✦ التجلي
التجلّي هو العملية التي يتفاعل فيها نظام السُّلَّم مع رغبات الكائن أو الجماعة، فيحوّل تلك الرغبات القوية إلى شكل واقعي محسوس.
ليس كل من يسلك طريق السُّلَّم يتجلّى، لأن التجلي لا يعتمد على القوة أو المرتبة، بل على قوة الرغبة واستمراريتها ونوعها.
كل كائن يملك داخلَه رغبات دفينة، لكن ليس كل الرغبات قادرة على التأثير.
فقط الرغبات التي تبلغ مستوىً عميقًا، ومتطرّفة في شدتها واستمراريتها، يمكن أن تثير استجابة نظام السُّلَّم.
حينها يبدأ النظام بالتفاعل مع تلك الرغبة كوقود، فيتغذى عليها ثم يحوّلها إلى قوة فعَّالة، تعيد تشكيل السالك ليتوافق مع طبيعة الرغبة المتجلِّية.
هذه العملية لا تتطلّب عددًا محددًا من الأفراد، فحتى شخص واحد قد تفوق رغبته رغبة عشيرة كاملة،
لكن في المقابل يمكن لرغبة عشيرة واحدة أن تتجمع لتكوّن قوة تضاهي رغبة فرد في شدتها.
التجلّي ليس حدثًا عشوائيًا، بل هو نظام تبادل بين نظام السُّلَّم والكائن:
الكائن يقدّم رغبة قويّة وخالصة، والسُّلَّم يستخدم طاقة تلك الرغبة لتحويلها إلى قوة وجوديّة تُعيد تشكيل جسد السالك بما يتوافق مع طبيعة رغبته.
قد يكون التجلّي فرديًا أو جماعيًا.
التجلّي الفردي ليس دائمًا الأسرع؛ فسرعته تعتمد على طبيعة الرغبة نفسها:
إن كانت الرغبة ضعيفة لكنها مستمرة (نسمّيها 1)، فإن تطورها يكون بطيئًا لكنه ثابت، يشبه تطور العشائر في التجلي الجماعي.
وإن كانت الرغبة قوية ومستمرّة (2)، فإن تطورها يتفوق على أي جماعة، وهذا النوع نادر جدًا.
أما إن كانت الرغبة قوية لكن غير مستمرة (3)، فتبدأ بسرعة هائلة ثم تضعف مع الوقت، وسرعتها الكلية تساوي تقريبًا الرغبة الأولى (1)،
والفرق أن الأولى متوازنة في كل مراحلها، بينما الثالثة تشتعل بقوة ثم تنطفئ تدريجيًا.
أما التجلّي الجماعي فهو أبطأ، لكنه أكثر ثباتًا واستقرارًا عبر الزمن.
قوّته تعتمد على مدى استمرار رغبات الأجيال المتتابعة:
فإذا كانت الرغبات ضعيفة، احتاجت إلى وقت طويل لتتحقق،
أما إذا كانت رغبات العشيرة قوية ومتناسقة، يمكن أن تختصر الزمن وتصل بسرعة تضاهي التجلي الفردي من النوع (1).
وفي حالات نادرة، حين تتوحد رغبات العشيرة كلها بقوة واستمرارية،
يصل التجلي الجماعي إلى مستوى يقارب الفرد من النوع (2).
وحينها، حتى السالك الفردي من النوع (2) — أي من يملك رغبة قوية ومستمرّة — يصعب عليه أن يتفوق على عشيرة كاملة من المستوى نفسه،
إلا في حالات نادرة واستثنائية جدا.
لكن لكل تجلٍ ثمن.
السُّلَّم لا يمنح شيئًا بلا مقابل.
الثمن يُحدد حسب نوع الرغبة وشدتها، وقد يكون نقصانًا في العمر، أو في الخصوبة، أو في القوة الجسدية أو الذهنية.
كلما كانت الرغبة أعظم وأبعد عن المنطق، زادت خسائر في مقابل تحقيقها.
التجلّي يمكن أن يحدث في أي مرحله من مراحل ومستويات نظام السلم،
لكن في العوالم الأولى والثانية يحتاج إلى رغبات أقوى من الطبيعي لأن قوه نظام السلم هناك لم تبلغ بعد مستوياتها الخارقة بعد .
بعض التجلّيات تنتقل إلى الأبناء تلقائيًا،
فإذا تحقّق الشكل في الجيل الأول، يرثه الأبناء دون حاجةٍ إلى قوة رغبات جديدة لاستمرار التجلي،
إذ يصبح جزءًا من تكوينهم الوجودي، وكأنهم وُلدوا على صورته الأصلية.
ومع مرور الأجيال، قد تتبدّل الملامح بفعل تغيّر البيئة أو ظروف المعيشة،
كما تتأثر الكائنات بالمناخ والغذاء والبيئة،
لكن جوهر التجلي يظل ثابتًا فيهم، لا يزول ولا يُمحى أثره مهما تقادمت الأجيال.
وفي المقابل، إن كانت رغبة السلف الذي كان يريد تجلي المعين قوية لكن لم يكمل ذلك التجلي ومات من الشيخوخه او في قتال،
فقد تنتقل بقايا تلك الرغبة إلى نسله، لتستمر عبر الأجيال حتى تتحقق يومًا ما في شكلها الكامل.
ولا يمكن الجمع بين أكثر من رغبة واحدة في عملية التجلي الواحدة،
فالسُّلَّم لا يستجيب للرغبات المتضاربة، ولا يحدّد أيّها الأصلح.
لذلك يجب على الجماعة أن تتوحّد في رغبةٍ واحدة واضحة قبل بدء التجلي.
فإن تفرّقت رغباتهم بين القوة، والخصوبة، والتحمل، فلن يتحقق أيٌّ منها،
أما إن اتفقوا جميعًا على هدفٍ واحد، كالبقاء في بيئة قاسية،
فحينها يتفاعل السُّلَّم مع تلك الرغبة الجماعية ويوجّه التحول نحو ما يضمن بقاءهم —
كتحسين مقاومتهم للجوع والعطش أو تكيّف أجسادهم مع طبيعة المكان.
ولا يشترط أن تجمعهم رابطة دم،
إذ يمكن لأفرادٍ من أصول مختلفة أن يخضعوا لتجليٍ واحدٍ إن توحّدت رغبتهم وهدفهم.
وحين ينجح هذا النوع من التجلي،
يتكوّن بينهم ارتباط عميق يفوق القرابة نفسها،
كأنّ السُّلَّم نسج بينهم صلةً وجودية نابعة من تجربة البقاء والمصير المشترك.
أمثلة:
عشيرة التكاثر السريع:
واجهت بيئة قاسية جعلت البقاء صعبًا، فتركزت رغبتهم الجماعية على زيادة خصوبتهم.
استجاب السُّلَّم، فازدادت قدرتهم على الإنجاب، لكن انخفض عمرهم الجسدي بشكل حاد.
عشيرة السعي للجمال:
رغبتهم في الجمال تفوقت على رغبتهم في القوة.
فصاروا أجمل من سائر العشائر، لكن أجسادهم ضعفت، وأصبحوا أقل قدرة على القتال.
عشيرة القوة:
رغبتهم كانت في القوة المطلقة.
السُّلَّم منحهم أجسادًا صلبة وقوة مفرطة، لكنهم فقدوا الكثير من ذكائهم وحساسيتهم العاطفية.
---
بهذا الشكل، التجلّي هو السبب الرئيسي في ظهور تنوّع الكائنات داخل نظام السُّلَّم،
وهو ما جعل الأجناس والعشائر تختلف في أشكالها وقدراتها وطبائعها، تبعًا لرغباتها الأولى التي غذّت النظام عبر الزمن.