دارت عجلات مركبة (TP) سوداء فوق الأرضية الرملية الباردة، مخلفة وراءها سحابات غبارية وتاركة أثرا واضحا على الرمال الصفراء، بينما يغطي الليل اخر طبقات هذا العالم المنسي فيزيده نسيانًا.

إن رؤية مركبة من الطراز الرفيع كهذه في مكان معدوم الحياة كهذا، سيكون أمرًا صعب التصديق على الناظر غير الموجود.

لم يكن هنالك شيء ليغطي الأرضية السهلية الناعمة ويمنحها الحياة، سوى بعض الأفاعي والعقارب التي لامست أجسادها الصخور الجيرية النادرة بدورها.

كان الفراغ والسكون مهيمنا على كامل المساحة الواسعة لهذه الأرض المقفرة، باعثًا شعورا غريبا بالعزلة المكانية، مما جعل الهواء النقي يبدو ثقيلا ومزعجا بذاته.

لمعت النجوم البيضاء بوضوح في السماء الداكنة، مكونة الخريطة الوحيدة التي يمكن أن يستدل بها السائر على طريقه في هذا العالم المنسي.

سئم كيد من النظر إلى الرمال المتحركة بعكس طريقه طوال الوقت، لذا سحب يده من أسفل فكه وحول نظره الى العجوز الجالس بجواره.

كانت عينا السائق النحيل فارغة ومعدومة كشخص سلبت روحه أو أعطيت.

لَظن كيد أنه يتجاهل كل شيء حوله صابًا كل تركيزه على القيادة وتوجيه المركبة في ظلمات الصحراء الباردة... لولا أنه كان يعرف أن العجوز كفيف فاقد لبصره.

اقترب ايسيليان الجالس في المقعد الخلفي برأسه من كيد ثم قال: "كيد، كيد، أكدنا نصل؟"

التفت كيد برأسه للخلف ونظر بعينيه القرمزيتين الى ايسيليان لعدة لحظات، ثم التفت مجددا للأمام.

"توقف عن طرح السؤال ذاته لعشرات المرات... لن يحصل تغيير في الإجابة في كل مرة".

أعاد الشاب الساحر رأسه للخلف ثم تنهد وقال متذمرا: "لكن ربما يحصل تغير في حالتك أو مزاجك.. "

رد كيد ساخرا: "نعم طبعا... للأسوأ".

أغمض ايسيليان عينيه للحظات ثم فتحهما مجددا ونظر للشاب الجالس على يساره ثم نطق قائلا: "هوي غارث".

كان غارث شابا أسمر البشرة داكنا كشعره القصير، ضاقت ملابسه على جسده الضخم الذي سلب حق المساحة من الجالسين بجواره.

نظر بطرف عينه الى ايسيليان ثم قال بصوته الخشن: "ماذا؟"

"أتعلم لماذا نحن نسير لفترة طويلة ولا زلنا لم نصل؟ أقصد أن القرية لا تبعد سوى ثمانمائة كيلو مترا ومع ذلك نقضي يوما كاملا في الطريق!؟"

صمت الضخم لثوان ثم تنهد وبدأ يتكلم موضحا.

"لانه لا يمكننا سلوك طريق مباشر ومستقيم من المقر للقرية؛ هنالك العشرات من المستعمرات على طول الطريق، احتمال اعتراضنا من قبل حامية عسكرية ليس منخفضا... لذا ببساطة نحن نسلك الطرق الأقرب للمنطقة الحدودية مع ستانغفورد؛ لكونها الأأمن في صحراء الجنوب. ليست معلومة جديدة، أيعقل أنك لا تعلمها؟"

رد ايسيليان: "طبعا أعلم، لكن الصمت يزعجني لذا فكرت بأن أجعلك تثرثر قليلا فأرتاح".

ضاقت عينا غارث بعض الشيء لكنه ظل صامتا...

نظر ايسيليان الى الشاب الآخر بجوار غارث ثم نطق مجددا.

"ألا يزال نائما؟ ألا يمل؟"

رد غارث: "ألا تمل أنت؟"

لم تكن عينا كيد تظهر لمحة مما يشعر به بينما يستمع للحوار الجاري، فتور كامل كان يظهر على وجهه، لكن في داخله كان يعاني من فكرة أنه سيضطر لتحمل هذه الثرثرة لساعات إضافية.

لم تكن ستائر الليل قد أُزيلت عندما توقفت المركبة السوداء أخيرا بعد رحلة طويلة. لم تغادر المركبة الصحراء الواسعة، لكن الأرض لم تعد سهولا وحسب بعد الآن. نظر كيد إلى سلاسل الجبال الصخرية الشاهقة والمستوية بعين باردة، ثم دفع الباب الأمامي لتلامس أقدامه أخيرا شيئا مختلفا عن الهيكل الداخلي للمركبة.

تبعه ايسيليان بحماس: "اخيرا! هواء نقي... لم تكن الرائحة في الداخل مستساغة جدا".

علق غارث بتساؤل: "ما الذي تعنيه؟"

"لا، لا شيء فقط... أقصد أنظر إلى فورج هناك".

لم يكن الشاب الخامس في المركبة قد استيقظ بعد...

ولم يكن صعبا جدا على غارث حمله خارج المركبة ووضعه ارضا ثم سكب القليل من الماء على وجهه. استيقظ الشاب بهدوء يتعارض مع سكب الماء البارد على وجهه وهو نائم. نظر بنظرة غير مبالية ثم تثاءب تثاؤبا طويلا ووقف.

"هل وصلنا؟"

كان جسد الشاب طويلا جدا حتى لو قورن بالضخم غارث، فأكثر من مترين فصلت قمة رأسه عن قاع قدميه، لكنه كان نحيلا جدا بالمقابل.

غادرت المركبة مسرعة مخلفة وراءها آثار العجلات الضخمة، وتاركة الأربعة رفاق لوحدهم في هذه الصحراء الخالية... أو ربما لم تعد خالية بعد الآن.

أشار كيد باتجاه معين بين الجبال ثم قال: "سنسلك بضعة مئات من الأمتار في هذا الطريق".

لم تكن الدقائق التي قضاها الفريق ليصل لوجهته طويلة أو ثقيلة، حتى مع أن أحدًا لم يتكلم طوال الطريق... ولا ايسيليان حتى.

لم يكن المدخل الذي ربط القرية بالصحراء الضخمة معبّدا أو حتى موضحا للسائر، بل مجرد ممر صغير بين القليل من الأكواخ الصغيرة.

سار الفريق على طول الطريق لدقائق معدودة دون أية كلمة... فقط الصمت هو ما كان حاضرا، صمتُ الرفاق الأربعة... وصمت سكان القرية.

لم يكن كيد يجهل وجود أناس في هذه القرية المعزولة في وسط الصحراء، فهُم لم يقطعوا كل هذه المسافة للوصول إلى قرية خالية، لكنه كان ينتظر إجابة منهم في الوقت الراهن...

سُمع صوت جدال على بعد أمتار قليلة.

"لا أظن أنها الإجابة التي أنتظرها..."

اقترب الفريق ببطء من مصدر الأصوات وبدأوا يستمعون لما يجري.

هناك، خلف أحد الأكواخ الصغيرة وقف رجل عجوز نحيل وضعيف، كان يحني ظهره بصعوبة لالتقاط بعض الأشياء من على الأرض. لم يكن ستار الليل الحالك يسمح لأحد برؤية ما كان يحاول التقاطه، لكنه سمح لهم على الاقل برؤية شخصيتان اضافيتان تقفان أمامه، كان شكل ردائهما الرمادي يشير بوضوح إلى أنهما عسكريان.

"اعذراني، اعذراني... سأصلح الأمر... اعذراني".

كان واضحًا من لهجة العجوز التوسلية أنه يحاول تدارك خطأ ما ولا يريد انزعاج الجنديين أو مضايقتهما...

نطق أحدهما متوجها الى رفيقه: "أعتقد أن العجائز لم يعودوا يصلحون لأي نوعٍ من المهام".

رد الآخر: "أرى... انه مجرد حمل بسيط، ومع ذلك يتجرأ ويسقطه من على ظهره".

زاد العجوز من سرعته بتوترٍ واضح على حركات يده...

"سأصلح الأمر... صدقاني سأصلح الأمر".

رد أحد العسكريين قائلا: "نعم، نعم لا شك أنك ستصلحه".

قال الآخر:" لست متفرغًا لهذا..."

أخرج العسكري سلاحا صغيرا من جرابه ثم رفعه عاليا وحكّ به رأسه...

تجمد الرجل العجوز وتوقف عن الحركة...

قال العسكري بصوت ثابت: " أرى أن وجود شخصٍ ما من عدمه لن يضر أو ينفع بشيء... وبخاصةٍ إذا كان هذا الشخص عجوزًا عديم الفائدة... لن يمانع القائد ذلك طبعا... أظن؟"

رد الآخر بعد أن تثاءب وأشار له بيده: "طبعا، طبعا لن يمانع، أنهي الموضوع".

وسرعان ما دوى صوت إطلاق عيارٍ ناري في جميع أنحاء القرية... سقطت جثة الرجل العجوز الضعيف على التراب بدورها، وسالت الدماء القرمزية على الأرضية الصفراء. لم يشعر العسكري وكأنه قد اكتفى، فكر قليلًا ثم أفرغ مخزونه كاملًا على جثة العجوز الراحل، لم يكن شيئا نابعًا من حقد أو كره شخصي... كان فقط وكأنه يبحث عن القليل من المتعة الشخصية.

أشار العسكري إلى نافذة أحد المنازل بمسدسه، وسرعان ما ظهر شخص آخر من باب ذلك المنزل، سار ووقف أمام جثة العجوز، تردد قليلا، ثم بدأ بسحب الجثة واختفى تمامًا في الظلام.

تابع العسكريان سيرهما بعد أن تجاهلا تماما ما قاما به منذ لحظات، عادا للتكلم سويًا وكأن شيئًا لم يكن...

لاحظ كيد أنهما يقتربان من الفريق، وبأمرٍ واحد مع إشارة من يده: "أختبؤوا!"...

بلمح البصر، مستترين عن الجنديين القادمين، اختفى الجميع في الظلال وكأن أحدًا لم يكن هنا منذ لحظة، وقفوا دون حراك أسفل الأكواخ والمباني القديمة. أخذ كيد نظرة سريعة حوله ليرى فيما إذا كان الجميع قد أكمل اختبائه.

صر على أسنانه بغضب...

"اللعنة..."

بعيدا عن الفريق بأمتار، وقف ايسيليان لوحده، كان يضع كلتا يديه في جيبيه، رأسه مرفوع وينظر نحو السماء، وكأن شيئًا ما في القمر المكتمل يجذب انتباهه ويصرفه عن العالم الخارجي.

كان سارحًا تمامًا وغائبًا عن الواقع...

حاول كيد الهمس لجذب انتباهه، لكن كان الأوان قد فات؛ لاحظ العسكريان ايسيليان وأسرعا نحوه بهرولة غير منتظمة...

2026/03/10 · 0 مشاهدة · 1172 كلمة
نادي الروايات - 2026