المرمرية فاقد الإدراك لذاته ومعظم أحاسيسه، إلا أنه لم يفقد بعد كلا المعرفتين الغريزية والحدسية.

بماذا ضُرب وجهه؟ تساءل الشاب. ركز عينيه بصعوبة ليرى شيئاً اتضح ببطء أنه مفصل ركبة شخص ما يبتعد تدريجياً عنه... أو ربما كان هو من يبتعد... ارتطم ظهره بقوة بالأرض الصلبة بعد أن تلاشت صرخاته المجنونة والغريبة. نظر الشاب بعد لحظات لأعلاه في محاولة منه لفهم ما يجري..

"أنا لست محصوراً في هاوية"

لمس الشاب حنجرته بتفحص ومرر يده ببطء على كامل مساحة عنقه: "أيـ.. ن ذلك الخنجر؟"

شم أنفه المستقيم رائحة الدم الطفيفة على أظافره ويديه قبل أن تلاحظها عيناه.. ظن الشاب مباشرة بأن هذه الدماء قد خرجت جراء العدد المجهول من الطعنات التي استقبلها؛ فلم يكن قادراً بعد على استنتاج أنها كانت نتيجة ما فعله بنفسه منذ ثوان ولم تكن بالقدر والخطورة التي تخيلها. لم تكن عيناه قد اعتادتا على رؤية النور بعد الفترة الطويلة التي قضاها في الظلام الدامس. بدأ حجابُ الرؤية الذي كونه دماغه ينقشع تدريجياً، ليكشف ببطءٍ عن شخص ينظر محدقاً إلى عينيه.

"يمكنكم الذهاب لقد تعاملت مع الأمر"

لاحظ الشاب بعض الظلال التي بدأت تبتعد تدريجياً لتختفي بعد أن سمعت كلام الشخص الواقفِ فوقه.

"هوي كيد... هووووي كيد... هل أنت هنا؟... هووووي"

كان الشخص الآخر يلوح له بينما يتكلم: "هوي... مرحباً... هل تريد صفعة أخرى؟ أو ربما اثنتين؟ هوووي هل تسمعني؟"

أخيراً، استطاع الشاب أن يبصر الشخص الذي يلوح له بصورةٍ واضحة تقريباً... كان شاباً بشعرٍ أبيض طويل مسرح على شكل ذيل حصان، كانت بشرته بيضاء فاتحة أكثر من الشاب المستلقي نفسه كما كانت نقية خالية من العيوب تماماً. لمعت عيناه بلونٍ هو أقرب للون الجليد الصافي من أي شيء آخر.

ظل الشاب تائهاً في عينيه الساحرتين للحظات قبل أن ينطق قائلاً: "ماذا... يحدث؟... أين... أين أنا؟"

رد الشاب الساحر بصوتٍ أكثر سحراً وجمالاً: "هل أنت أحمق؟ ماذا تقصد بماذا يحدث؟ اسأل نفسك... أنت من بدأت تصرخ وتقفز هنا وهناك وتضرب نفسك كالمجنون.. وماذا تعني بأين أنت؟ وأين قد تكون مثلاً؟"

أغمض الشاب عينيه محاولاً ترتيب أفكاره المشتتة... "هوووي كيد! هل أنت ميت؟" "أهدأ قليلاً أحاول التركيز.. من كيد هذا؟" "كيد، أنت هو كيد... من كيد الذي تقصده؟" "ماذا تقول؟ لم أفهم شيئاً" "أعني في حين أنك "كيد" تسألني عن من هو "كيد" فلا بد أن يكون "كيد" الذي تقصده هو "كيد" آخر" "ايسيليان... اخرس!"

تنهد الشاب الآخر قبل أن يتراجع قليلاً ويستلقي على أريكة سوداء: "من الجيد أنك تذكر اسمي"

فتح كيد عينيه مجدداً ثم حاول تعديل وضعيته للجلوس، شعر بصعوبةٍ في تحريك جسمه، وكان هنالك ذلك الألم المروع لتلك الضربة المباشرة على وجهه... ألم يُكسر أنفه؟ تفحصه بسرعة.

"لا أظن ذلك... لكنه يؤلم"

استطاع في النهاية أن يجلس القرفصاء بصعوبة بالغة. بدأ كيد يحاول تنظيم نفسه ثم نظر إلى الشاب الوسيم وبقي صامتاً.

"ألن تخبرني بما جرى معك؟" رد كيد ببرود: "لا شيء... فقط كابوسٌ صغير" "حسناً.. لا أعتقد أن الكوابيس الصغيرة قد تحول شخصاً ما إلى مجنون... خاصة إذا كان... شيئاً كهذا، لكن كيد... ألا تعتقد أنك قد غفلت عن شيء ما؟" "لم أفهم..." صمت الشاب الساحر للحظات: "حسناً كيف أوضح لك ذلك... ربما نسيت... أن الكوابيس لا تراودك؟"

لمس كيد طرف خده ليمسح الدماء التي تسيل منه، ثم رد بنظرات حائرة: "لا زلت لم أفهم" "كيد، أنت لا يمكنك النوم"

وضع كيد يده على رأسه وأغمض عينيه وكأنه يعاني من صداعٍ شديد. فتح فمه ثم أغلقه ثم فتحه مجدداً: "ها؟ لحظة... لا أدري إذاً... ربما... ربما كان شيئاً من أحلام اليقظة أو ما شابه ذلك" "كنت أقول أن فكرة جنون شخص بسبب كابوس صغير هو أمر غير محتمل... وها أنت الآن تقول لي أنك خرجت عن طورك بسبب (أحلام اليقظة)؟... هممم، هذا فقط غير منطقي كيد"

كان كل شيء حقاً غير منطقي تماماً... نهض كيد بنفور ثم قال غاضباً: "تباً للمنطق... ماذا تريد؟ لماذا دخلت غرفتي؟"

رد ايسيليان بعد أن أرخى رأسه على الأريكة: "حسناً، في الواقع لقد دخلت بعد أن سمعت صرخاتك الغريبة قليلاً من الداخل، لكنني كنتُ قادماً لسبب ما"

تمشى كيد قليلاً إلى يسار الغرفة حتى وصل إلى باب خشبي باهت اللون، مد يده اليمنى ليمسك بالمقبض المعدني للباب ويدفعه للأمام ببطء وهدوء. رفع يده الأخرى ليحرك مفتاح إضاءة الحمام الضيق الذي دخله. فتح كيد صنبور المياه الذي أخذ وقته حتى يخرج، ثم بدأ يغسل وجهه الملطخ بالعرق والدماء.

"أنا أستمع" "لقد وُكلنا بمهمة وسننطلق غداً، كنتُ قادماً لإخبارك بذلك" "أي نوعٍ من المهام بالتحديد؟" صمت الشاب الوسيم ثم أجاب: "اغتيال... سنغتالُ شخصاً... " رد كيد بفتور بينما يمسح وجهه وينظفه بالمنشفة البيضاء: "أين؟" تردد الشاب قليلاً قبل أن يجيب: "قرية كاردي، تبعد مئتي كيلومتراً جنوب العاصمة... أي ما يعادل ثمانمائة كيلومتراً من هنا"

مسح كيد الدم عن أنفه: "لماذا يستمر العجوز بإعطائنا المهام في أسوأ المناطق؟... ما مشكلته مع دينتن آيلاند أو روفا؟... أياً يكن... من هدفنا؟"

تغيرت نظرة الشاب الساحر وأصبحت أكثر قتامة بينما كان مستلقياً على الأريكة السوداء: "لدينا أمر باغتيال... ويس باردي"

حل صمتٌ غريب في الغرفة للحظات قليلة كسره كيد بعد أن أغلق صنبور المياه وقال: "حسناً إذن... جيد... ايسيليان... اذهب واسترح جيداً... قد لا يكون لدينا الوقت للراحة بحلول الغد"

وقف ايسيليان على قدميه واستدار ببطء ليخرج دون أن يلفظ بكلمة واحدة، قبل أن يوقفه كيد الذي قال مخاطباً إياه: "أجل... كاد أن يغيب عن بالي..."

تأرجحت رجل كيد في الهواء بسرعةٍ خاطفة، واصطدمت بوجه ايسيليان بقوةٍ تكفي لثني الحديد...

"صفعة واحدة... تكفي أيها الوغد المغفل"

2026/03/10 · 5 مشاهدة · 1082 كلمة
نادي الروايات - 2026