"ماذا تفعل عندك يا هذا؟"
صرخ أحد العسكريين بصوت جهوري مخاطبًا ايسيليان الواقف لوحده في وسط شارع القرية القديمة. لم يلقِ الآخرُ له بالًا، أو ربما فقط لم يسمع. كان ايسيليان لا يزال شاردًا... شاردًا في عالمه الخاص بعيدا عن الضوضاء الخارجية، كان فمه مفتوحًا بقدرٍ بسيط وحاجباه مرتخييان، لم تلتفت عيناه الجليديتان لشيء آخر سوى القمر الرمادي المعلق في السماء السوداء.
كان منظر القمر المكتمل جميلًا، فقد ظهرت تفاصيل فوهاته المختلفة بوضوحٍ شديد لأعين الناظر، وأعطى انعكاس الضوء من على سطحه منظرًا جذابًا ومنعشًا. ومع ذلك، حتى مع أنه قد بدا أكثر قربًا ووضوحا وسحرًا في هذه المرة، وأنه بلا أي شك فإن النظر إلى القمر أفضل بعدة مرات من التمعن في مشهد القرية الكئيبة والمنازل المتهدمة، إلا أن جمال القمر وبهائه لم يكن سببًا كافيا لأخذ وعي الشاب الوسيم بعيدا.
ربما كان السبب هو رغبة من الشاب نفسه؟... رغبة في طرد وعيه وتركيزه والقائهما على ما هو أفضل بمراحل وأقل إجهادًا. فقد كانت عقلية الشاب ذو الشعر الأبيض بسيطة وتتبع قاعدة واحدة، وهي اتباع الأبسط.
ففي حالته هذه كانت مراقبة الأكواخ الصغيرة المحترقة والمتهدمة لهذه القرية المنعزلة بين الجبال، ومحاولة الإنصات لأفواه ساكنيها الصامتة، والشعور بالضغط المزعج للهواء الثقيل الخانق في أجواءها، مهمة صعبة وشاقة.
وعندما كان هنالك تنوع في الخيارات، لطالما اختار الشاب الساحر أرقاها وأبسطها على عقله، حتى لو عنى ذلك الانعزال الكامل عن ما يحيط به في بيئة الخيار الذي تجاهله. فالقمر المكتمل لم يكن هو الذي أرسل سحره ليسلب وعي الشاب الوسيم، بل كانت رغبة الشاب نفسه هي من قيدت وعيه وعزلته ومنعت أذنيه من استقبال الأصوات الخارجية.
صرخ الجندي الآخر: "نحنُ نكلمك... هيي أنت".
صحيح أن وعي ايسيليان قد كان في عالم آخر مختلف تماما، لكن في نظر الجنود فقد كان جسده حاضرًا أمامهم ولا يفصله عنهم سوى بضعة أمتار. من بين كل شيء استطاع أن يصله، بدا وكأن القمر اختار ايسيليان لوحده ليرسل شعاعه اليه.
أسفل ضوء البدر الجميل وقف شابٌّ أكثر جمالا وبهاء منه. برز شعره الأبيض الطويل فظهر بلونٍ أزرق أخّاذ بعد أن اندست خيوط القمر بين خصلاته... لم يكن فرق اللون بين بشرته وشعره شيئا يذكر، خلافا لعينيه الجليديتين اللتين برزتا من بين وجهه الناصع فأضاءتا المكان من حوله.
أخيرا وبعد صمت طويل وتجاهل، خرجت تنهيدة شبه حزينة من بين شفتي الشاب. ظهر قلق طفيف على ملامح الجنديين وتراجعا قليلا للوراء، بدا وكأنهما كانا خائفين لسبب ما من تجاهل الشاب طويل البنية لوجودهما حوله. بعد لحظة واحدة عاد ايسيليان لشروده من جديد.
رمش أحد الجنديين ثم زمجر غاضبا: "أيها اللعين!.. "
بدا وكأن الشاب الساحر قد استيقظ أخيراً من غفوته الطويلة. نظر حوله متعجبًا فلاحظ رجلين يقفان على بعد أمتار قليلة منه. أمال رأسه مستغربا للحظات ثم رفع حاجبيه. بدأ ينظر هنا وهناك كمن أضاع شيئا ثمينا لكن بلا جدوى.
"ماذا تفعل أيها الأحمق!؟" صرخ أحد الجنديين به بصوته الأجش.
متفاجئا، التفت ايسيليان اليه قليلًا ثم قال: "ايه حسنا!... يبدو أنني قد أضعت رفاقي. هل تعرفان أين أجدهم؟"
رفع أحد الجنديين حاجبه وفتح الآخر فمه. بعدما باتا أكثر قربًا، أصبحت ملامح الجنديين أكثر وضوحا... كان أحدهما بشعر أسود قصير وندبة عميقة على وجهه. بينما كان الآخر سمينا قليلا مع أربع شعرات بالعدد زادت وجهه القبيح قبحًا.
صمت الجنديان للحظات حتى ظن ايسيليان أنهما لن يجيبا، وأخيرا تحدث ذو الندبة بغضب واضح على وجهه: "ماذا تفعل هنا؟ في مثل هذا الوقت؟ دون أي عمل؟"
أمال ايسيليان رأسه قليلا قبل أن يجيب: "ماذا أفعل هنا؟... حسنا، لقد كنت أتمشى كما ترى. وماذا تقصد في مثل هذا الوقت؟... وأيضًا... أنا على يقين بأن لدي عمل يجب إنجازه... لهذا أنا هنا من الأساس".
عقد كلا الجنديان حاجبيهما ثم تحدث السمين بصوت خافت تصاعد تدريجيا: "إذا كنت على يقين بأن لديك عملًا يجب إنجازه... فلماذا بحق تقف هنا مكتوف الأيدي؟"
"حسنًا في الواقع، كنت أحتاج لرفاقي لإتمام هذا العمل، ويبدو الآن وكأنهم قد اختفوا... هل يعرف أحدكما أين يمكن أن أجدهم".
شعر الحنديان وكأنه يتم الاستهزاء بهما... ما هذا الكلام؟ وما هذا الأسلوب؟ وما هذه الوقفة الخالية من التبجيل والاحترام؟... من أين لهذا الوغد كل هذه الجرأة؟
تحدث السمين بعد أن صر على أسنانه غاضبا وتقدم خطوة للأمام: "أتهزأ بنا يا هذا!؟... أي نوع من الهراء هو الذي تتحدث به؟"
رفع ايسيليان كفيه في الهواء: "أهزأ بكما! ولم ذلك؟... أنا جادٌّ تماما فيما أقول... لقد كنتُ معهم منذ ثوان".
أطلق السمين نفسًا غاضبًا من أنفه ثم وضع يده على سلاحه ليتوقف بحركة سريعة من يد رفيقه: "بيث! انتظر!"
التفت الجندي الأصلع الى رفيقه وعلامات الغضب لا تزال واضحة على وجهه: "ماذا الآن؟ طفح الكيل مع هذا الأحمق... ألا ترى أنه يستهزئ بنا طوال الوقت؟"
همس رفيقه له: "لا انتبه! ألم تلاحظ شيئا ما بخصوصه؟"
"لم ألاحظ ماذا؟"
"ركز جيدا... بشرة بيضاء نقية ونظيفة، ملابس أنيقة وفاخرة، بالإضافة إلى تصرفه اللامبالي الذي قد يبدو أحمقا بالنسبة لنا... ألا يعطيك كل هذا تلميحا لفكرة ما؟"
"لا أفهم".
أطلق ذو الندبة تنهيدة ثقيلة، ثم سرق نظرة جانبية على الشاب وعاد مجددا لرفيقه: "إنه ليس من هنا أيها الأحمق... كيف لا يكون هذا واضحا؟"
رمش السمين ثلاث مرات بعد أن فهم أخيرا ما يحاول رفيقه ايصاله: " مهلا! هل تقصد ذلك حقا؟... هذا قد يعني..."
أوما له رفيقه ببساطة... وما هي إلا لحظة حتى كان كل منهما يرفع سلاحه ويوجهه نحو ايسيليان. تراجع الشاب قليلا للوراء: "مهلا، مهلا ما الذي تفعلانه؟"
"لا تتحرك!" صرخ كلا العسكريين في وجهه في الآن ذاته. كان واضحًا من نبرتهما الآمرة وجود القليل من التوتر والخوف، حتى مع محاولاتهما لإخفائه.
كان كيد ورفيقيه الآخرين يراقبون المشهد من الظلال دون أي نية للتدخل، حتى مع الوضوح الظاهر بأن الأمور ستتجه للأسوأ عما قريب.
'ذلك المغفل... سأتأكد من قتله عما قريب'.
التفت السمين لرفيقه ثم همس قائلا: "ماذا نفعل؟ أيجب أن نقتله حالا؟"
رد الآخر: "لا، أرى أن نأخذه معنا للقائد".
لم يستطع السمين اخفاء ابتسامته: "طبعا، كيف لم أفكر في هذا؟ لا بد أنه سيكافؤنا... لا زلت أتذكر عندما فعل اتاش شيئا كهذا... نعم نعم، قبل أشهر".
نطق ذو الندبة قائلا: "حسنا اذهب الآن، اقترب منه واعتقله".
ازداد القلق على وجه السمين قبل أن يرد قائلا: "مهلا، لماذا أنا؟ لم لا تذهب انت؟"
"حسنا كما تشاء، وسآخد كل الفضل أمام القائد لوحدي في هذه الحالة".
"لا... اقصد... ربما أسأت التفكير ساعتقله بنفسي". صمت قليلا ثم أضاف: "لكن ماذا لو؟... ماذا لو كان منهم؟ أقصد من تلك الفئة".
"حسنا كما تشاء ابتعد عن طريقي".
رد السمين على عجل: "لا لا.. سأذهب أنا".
سار الجندي السمين بخطوات حذرة نحو الشاب بينما يشير بسلاحه نحوه. لم يتجرأ أثناء سيره على ان يزيح بنظره عنه، فبقيت عيناه مثبتة على هدفه... كان ايسيليان في المقابل يقف ثابتا وينظر للأرض.
"لا تتحرك! ستأتي معنا... رجاء؟"
لم يجب الشاب ولم يظهر ردة فعل بسيطة حتى، بل ظلت عيناه مثبتة على الأرض وجسده ساكن لا تُحرك الريح منه سوى شعره الثلجي.
اقترب السمين منه حتى بات على بعد سنتيمترات قليلة من الجسد الطويل والنحيل. دفع سلاحه ببطء مقربًا اياه إلى الشاب الساكن، ثم دفعه دفعة أخيرة بسيطة حتى لامست فوهته المعدنية صدره...
'ها!؟'
سقط السلاح الصغير على الأرض وأصدر صوتا بسيطا لارتطام المعدن بالتراب والحصى. نظر السمين مباشرة لمكان السقوط ووجد سلاحه الذي أصبح يلامس التراب.
'ما هذا اللون الأحمر؟... لا أذكر أني رأيته على سلاحي من قبل'.
رمش ثلاث مرات متتالية بينما لا يزال لم يدرك ما حدث... توسعت عيناه قليلا ثم... هزت صرخة ألم مدوية أركان القرية بأكملها... "ذراعي! ذراعي!".
كانت ذراع الأصلع السمين لا تزال ممسكة بالسلاح المعدني الصغير، امتزج التراب الأصفر بالدماء السائلة وما لامسته من جلد... كانت مقطوعة بدقة عالية من المرفق.
استمر الرجل بالصراخ ثم سقط على ركبتيه وبدأ ينوح كالأطفال. كانت الدماء تتسابق فيما بينها لتخرج من ساعده المقطوع، فشكلت منظرا مقززا لنافورة دموية. ظل الرجل يتخبط هنا وهناك وصوت صرخاته يعلو ويخفت باستمرار.
صُدمَ الجندي الآخر وتجمد تماما بينما يراقب رفيقه أمام عينيه، ثم حول نظره الى الشاب الطويل الذي لا يزال ثابتًا مكانه حتى مع هذا المشهد المروع. كانت عينا الشاب تلمعان بينما داعبت الريح شعره الثلجي بلطف، وبينما سلط القمر أشعته على خنجر جليدي حاد تأرجح بيده اليسرى.