كانت أول ذكرى أملكها رائحة الدم
لم أتذكر وجه أمي جيداً ولا صوتها ولا حتى لون عينيها
كل ما بقي عالقاً في رأسي هو ذلك الليل الطويل حين حملتني بين ذراعيها وركضت وسط الممرات الحجرية للقصر
بينما كان المطر يضرب النوافذ كأنه يريد اقتحام المكان معنا
كنت صغيراً جداً لأفهم ما يحدث
لكنني أتذكر الخوف
أتذكر يدها المرتجفة وهي تضم رأسي إلى صدرها
وأتذكر ذلك الرجل المقنع الذي ظهر أمامنا فجأة
كان يحمل خنجراً أسود
صرخت أمي حين رأت الشعار المحفور عليه
دفعتني خلفها فوراً وسحبت سيفاً قصيراً من ثوبها
حتى الآن لا أفهم كيف استطاعت امرأة نحيلة مثلها أن توقف رجلاً مدرباً على القتل
لكنها فعلت
قاتلته بجنون أم تخاف على طفلها الوحيد
طعنت كتفه أولاً ثم عنقه
وعندما سقط أرضاً كانت هي قد تلقت طعنة عميقة في بطنها
أتذكر الدم
الكثير من الدم
كانت جالسة قرب الحائط تتنفس بصعوبة بينما تبكي بصمت
أما أنا فكنت أصرخ وأهز جسدها الصامت طالباً منها أن تنهض
لكنها لم تنهض أبداً
منذ تلك الليلة مات شيء داخلي معها
ابي لم بقم بدوره لم يواسني لم يحاول مساعدتي لم يكن معي في حزني
حاول الاعتذار لاحقاً
قال إنه كان مشغولاً بالحرب
قال إنه ندم لأنه لم يكن موجوداً
لكنه تزوج بعد عام واحد فقط
ثم أنجب أطفالاً جدداً عائلة جديدة حياة جديدة
أما أنا فبقيت مجرد ذكرى مزعجة داخل القصر
لم يحتوني أحد
كلما تشاجرت مع أحد كانوا يقولون إنني وحش
كلما ضربت خادماً أو كسرت عظام طفل نبيل كانوا ينظرون إلي وكأنني خطأ يجب إصلاحه
لكن أحداً لم يسألني لماذا كنت غاضباً طوال الوقت
كبرت وأنا أتعلم شيئاً واحداً فقط
أن الناس لا يفهمون الألم بل يخافون منه
ولهذا بدأت أجعلهم يخافون مني
أصبحت فظاً عدائياً سريع الغضب
كنت أفتعل المشاكل عمداً فقط لأرى الرعب في أعين الآخرين
حتى والدي بدأ يخجل مني
كان يحاول تأديبي أحياناً ثم يعود ليعتذر بعدها
لكنه لم يفهم أبداً أن المشكلة لم تكن في تصرفاتي بل في الفراغ الذي تركته أمي بعد موتها
ثم بدأت الحروب
حروب صغيرة على الحدود أولاً ثم حروب أكبر التهمت المدن والممالك
وهناك وجدت مكاني الحقيقي
الحرب كانت جميلة
صراخ الجنود رائحة الحديد الأجساد الممزقة
كل ذلك جعلني أشعر بالحياة لأول مرة
أما القتل
فكان أجمل من أي شيء آخر
كنت أشارك في المعارك رغم أوامر والدي
أقود الهجمات بجنون دون خطط أو خوف
وفي كل مرة كان المئات يموتون بسببي
فرسان أقوياء قادة مخضرمون رجال خدموا عائلتنا لعقود
كلهم سقطوا لأنني كنت أبحث عن المتعة وسط الدماء
وفي إحدى الحروب تم أسري
أتذكر جيداً نظرات السخرية على وجوه أعدائي وهم يخبرونني أن عائلتي دفعت ثروة كاملة لاستعادتي
يومها فقط فهمت مقدار العبء الذي أصبحت عليه
وعندما عدت لم يستقبلني أحد
لا احتفال لا غضب حتى
فقط قرار
تم طردي من العائلة والتبرؤ مني بالكامل
أُخذ اسمي مني أو ربما أنا من تخلى عنه أولاً
لم أعد أريد الانتماء إليهم
غادرت موطني دون أن ألتفت خلفي
وفي القارات البعيدة بدأت حياتي الجديدة
مرتزق مجهول
رجل يبيع الحرب لمن يدفع أكثر
تنقلت بين الممالك والإمبراطوريات لسنوات طويلة
قاتلت في الصحارى والغابات والثلوج
تعلمت كيف يُصنع الملوك وكيف يُذبحون
جمعت حولي رجالاً يشبهونني
قتلة منفيين وحوش نجت من الجحيم
ومع الوقت أصبح اسمي يثير الخوف في كل ساحة حرب
ثم وصلني الخبر
موطني سقط
عائلتي أُبيدت بالكامل
لم ينجُ أحد
في تلك الليلة أدركت أنني كنت أهرب طوال حياتي
من الشيء الوحيد الذي ما زال يربطني بهذا العالم
الغضب
عدت من الظلام كرجل مختلف
لم أعد أقاتل من أجل المال بل من أجل الانتقام
أخضعت فرق المرتزقة واحدة تلو الأخرى
حرّكت الدول كقطع شطرنج
أشعلت الحروب بين الممالك بابتسامة باردة
قتلت أمراء وأميرات ثم ألقيت التهمة على عائلات أخرى
دفعت إمبراطوريات كاملة نحو الانهيار فقط بكلمات وهمسات
حتى بدأ الناس يطلقون علي لقباً واحداً
ملك المرتزقة
لكنني لم أكن ملكاً لشيء
كنت مجرد رجل ميت يجر العالم معه إلى الجحيم
حرقت مدناً كاملة
أبَدت جيوشاً وعائلات حتى الأطفال لم ينجوا مني
في البداية كنت أقول إنهم أعدائي
ثم توقفت عن تبرير أفعالي
الحقيقة
لقد فقدت إنسانيتي منذ زمن بعيد
والآن أجلس وحيداً أمام نار هادئة وسط ليلة باردة
أراقب ألسنة اللهب تتراقص أمامي بينما تمتلئ يداي بدماء لا يمكن غسلها
لم يبقَ أحد لأنتقم منه
لم يبقَ أحد أنتظره
ولا سبب يجعلني أعيش حتى صباح الغد
لهذا وضعت السيف بجانبي
وقررت أخيراً أن أنهي هذه الحياة بيدي