كان الغروب يسدل عباءته الأخيرة على المدينة حين خرج كينوس بلانيتِس من منزله.

لم يحمل شيئًا. لا حقيبة، ولا هاتف، ولا حتى ساعة.

كأنه كان يعرف أن الزمن هناك، فوق التلة، لا يعني شيئًا.

الشارع كان صامتًا على غير عادته.

الهواء ثقيل، مشبع برائحة الغبار القديم والرماد المتطاير، وكأن المدينة نفسها كانت تحبس أنفاسها وهي تراه يبتعد.

كل خطوة على الأرض الحجرية المكسورة كانت تصدر صدى خافتًا، كأنها تحذره من شيء قادم.

لم يلتفت خلفه. لم يكن هروبًا، بل عودة… إلى المكان الوحيد الذي يمكن أن يسمع فيه صوته الداخلي دون تشويش.

التلة كانت بانتظاره.

عارية من الأشجار، مكسوة بالعشب اليابس، والرماد متناثر فوق الصخور المشققة.

الهواء فيها أبرد، وكأن الزمن نفسه هنا يسير ببطء أكبر.

غيوم بنفسجية تتشقق حول قرص شمس يحتضر، وخيوط ضوء حمراء تمتد كجراح مفتوحة عبر الأفق، تجعل المكان يبدو بين الواقع والكوابيس.

حين بلغ القمة، جلس تحت صخرة سوداء مشققة.

شعره الرمادي يتطاير بفعل الريح، وعيونه البنفسجية تتلألأ في الضوء المتلاشي

هناك، لم يكن يسمع شيئًا سوى ذكرياته، أسئلته، تجاربه التي لم يخبر بها أحدًا.

كل فكرة كانت تمرّ كرماد ساخن، تحرق ثم تختفي.

وفجأة، جاء الصوت…

ليس من اليمين، ولا من اليسار، ولا من خلفه.

بل من داخله.

سيفرين: "أهلاً بك، كينوس…"

وقف كينوس مشدوهًا، قلبه يخفق بعنف، لكنه لم يرتجف.

الصوت لم يكن غضبًا، ولا عاطفة، بل يقين مطلق يملأ الفراغ بداخله.

سيفرين: "ها أنت… على وشك فهم مدى هشاشتك."

تجمّد كينوس، كل شيء حوله أصبح ساكنًا: التلة، الريح، السماء، حتى الضباب الذي يتصاعد من الأرض بدا وكأنه توقف.

شعر بالرهبة، الاحترام، والفضول يمتزجون في قلبه، ويشعر أن هذه اللحظة ليست مجرد لقاء، بل بداية شيء أكبر من كل ما عرفه من قبل.

الغروب الذي رآه اليوم لن يكون آخر غروب يعرفه،

"أخيرًا…"

كلمة واحدة، لكنها ثقل من الإحساس بالهيبة والخوف،

وفتحت في داخله أبواب قوة، هيبة، وخوف لم يعرفه من قبل.

2026/02/11 · 5 مشاهدة · 299 كلمة
نادي الروايات - 2026