رفع السمين عينيه ببطء لينظر بذعرٍ الى الشاب الطويل أمامه. ارتجف فمه من الخوف، والتصقت دموع الألم المروع بخديه. لم يكن قادرًا على النطق، ولم يكن حتى قد استوعب ما حدث له منذ لحظات
كيف ومتى وصل ذلك الخنجر الى يده؟ متى قام بتحريكه ليقطع ذراعه ودون أي عناء يذكر؟ تبادرت فكرة مفزعة الى عقل السمين، تمنى أن تكون خاطئة...
انحنى ايسيليان بهدوء واقترب من وجه الجندي المرتعب بملامحه الباردة وعينيه المستعتين، ثم همس بهدوء: "لربما سألت... أين رفاقي؟"
لم يمتلك السمين إجابة ليقدمها. ارتجف فمه مجددا ونسي الألم المروع لذراعه المبتورة للحظات
"لـ... انا لا اعلم"
زم ايسيليان شفتيه:
"أفهم..."
لوّح بالخنجر الجليدي بيده ثم كرر:
"أنا حقا أفهم.. يحدث هذا كثيرا"
ارتجف السمين، وانتقل الرعب بسرعة الى كامل كيانه، حاول الزحف قليلا الى الوراء، فقط ليتأرجح الخنجر الجليدي بيد ايسيليان مصوبًا نحو حنجرة الجندي التعيس، لكن لم تكن الضربة كافية لإنهاء حياته، بل انزلقت فقط لتترك خدشا طفيفا على وجهه
قبل أن يصل الخنجر لهدفه، طارت رصاصة من فوهة سلاح صغير، فاضطر ايسيليان لتحريف اتجاه ضربته بعد أن هرب بجسده كاملا من طريق الرصاصة المسرعة.
كان السمين الملقى على الأرض يعرف أنه لم يكن هنالك انسان طبيعي قادر على تفادي رصاصة بعد أن تغادر مخزنها، لذا أدرك أن من أمامه لم يكن إنسانًا طبيعيا
كانت ذراع ذو الندبة تختلج وترتجف بينما يحمل سلاحه الصغير. أدرك أنه أضاع فرصته الأخيرة للتخلص من الكائن القابع أمامهم.
في السابق، عندما جاءته لحظة الإدراك تلك عن ايسيليان ظهر شك طفيف في عقله. بالطبع، لقد تمنى أن يكون مجرد شك عابر لا معنى له، لكن يبدو وكأن مخاوفه قد تحققت
كانت هذه القرية مكانًا معزولًا بذاتها، وبعيدة عن أي مستوطنات بشرية أخرى. لم تكن فكرة أن يأتي شخص ما غريب من الخارج لإلقاء التحية أمرًا واردًا، وهو ما ترك العسكري أمام احتمالين: إما أن هذا الشخص كان ذاهبًا في رحلة إلى مكانٍ ما، وقرر أن هذه القرية هي مكان مناسب للاستراحة على الطريق الطويل، وهو أمر نادر جدًا؛ إذ يتطلب أحمقًا أو مجموعة من الحمقى الذين اختاروا طريقًا كهذا لرحلتهم، ويتطلب أيضًا معرفتهم بالمسارات جميعها التي يجب عليهم سلوكها للوصول إلى هنا بأمان، وهو ما يتعارض مع النقطة الأولى بكونهم حمقى
وهو ما لم يترك سوى احتمالًا واحدًا فقط كان على الجنديين الاستسلام له من البداية...
"أيها المستيقظ اللعين!"
صرخ ذو الندبة بغضب بينما بدأ يطلق النار صوب الشاب الطويل، محاولًا بيأس التخلص منه. تفادى الآخر كل الرصاصات الطائرة بمهارةٍ عالية، وسرعان ما كان يقف بجسده أمام الجندي. أمسك ايسيليان سلاح ذو الندبة بيد، والخنجر بأخرى، ليطلق ذو الندبة رصاصة أخيرة يائسة، لم يضطر ايسيليان لتفاديها حتى بل سحب ذراعه لتنطلق الرصاصة مباشرة للأعلى، ولم يتردد الشاب كثيرا قبل أن يمزق الخنجر الجليدي عنق الجندي التعيس الآخر
أسقط ايسيليان الرجل من يده، ثم بدأ ينفض الغبار عن ملابسه، لاحظ بعض بقع الدماء الصغيرة التي لامست معطفه الأسود الداكن ولطخته. كان عليه التعامل معها فيما بعد
بينما كان ايسيليان مشغولا بنفض الغبار عن ملابسه، حمل السمين سلاحه بعد أن زحف ببطء، وفتح قبضة ذراعه المبتورة ليسحبه منها، التفت إلى ايسيليان بعجز شديد ورفع سلاحه ببطء بينما يكتم صرخات ألمه الرهيب، ثم في لحظة واحدة أطلق كل صرخاته بعد أن ضغط على الزناد:
"مت أيها الوغد!..."
...خرج صوت طقطقة فارغة من السلاح المعدني...
تغير وجه الأصلع ليصبح أكثر قتامة وبدأ العرق يغطي جبينه.
'ها!؟'
سمع ايسيليان صوت الصرخة من خلفه، فالتفت برأسه أولا ثم بجسده كاملا نحو السمين
عادت ذاكرة الجندي العاجز به لدقائق مضت. تذكر ذلك العجوز الذي قتله قبل قليل. رصاصة... رصاصتين... ثلاثة... لقد أفرغ كل رصاصاته في جثة العجوز المسكين
'انتهى أمري!'
لامست رجل ايسيليان الأرض بخطوة أولى...
'هل هذه نهايتي؟'
وسحقت الثانية الأرض...
'سأموت'
تبعتها خطوة ثالثة بهدوء شديد...
'هل يوجد أمل؟'
اختفى ايسيليان وحل مكان قدميه الغبار، ليظهر خلف جسد السمين
"لا، لا يوجد..."
كانت جثة الأصلع البائس قد سقطت على الأرض وبدأت تسبح في بركة من الدماء بالفعل
تلاشى الخنجر الجليدي من يد ايسيليان بعد أن تحول إلى غبار أزرق لامع، ونفى وجوده منذ لحظات
أصبحت يد الشاب عارية من جديد إذ لم يعد محاطًا بأي تهديد بعد الآن...
شد ايسيليان حاجبيه قليلا...
ذهبت ملامح القاتل البارد الخطير، وحل محلها التعبير المعتاد لوجه الشاب الساحر. رفع كلتا يديه للأعلى، ثم أمسك بهما رأسه وأمال ظهره قليلا وتوسعت عينيه
"اللعنة! ما... ما الحماقة التي فعلتها؟"
بدأ الشاب الوسيم يدور حول نفسه ويضرب رأسه بيديه كمن أخطأ خطئا فادحا لا سبيل لإصلاحه
"سحقًا، سحقًا... كيف؟ ... كيف سأعثر على رفاقي الآن؟. ما كان يجب أن أقتلهما كم أنا مغفل، كم أنا مغفل"
توقف الشاب عن الدوران، ثم رفع نظره عاليا ليوجهه الى القمر المكتمل
'كم هو جميل'
صفع خده بكلتا يديه
"ليس وقته الآن، كم أنا مغفل، كم أنا مغفل"
"أوافقك تمامًا، أنت بالفعل مغفل كبير"
ظهر شخص من الظلال وخاطب ايسيليان بنبرة ساخرة ومستهزئة. وسرعان ما ظهرت ابتسامة بلهاء على وجه ايسيليان
"غاااارث!"
تبعه اثنان آخران خرجا بهدوء بالغ من وراء سور أحد المنازل
"ايه، اعع... أقصد..."
بدا أن ايسيليان قد فقد قدرته على النطق
علق غارث بتساؤل: "ماذا؟"
"لا شيء، فقط... ألم يتم اختطافكم أو قتلكم أو... شيء من هذا القبيل؟... أين كنتم طوال الوقت؟"
تثاءب الشاب طويل القامة ثم رد:
"أنا أوافق غارث وأوافقك... ايسيليان، أنت مغفل"
"ها!؟... ماذا تقصد؟... فورج، أخبرني انا لا أفهم"
أطلق فورج تنهيدة طويلة
"لا شيء حقا، فقط... كان يجب أن نختبئ، لكنك بقيت شاردًا لوحدك في المنتصف دون أن تتحرك"
"نختبئ؟... لماذا؟"
"انسى الأمر ليس شيئا مهمًّا"
ألقى كيد نظرة جانبية على ايسيليان. في اليوم السابق سخر منه الآخر لأنه قام بتصرفاتٍ غريبة وغير مفهومة دون سبب وها هو الآن يقوم بشيء مشابه...
'أعني... أي أحمق يتجمد في مكانه وينعزل عن فريقه ثم عن عالمه لينتهي به الأمر بقتال اثنان من العساكر وقتلهما؟'
اقترب كيد قليلا من ايسيليان، ثم أشار بيده نحوه وأخذ نفسًا عميقا وقال متذمرًا: "ليس شيئًا مهمًا؟... وكيف لا يكون شيئًا مهمًا؟... لقد قتل الأحمق اثنان بينما نحاول نحن التجسس دون كشف أنفسنا... يجب أن نتخلص من الجثتين حالًا... أتمنى أن لا يكون أحد قد سمع... وكيف لا يكونوا كذلك؟... أتمنى إذا أن لا يلقوا بالًا أو ما شابه... فورج احمل الجثتين وأخفهما بالحال... بالحال!... يجب أن نبتعد من هنا سريعًا قبل أن يرانا أحدهم..."
كان الجميع بلا شك منصدمين من السلوك الانفعالي لقائدهم الهادئ. كان كيد كثير الغضب والاستياء من كل شيء، لكنه نادرًا ما عبر عن غضبه بالكلام الحاد والغزير. هل كان هذا نتاجًا لطبيعة المهمة التي يجب أن يقوموا بها والاسم الذي وضعوه كهدف لهم؟... ربما نعم... وربما لا...
لكن لم يكن هذا ما يشغل بال ايسيليان في الوقت الراهن، بل أمر آخر أبهره وشد انتباهه
'كـ... كيف لم ألاحظ؟... طوال هذه السنوات وطوال هذه الرفقة وكل المهمات التي قضيناها معا... لا أصدق أنني أبصر هذا للمرة الأولى'
"كيد!"
التفت الشاب ذو العينين القرمزيتين بغضب حاد نحو رفيقه الآخر. ابتلع ايسيليان ريقه ثم قال: "أنت..."
صمت قليلا فتكلم كيد قائلا: "أنا ماذا؟ تكلم!"
تابع ايسيليان أخيرا
"أنت أقصر مني... بكثير"
رمش كيد ثلاث مرات، ثم أخذ نفسا طويلًا وهادئا. فتح فمه وأغلقه ثم فتحه مجددا ليرد بكلام لن يسر رفيقه بالتأكيد. لكن فجأة سمع صوت خشخشة ضعيفة من خلفهم، تلتها خطى أقدام هادئة...
تغيرت ملامح الفريق بأكمله...
'سحقا!... هل سمعونا ووصلوا بهذه السرعة'
دارت قدم كيد نصف دوران ليختفي بسرعة ويظهر في وجه الزائر الجديد
"من تكون؟"
كان فأس معدني حاد يلامس رقبة الضيف غير المدعو، بانتظار حركة خاطئة ليقوم بعمله...